حوار | على ماذا تجري الانتخابات الأميركيّة وأين العرب منها؟

حوار | على ماذا تجري الانتخابات الأميركيّة وأين العرب منها؟
بايدن وترامب خلال المناظرة (أ ب)

رغم استطلاعات الرأي التي تعطي المرشح الديمقراطي، جو بايدن، تقدّما مريحًا ومضمونًا على منافسه الجمهوري، الرئيس دونالد ترامب، إلا أن المعركة الانتخابيّة تزداد وطأة ساعة بعد أخرى، في ظلّ استقطاب شعبي وسياسي حادّ.

ومع اقتراب اليوم الانتخابي الحاسم، الثلاثاء المقبل، يسلّط موقع "عرب ٤٨" الضوء على أبرز النقاشات السياسية الانتخابيّة، مع مدير مكتب المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات في واشنطن، د. خليل جهشان:

"عرب ٤٨": على ماذا تجري هذه الانتخابات الآن؟ وما هو الموضوع الذي سيحسم السباق؟

د. خليل جهشان

جهشان: هناك إجماع شبه تام بين المحللين السياسيين في واشنطن على أن الانتخابات التاسعة والخمسين المزمع إجراؤها يوم الثلاثاء 3 نوفمبر2020، تحظى بأهمية خاصة وربما تاريخية بسبب القضايا والأبعاد التي تدور حولها هذه الحملة الانتخابية غير المعتادة. وتنبع أهمية هذه الانتخابات عامة من البيئة السياسية السائدة التي تجري فيها:

  1. وجود وباء عالمي نتيجة جائحة الكورونا شلَّ الحياة على الصعيد الأميركي والعالمي، ما أدّى إلى أضرار كبيرة لم يسبق لها مثيل، على الأقل في السنوات المائة الماضية. حيث بلغ عدد الإصابات عالميا 42,950,469 حالة، ومنها 1,149,142 حالة وفاة. هذا وتشمل الإحصاءات الأميركيّة وحدها 8,746,953 حالة بينها 229,284 حالة وفاة.
  2. ركود اقتصادي ناجم مباشرة عن فشل واشنطن في احتواء أزمة الجائحة التي التهمت مكاسب السنوات الأربع الماضية الاقتصادية حسب اعتراف الإدارة نفسها.
  3. استقطاب سياسي حاد للغاية رافق الإدارة الحالية منذ وصولها إلى البيت الأبيض عام 2017، أدى إلى شلّ العملية السياسية بشكل عام في واشنطن.
  4. نظام دولي متوتر نتيجة التخبط في السياسة الخارجية الأميركية حيث يتم الخلط بين التحالفات والعداوات بسبب النزعة الشعبوية المتنامية لدى الرئيس دونالد ترامب، والعديد من حلفائه الرئيسيين.
  5. شعور عام لدى الناخبين الأميركيين بأن أسلوب حياتهم الديمقراطي، بحسناته وسيئاته، يواجه تهديدًا وجوديًا غير معهود نتيجة الفوضى والتخبط من قبل الإدارة.

أعتقد شخصيا أن فشل التعامل بشكل حاسم في الحد من انتشار جائحة الكورونا وتأثير ذلك سلبا على الأقتصاد الأميركي سيلعبان دورا رئيسيا ومباشرا في حسم السباق الرئاسي والتشريعي في بداية الشهر القادم.

