عودة سعد الحريري: التكليف لا يعني التأليف

عودة سعد الحريري: التكليف لا يعني التأليف
الحريري عند تكليفه (أ ب)

بعد عام على استقالته من رئاسة الحكومة تحت ضغط الشارع، كلّف الرئيس اللبناني، ميشال عون، أمس الأحد، سعد الحريري بتشكيل حكومة جديدة حدّد مهمتها بتطبيق الإصلاحات التي تضمنتها المبادرة الفرنسية لضمان الحصول على دعم من المجتمع الدولي يضع حدًا للانهيار الاقتصادي.

ولكنّ تكليفه برئاسة الحكومة لا يعني نجاحَه في تأليفها، في بلد يخضع لحساسيّات طائفيّة وجهوية عديدة.

ومنذ استقالة الحريري العام الماضي، يشهد لبنان أزمات متتالية من انهيار اقتصادي متسارع فاقم معدلات الفقر، إلى قيود مصرفية مشدّدة وتفشّي وباء كوفيد-19، وأخيرًا الانفجار المروّع في مرفأ بيروت.

أسقطت هذه التطورات حكومة حسّان دياب، وحالت دون تشكيل مصطفى أديب الحكومة بضغط فرنسي.

وفي الثامن من تشرين الأول/أكتوبر، أعلن الحريري أنه مرشح حكمًا لرئاسة الحكومة ضمن ثوابت المبادرة الفرنسية التي تضمنت تشكيل حكومة "بمهمة محددة"، تنكبّ على إجراء إصلاحات عاجلة لضمان الحصول على دعم المجتمع الدولي.

ويقدّم الحريري نفسه على أنه عرّاب "الفرصة الأخيرة" المتمثلة بالمبادرة الفرنسية، وقال بعد تكليفه إنه يعتزم تشكيل حكومة "اختصاصيين من غير الحزبيين".

تظاهرة ضد عودة الحريري (أ ب)
تظاهرة ضد عودة الحريري (أ ب)

ويرجع الباحث والأستاذ الجامعي في بيروت وباريس، كريم بيطار، عودة الحريري إلى أن "الثورة لم تتمكن من إنتاج قيادات وتشكيل جبهة موحدة فيما تمكّنت القوى السياسية التقليدية من رصّ صفوفها بغض النظر عن التباينات والخلافات بينها حول تقاسم الجبنة".

ويقول بيطار "ربّما يتفهم المجتمع الدولي استياء الشباب اللبناني لعودة الحريري لكنه لا يشاركه الاستياء ذاته لأنهم يعرفون شخصية الحريري وهم معتادون على التعامل معه ويعرفون أن لديه شبكة علاقات"، وبالتالي، "لن يتردد أحد من المجتمع الدولي في العمل مع سعد الحريري"، وإن كان لكل طرف أولوية بحسب بيطار. ففرنسا تريد "تشكيل حكومة تتلاءم مع المعايير التي وضعها الرئيس إيمانويل ماكرون، أي حكومة خبراء" تنكب على الإصلاحات والتفاوض مع صندوق النقد الدولي، بينما يتوقع الأميركيون والسعوديون منه "تبني موقف أكثر تشددًا إزاء حزب الله".

وبينما لم تثر تسمية الحريري أي موقف لافت، ركّزت ردود فعل واشنطن والأمم المتحدة على ضرورة أن تنفذ أي حكومة الإصلاحات المطلوبة.

ويختصر مصدر دبلوماسي أوروبي المشهد بالقول "لبنان اخترع التاريخ الذي يعيد نفسه. نعود مجددًا إلى الحريري".

عراقيل تعترض نجاح الحريري

ونال الحريري، أمس، الخميس، تأييد 65 نائبًا، فيما كان من بين الممتنعين عن تسميته "التيار الوطني الحر" الذي يترأسه النائب جبران باسيل، صهر رئيس الجمهورية، وحليفه "حزب الله"، القوة العسكرية والسياسية الأبرز في البلاد. لكن تسمية حركة "أمل" التي يتزعمها رئيس البرلمان نبيه بري، أبرز حلفاء حليف حزب الله، لم تكن لتحصل لولا موافقة ضمنية من الحزب.

ورغم الخصومة بينه وبين الحريري، ظلّ "حزب الله" من أبرز المتمسكين بعودة الحريري إلى رئاسة الحكومة طيلة الفترة الماضية، الأمر الذي ربطه محللون بالتنازلات التي قدّمها الحريري خلال سنوات حكمه، خصوصًا في ما يتعلق بسلاح الحزب.

وأقرّ الحريري، أخيرًا، أن سلاح حزب الله مشكلة، لكنه اعتبر أن "لحل هذه المشكلة يجب حلّ المشكلة الإقليمية".

ويقول الناشط السياسي وأستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت، ميشال دويهي، "يرتاح حزب الله لسعد الحريري. يحتاج الحزب إلى غطاء سني في المنطقة في ظل الصراع السني الشيعي"، ويضيف "الحريري مرشح الثنائي الشيعي ومرشّح الدولة العميقة. هو جزء من المنظومة، يعرف أخبارها ويتلقى ضرباتها. بات منها وفيها والتعاطي معه أسهل".

أما عن معارضة "التيار الوطني الحر" برئاسة باسيل لعودة الحريري، فيقول دويهي "ثمة صراع شرس على السلطة بين الرجلين. الاثنان في الخمسين من العمر وكل منهما يريد أن يكون الرئيس ويفتّش عن مروحة سياسية لحمايته".

إلا أن هذا "الكباش" (التصارع)، بحسب دويهي، لن يذهب بعيدًا، وسرعان ما سيجلسان مجددًا على الطاولة ذاتها.

وأمام الحريري اليوم طريق طويل وصعب في ظل إصراره على تشكيل حكومة لستة أشهر تضمّ اختصاصيين من غير الحزبيين، بينما الصراعات السياسية على النفوذ على حالها.

ويصطدم الحريري بعقبات عدة، أولها مطالبة الأحزاب السياسية الرئيسية بالمشاركة في الحكومة المقبلة، وهو ما أعرب عنه باسيل خلال الاستشارات عبر تأكيده أن الحريري ليس اختصاصيًا.. وبالتالي "أصبحنا أمام حكومة تكنوسياسية".

أما العقبة الثانية فهي تمسّك "حزب الله" مع بري بتسمية الوزراء الشيعة والاحتفاظ بحقيبة المال. وسبق للحريري أن أعلن رفضه تكريس هذه القاعدة التي حالت دون ولادة حكومة مصطفى أديب.

ويواجه الحريري المتظاهرين الذين يعتبرونه من أركان طبقة سياسية يطالبون برحيلها، رغم أن رد الفعل الأولي على تكليفه اقتصر على تحركات احتجاجية محدودة قابلها مناصرو الحريري بتحركات مؤيدة.

وفي حال نجاحه في تأليف الحكومة، سيكون الحريري تحت مجهر المجتمع الدولي الذي "لن يكون مستعدًا لتقديم أي ليرة للبنان" وفق دويهي، من دون تغيير حقيقي وإصلاحات.