مقاتلو "داعش" بلا قيادات.. لكن مع "أيديولوجيا"

مقاتلو "داعش" بلا قيادات.. لكن مع "أيديولوجيا"
(أرشيف)

لم تهزم القوى المحلية المدعومة من التحالف الدولي، تنظيم "داعش" في سورية والعراق هزيمة "كاملة"، حتى بعد أن خسر التنظيم جميع المراكز الحضرية التي خضعت لسيطرته بعد أحداث الموصل عام 2014، ومقتل العشرات من كبار قياداته.

وتحدّث مسؤولون أميركيون، منهم الرئيس دونالد ترامب، عن هزيمة "داعش" بعد انتهاء معارك الباغوز بمحافظة دير الزور شرقي سورية، في آذار/ مارس 2019، وعادوا لتكرار ما قالوه بهزيمة التنظيم بنسبة 100%، بعد مقتل أميره السابق، "أبو بكر البغدادي"، والمتحدث باسمه، "أبو الحسن المهاجر"، في تشرين أول/ أكتوبر الماضي.

من المؤكد أن الحملة التي قادتها الولايات المتحدة، بحشد دولي وإقليمي ومحلي استثنائي طيلة سنوات، ألحقت خسائر كبيرة ببنية التنظيم القيادية، وهو عامل مهم في إضعافه، لكنه ليس بحاسم وفقا لتجارب فقدانه كبار قياداته بشكل مستمر.

اجتماع الإدارة الأميركية لحشد التحالف الدولي واغتيال أبو بكر البغدادي (أ ب)

وبحسب تقارير غربية، فإن ما لا يقل عن 40 من كبار قادة التنظيم، بينهم البغدادي، وضعف هذا العدد من القيادات الميدانية وقيادات الصفين الثاني والثالث، اعتُقلوا أو قُتلوا بعد انتهاء معارك منطقة الباغوز، في آذار/ مارس 2019، وإعلان ترامب نهاية تنظيم "دولة الخلافة".

وفَقَدَ التنظيم الكثير من قياداته، منذ نواته الأولى "التوحيد والجهاد"، التي أسسها الأردني "أبو مصعب الزرقاوي"، في تشرين أول/ أكتوبر 2003، بعد مجيئه إلى العراق أثناء غزوه من قوات عدة دول، تقودها الولايات المتحدة، للعراق، في آذار/ مارس من العام نفسه.

وقُتل "أبو عمر البغدادي" مع رفيقه وزير الحرب "أبو حمزة المهاجر"، في 19 نيسان/ أبريل 2010، فخلفه في قيادة التنظيم "أبو بكر البغدادي"، الذي أعلن في 29 حزيران/ يونيو 2014، بعد سيطرة التنظيم على مدينة الموصل شمالي العراق بثلاثة أسابيع، ما قال إنها "الدولة الإسلامية" أو "دولة الخلافة الإسلامية" في العراق والشام، ومنها جاءت تسمية "داعش".

وقتلت قوات خاصة أميركية، بالتعاون مع قوات محلية، في 26 تشرين أول/ أكتوبر 2019، البغدادي في إحدى مناطق شمالي سورية، وبعد أسبوع أُعلن "أبو إبراهيم الهاشمي القرشي" أميرًا جديدًا للتنظيم.

أبو بكر البغدادي (أ ب)

وتواصل الولايات المتحدة سياسة تقويض قدرات "داعش" باستهداف كبار قياداته عبر إنزالات أو غارات جوية، وحثّ السكان المحليين على التعاون ضمن "برنامج المكافآت من أجل العدالة"، عبر تقديم معلومات تساعد على اعتقال قيادات أخرى مقابل أموال.

وخصصت واشنطن، مؤخرًا، ثلاثة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن "محمد خضر موسى رمضان"، وهو يُعتقد أنه المسؤول الأول عن الأنشطة الإعلامية، التي تلعب الدور الأهم في مرحلة إعادة نشاطات "داعش"، وإعطاء زخم معنوي لعناصره من خلال الدعاية الإعلامية، وهي تحظى بأولوية اهتمام قيادات التنظيم منذ تأسيسه.

وسبق لوزارة الخارجية الأميركية أن أعلنت عن مكافأة مالية قدرها خمسة ملايين دولار لمن يُدلي بمعلومات عن ثلاثة من قيادات "داعش"، هم "أمير محمد سعيد عبد الرحمن المولى" (حجي عبد الله)، أمير التنظيم حاليًا.

وأفادت التقارير أن القيادي الثاني "سامي جاسم محمد الجبوري"، وهو المسؤول عن إدارة الشؤون المالية في "داعش"، أنه يُشرف على المبيعات غير المشروعة للنفط والغاز والآثار وغيرها من مصادر إيرادات التنظيم المالية.