"عرب ٤٨": في البداية ضرب فيروس كورونا المدن الكبرى مثل نيويورك (معاقل الديمقراطيين)، بينما امتدّ لاحقًا ليطال الأرياف والمدن المتوسّطة. أي تأثير برأيك سيكون لذلك؟ ولصالح من؟

الانتشار الجغرافي لجائحة كورونا يتمتع بأهمية معيّنة لا يمكن إنكارها في فهم الأزمة التي عانت منها الولايات المتحدة منذ بداية العام. ولكن حجم الانتشار وسرعته وبطء الإدارة في مواجهته سيؤثّرون بشكل أكبر على نتائج الانتخابات من أماكن انتشار الفيروس. وهناك أدلة كافية تشير إلى أن انتشار العدوى في المدن الكبرى والولايات متعددة السكان المعروفة بكثافتها الديمقراطية زاد من غضب سكان هذه المناطق وتوجيه جم لومهم للإدارة الجمهورية واتهامها بعدم الاكتراث بمصيرهم وعدم تحمل مسؤولياتها تجاه مواجهة الأزمة الصحية والاجتماعية والاقتصادية على الصعيد المطلوب والمقبول مهنيا. أمّا انتشار الفيروس في المناطق الريفية في الفترات اللاحقة، فلم يلحق الضرر بشعبية ترامب وإدارته بسبب تعاطف سكان مثل هذه المناطق مع تيار المحافظين والجمهوريين، الذين لم يأخذوا الأزمة مأخذ الجد منذ بدايتها.

"عرب ٤٨": تغيب السياسات الخارجيّة عن النقاشات الانتخابيّة، هل لها تأثير حقيقي؟ ولماذا نرى هذه الضغوط الأميركية على الدول العربية للتطبيع إن كان لا وزن حقيقيًا للسياسات الخارجيّة في الانتخابات؟

تاريخيًا لا تتمتع مواضيع السياسات الخارجية باهتمام بالغ من قبل المرشحين في حملاتهم الانتخابية بسبب عدم اكتراث الناخب الأميركي لها، حيث يدلي المواطنون الأميركيون عادة بأصواتهم بناءً على وضعهم الاقتصادي أكثر من أي موضوع آخر. وهذا يتنافى مباشرة مع اهتمام المراقبين للانتخابات الأميركية خارج حدود الولايات الأميركية، وخصوصا في الشرق الأوسط، حيث يعتقد الكثيرون بأهمية قضاياهم وأهمية التأثير الأميركي عليها ولذا يتوقعون من الناخب الأميركي أن يعيرها اهتماما أكبر مما هو معتاد عليه على الصعيد الأميركي الداخلي. ولهذا لم نشاهد توجيه العديد من الأسئلة المتعلقة بالسياسة الخارجية لكلا المرشحين في مناظراتهما الرئاسية.

ترامب في البيت الأبيض (أ ب)
ترامب في البيت الأبيض (أ ب)

أما بالنسبة لموضوع التطبيع مع إسرائيل والانحياز المفرط لسياساتها، فقد اختارت إدارة الرئيس ترامب التركيز عليه منذ بداية فترة حكمها الأولى لسببين رئيسيين، أولهما وجود فريق صهيوني متطرف داخل الإدارة بقيادة جاريد كوشنر والسفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، وضع أمام أعينه هدف تغيير التوازنات الإستراتيجية في المنطقة وتصفية القضية الفلسطينية بأسرع وقت ممكن لأسباب أيديولوجية محضة لا دخل لها مباشرة في الانتخابات؛ أما العامل الثاني فهو مرتبط كليا بالانتخابات ويتعلق بأصوات الأنجيليين الصهاينة الملتزمين باعادة انتخاب ترامب لأسباب لاهوتية وأيديولوجية خاصة بهم. والغريب في هذا الموضوع أن حماس اليهود الأميركيين لخطوات التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل أقل حدة من تأييد الأنجيليين للفكرة ما ينعكس إلى حدٍّ ما في فتور الحزب الديمقراطي لجهود التطبيع.

"عرب ٤٨": لننتقل إلى المنطقة العربيّة، هناك لا مبالاة مفادها أن فوز ترامب أو خسارته لن يغيّر شيئًا في السياسات الخارجية الأميركيّة في المنطقة أو تجاه القضيّة الفلسطينيّة. برأيك هل هذا صحيح؟ وما هي الملفات التي سنشهد تغييرات فيها؟

لا أعتقد أن مثل هذا التحليل جدّي حيث أنه لا يمثل الحقائق المتواجدة على الساحة الأميركية ولا يعكس المواقف المتضاربة حول قضايا الشرق الأوسط عامة، والقضية الفلسطينية بالذات، في الحملة الرئاسية لعام 2020. فهناك، شئنا أم أبينا، العديد من المواقف المتباينة بين المرشحين الجمهوري والديمقراطي والتي ستقود حتما إلى تغييرات ملحوظة بعد انتهاء الحملة الانتخابية خلال أيام معدودة. التغيير قادم لا محالة حتى إذا حظي ترامب بولاية ثانية، ناهيك عن تغييرات جذرية في حال فوز السيناتور جو بايدن وعودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض.

ففي حال فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، رغم التراجع الملحوظ في إمكانية أو فرص نجاحه، يتوقع معظم المحللين بكل ثقة أن الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة سيفسّر النتائج على أنها نوع من التبرئة لوجهات نظره والتحفيز على اتباع السياسات الداخلية والخارجية التي انتهجها في ولايته الأولى بحرية وزخم أكبر مما شاهدنا طوال السنوات الأربع الأخيرة. ويتوقع البعض استمرار ترامب في طريقة عمله الانعزالية والاستبدادية دون تغيير، إضافة إلى ازدياد نزعته المتنامية لشخصنة قراراته السياسية وتصرفاته العشوائية والاعتباطية. كما يعتقد المقربون من حملة ترامب أنه سيختار هذه المرة فريقا جديدا من المخلصين له شخصيا، سيسمح له بالحكم بطريقته الخاصة دون وجود "محور للبالغين" مثل الجنرالات الذين أحاطوا به عام 2017 لإبقائه تحت السيطرة.

وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، أتوقع مواصلة ترامب في ولايته الثانية سياسته المعروفة بـ"أميركا أولا"، ولكن بزخم أكبر مما شاهدنا منه حتى الآن. وسيواصل نهجا أحادي الجانب وأكثر عدوانية إزاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وتجاه إيران. ومن المرجح أن تبقى إستراتيجيته للأمن القومي التي تبناها عام 2017 في هذا الصدد كما هي دون أي تغيير يذكر. وسيواصل ترامب وفريقه رؤية "السياسة الأميركية تجاه المنطقة من خلال عدسة مواجهة إيران ودعم إسرائيل دون قيود". إذًا، أتوقع باختصار، ولست وحيدا بين المحللين في واشنطن، أن العلاقات الأميركية - الفلسطينية ستزداد سوءا وتأزما نتيجة محاولة ترامب ومستشاريه استغلال ما يعتبرونها مكاسب إقليمية أحرزوها عبر اتفاقيات التطبيع الأخيرة بين عدد متزايد من الدول العربية، من ناحية، وبين إسرائيل، من الناحية الأخرى ومحاولة ابتزاز الطرف الفلسطيني، الذي تعتبره الإدارة الحالية ضعيفا ومعزولا عربيا ودوليا، للرضوخ لإملاءاتها والاستسلام للأمر الواقع الذي ستفرضه عليها إسرائيل وحلفاؤها العرب الجدد.

"عرب ٤٨": ماذا لو فاز بايدن؟

في حال فوز المرشح الديمقراطي بايدن بالرئاسة، كما تشير أغلب استطلاعات الرأي العام حاليا، فسيتم التعامل مع الشرق الأوسط عامة كمجرد منطقة أخرى في العالم دون إعطائها الأولوية التي يعيرها لها ترامب لأسباب أنانية أو شخصية. فمن المتوقع أن يتوقف الرئيس بايدن، خلافا لسلفه، عن استرضاء الحكام المستبدين في المنطقة، لكن لا يتوقع أن يقوم فجأة بتبني وتقديم الدعم الكبير والتشجيع للحركات التقدمية والمعارضة في المنطقة. ووفقًا لرأي المحلل والأكاديمي جيمس تراوب فإن الشرق الأوسط سوف يظل "المكان الذي ذهبت إليه المثل العليا للسياسة الخارجية الأميركية في فترة ما بعد الحرب الباردة للموت" بما في ذلك تعزيز الديمقراطية، وبناء الدولة، ومكافحة التمرد، والتدخل الإنساني، وحل الدولتين.