أما القيادي الثالث، فهو "معتز نومان عبد نايف نجم الجبوري"، ويُعرف باسم "حجي تيسير"، وهو الذي أعلنت السلطات العراقية مقتله، في 26 أيار/ مايو المنصرم، في قصف جوي بدير الزور شرقي سورية، بعد نجاته من 16 محاولة اغتيال، حسب بيان لجهاز مكافحة الإرهاب العراقي.

ويُعتقد أن "الجبوري" هو المسؤول الأول عن تصنيع العبوات المتفجرة في التنظيم، والمسؤول عن اختطاف وقتل أعداد من الإيزيدين في محافظة نينوى شمالي العراق، في آب/ أغسطس 2014، بعد سيطرة "داعش" على الموصل.

بمقتل "الجبوري" يكون "داعش" قد خسر، وفق تقارير، ثلاثة من قادته خلال أيار/ مايو الماضي، بعد إعلان التحالف الدولي، بقيادة واشنطن، مقتل اثنين من قادة التنظيم في غارة جوية، وهما "أحمد عيسى إسماعيل الزاوي"، المكنى بـ"أبو علي البغدادي"، مسؤول شمالي بغداد، ورفيقه "أحمد عبد محمد حسن الجغيفي"، أحد أهم مسؤولي الإمدادات وانتقال المقاتلين في سورية والعراق.

تأتي أهمية "الجبوري" كونه أحد أهم القيادات المقربة من أمير "داعش"، "أبو إبراهيم القرشي"، ويشغل منصب مسؤول التصنيع (وزير التصنيع) في التنظيم منذ 2014، قبل تعيينه المسؤول العسكري الأول في التنظيم، عام 2018، ثم تعيينه واليا على العراق قبل مقتله بأسابيع.

وسبق لـ"الجبوري" أن التحق بتنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين"، عام 2006، وهو ينتمي لعائلة تقول مصادر عراقية إن جميع أفرادها ينتمون للتنظيم، وبينهم شقيقان له يلازمانه في تنقلاته بين العراق وسورية، وهو في الوقت نفسه ابن شقيق المسؤول العسكري لمحافظة كركوك شمالي العراق "نعمة الجبوري"، الذي قُتل في غارة جوية للتحالف عام 2015.

معركة تحرير الموصل من "داعش"

وتعتمد قيادة "داعش" المركزية أسلوب إعطاء صلاحيات شبه مطلقة لفروع التنظيم حول العالم في تحديد الأهداف وشن الهجمات وتدبير شؤون التمويل.

ويهدف هذا الأسلوب إلى إدامة زخم عمليات التنظيم واستمرار ظهوره الإعلامي، لإثبات الوجود وبث الأمل في نفوس "المؤيدين" له، لتفادي حالة الإحباط جراء الخسائر العسكرية التي لحقت به وانحسار مناطق سيطرته إلى "الصفر".

قد يلعب التجنيد وصعوباته ومقتل أعداد كبيرة من المقاتلين في معارك أو ضربات التحالف دورًا مهما في رؤية قيادات "داعش" لمستقبل مشروعهم في "دولة الخلافة"، والذي لا يمكن إنجازه من دون ما يكفي من العنصر البشري، الذي يحافظ عليه التنظيم كأولوية متقدمة على الحفاظ على الأراضي والمدن.

بجانب تحدي خسارة "داعش" المتواصلة لكبار قياداته، يواجه التنظيم تحديات أخرى عديدة، أهمها حقيقة الرفض الواسع للتنظيم في أوساط المجتمعات "السُنية"، وبالتالي صعوبة عمليات التجنيد والحصول على تبرعات وتوفير نوع من الغطاء الأمني لتواجد مقاتليه ومخازن أسلحته ومعداته، مقارنة بالواقع قبل أحداث الموصل 2014.

قيادات الحشد الشعبي أثناء عمليّات ضد "داعش"

إن متابعة مسار "داعش" تؤكد أنه تنظيم يتمتع بأرضية أيديولوجية قائمة على جذب المجندين، ولا يمكن القضاء عليه من دون القضاء على المسببات التي أدت إلى ظهوره وتنامي قدراته واتساع رقعة انتشاره، ومن ثم انحسارها بعد تشكيل التحالف الدولي، عام 2014.

وللقضاء على "داعش" يجب أيضا التأكد من عدم وجود أي احتمال لعودة التنظيم إلى المدن، فالتمسك بالأرض لم يعد ضمن أولوياته المرحلية قدر الحفاظ على العنصر البشري، حيث يؤمن التنظيم بأن مشروع إقامة "دولة الخلافة الإسلامية" يتوقف على وفرة هذا العنصر لديمومة وجوده.