كما عبر محللون آخرون في واشنطن مؤخرا من أمثال تمارا كوفمان ويتس ومارا كارلين في "بروكينغز" بأن الشرق الأوسط في هذه المرحلة من التاريخ لم يعد يحظى بالقدر والاهتمام كما كان عليه في الماضي. فيعتقد هؤلاء أن بايدن سيتبنى طريقة عمل ومزاجًا مختلفًا في التعامل مع المنطقة عن ترامب، ولكن مع ذلك، فإن التغيير الكبير نحو سياسة أميركية أكثر تقدمية وفاعلية سيكون بطيئًا وحذرًا، في أحسن الأحوال. وينطبق ذلك بالتأكيد على أزمات إقليمية مزمنة مثل اليمن والعراق وسورية وليبيا، إضافة إلى القضية الفلسطينية.

أحد مناصري ترامب (أ ب)
أحد مناصري ترامب (أ ب)

أما بالنسبة لقضية فلسطين، فأتوقع من إدارة بقيادة بايدن التراجع عن حالة الحرب التي أعلنها ترامب على الفلسطينيين منذ وصوله إلى البيت الأبيض قبل ثلاث سنوات. هذا لا يعني أن بايدن سيعكس جميع القرارات السياسية المعادية للفلسطينيين والمنافية في أجزاء منها للقانون الدولي رغم انتقاده لها. وقد يشمل هذا قرار ترامب الاعتراف بيهودية الدولة والقدس كعاصمة دائمة لها وحقها في الاستيطان وضم هضبة الجولان وغيرها. ولكن يتوقع من بايدن اتخاذ خطوات عملية لاستعادة العلاقات الدبلوماسية مع السلطة الفلسطينية، السماح بعودة البعثة الفلسطينية إلى واشنطن، وإعادة فتح بعثة دبلوماسية أميركية في إحدى مدن الضفة الغربية، إضافة إلى تجديد تدريجي لبعض برامج المساعدات الإنسانية الأميركية للطرف الفلسطيني. كما يتوقع العديد من خبراء الشرق الأوسط في واشنطن من إدارة ديمقراطية جديدة السعي إلى بلورة أفكار جديدة لاستعادة عملية تفاوضية جدية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية على أساس ما تبقى من حل الدولتين والحد من الاستيطان وربما من خطط الضم الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

أعتقد شخصيا أن أهمّ تغيير قد يطرأ على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في عهد بايدن لن يبدأ في فلسطين بل سيكون على الأرجح في إيران. وكما ذكر بايدن مرارًا وتكرارًا، فإن إدارته ستعيد حث طهران للعودة إلى "خطة العمل الشاملة المشتركة". وكما كتب إيشان ثارور في صحيفة "واشنطن بوست"، الأسبوع الماضي، من المتوقع أن يقدم بايدن لطهران "مسارًا موثوقًا للدبلوماسية"، بما في ذلك بعض تخفيف للعقوبات التي كان لها تأثير قوي ومنهك على السكان المدنيين الإيرانيين.

وقد يستمر بايدن في السعي إلى تحقيق علاقات قوية مع حلفاء دول مجلس التعاون الخليجي على أساس المصالح الاقتصادية والإستراتيجية التاريخية المشتركة في المنطقة، ولكن من غير المتوقع أن يستمر في تبني موقف ترامب الحار ونهج منح "الشيك على بياض" للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة كما هو الحال الآن.