لبنان: المحاكم العسكرية تلاحق المتظاهرين ضد فساد السياسيين

لبنان: المحاكم العسكرية تلاحق المتظاهرين ضد فساد السياسيين
احتجاجات في بيروت، في حزيران/يونيو الماضي (أ.ب.)

بعد عام من اندلاع الاحتجاجات الجماهيرية في لبنان، يحاكم عشرات المتظاهرين أمام محاكم عسكرية، وهي إجراءات يقول محامو حقوق الإنسان إنها تنتهك بشكل صارخ الإجراءات القانونية وتفشل في التحقيق في شكاوي حول التعذيب وسوء المعاملة. ويقول المتهمون الذين حوكموا أمام المحاكم العسكرية إن هذا النظام يستخدم لترهيب المحتجين ودعم حكام لبنان الطائفيين، وفقا لتقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس اليوم، الأحد.

وجرى إحالة حوالي 90 مدنيا إلى القضاء العسكري حتى الآن، بحسب المفكرة القانونية، وهي منظمة حقوقية مقرها بيروت. وقالت المحامية في المنظمة، غيدا فرنجية، إنه "نتوقع محاكمة المزيد من المواطنين".

وتؤكد المحاكمات على المخاطر المتزايدة للنشاط في لبنان، حيث أدت سلسلة من القضايا والتحقيقات القضائية ضد الصحفيين والنقاد إلى تآكل سمعة البلاد في حرية التعبير والتسامح في عالم عربي استبدادي إلى حد كبير.

ولم ترد وزيرة العدل، ماري كلود نجم، على طلب للتعليق. ولا يتطرق المسؤولون اللبنانيون عادة إلى السؤال عن سبب محاكمة المدنيين في المحاكم العسكرية. ونفت قوات الأمن ضرب وتعذيب المتظاهرين والنشطاء أثناء الاحتجاز.

متظاهرة تسير قرب قوات الأمن خلال احتجاج ضد الطبقة السياسية، أيار/مايو الماضي (أ.ب.)

وقالت فرنجية إن القوات الأمنية اعتقلت نحو 1200 شخص منذ بداية الانتفاضة المناهضة للحكومة، في تشرين الأول/أكتوبر 2019 وحتى نهاية حزيران/يونيو الماضي. خلصت منظمة المراقبة إلى أن السلطات اللبنانية حاكمت حوالي 200 منهم، بمن فيهم المحالون إلى القضاء العسكري.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، اعتقل رجال المخابرات اللبنانية بملابس مدنية خلدون جابر، أثناء مشاركته في مظاهرة بالقرب من القصر الرئاسي خارج بيروت واقتادوه بالقوة بعيدا عن المكان. وكانت المظاهرة في إطار موجة احتجاجات تجتاح لبنان ضد الفساد وسوء الحكم من قبل مجموعة من السياسيين الذين احتكروا السلطة منذ انتهاء الحرب الأهلية في البلاد قبل ثلاثة عقود.

ولم يكن جابر يعلم ذلك حينها، لكن قوات الأمن اللبنانية استهدفته بسبب منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تنتقد الرئيس ميشال عون. وقبع في الاعتقال 48 ساعة مروعة، استجوبه خلالها ضباط الأمن وعرضوه للاعتداء الجسدي، قبل السماح له بالرحيل. وقال جابر "تعرضت للضرب والأذى نفسيا ومعنويا. تم كسر ثلاثة من أسناني وفقدت 70 بالمائة من قدرتي السمعية في أذني اليسرى. وما زلت مصدوما".

وبعد شهرين من اعتقاله، تلقى جابر إشعارا رسميا يفيد بأن النيابة العسكرية تتهمه بالاعتداء على قوات الأمن في قصر بعبدا عندما احتجزه عملاء يرتدون ملابس مدنية. وقال جابر "صدمت عندما استدعيت للمحكمة العسكرية". ولم تجرِ المحاكمة، وأعلنت المحكمة العسكرية براءته، وقالت إنها تفتقر إلى الولاية القضائية على تهمة ثانية، وهي إهانة الرئيس.

وعلى غرار جابر، لم يكتشف الكثير من المتظاهرين المحتجزين، إلا بعد شهر أو أكثر من إطلاق سراحهم، أن السلطات أحالتهم إلى المحاكم العسكرية.

وقالت فرنجية إن العديد من هذه القضايا كان من المقرر عقدها لجلسات الاستماع، الشهر الحالي والمقبل، قبل إغلاق المحاكم مؤقتا على مستوى البلاد لمدة أسبوعين بسبب جائحة فيروس كورونا.

الأدلة غائبة.. والتعذيب متواصل

تُعد قضية جابر مثالا على كيفية محاولة المدعين العسكريين المطالبة بالاختصاص القضائي على القضايا المدنية، من خلال تقديم أكثر من تهمة واحدة، من ضمنها تهمة تعتبر جريمة عسكرية، بحسب فرنجية، التي تمثل المتظاهرين أمام المحاكم العسكرية وهي أيضا جزء من لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين.

وقالت فرنجية عن تهمة جابر بالاعتداء على رجال الأمن، إنه "لم يكن هناك دليل. فقد تم اختطافه خلال مظاهرة، لكنه في الواقع جرى استهدافه بسبب منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي التي انتقدت الرئيس". وأضافت أن النيابة العسكرية أغلقت دون تحقيق في بلاغ تعذيب كان قد تقدم به جابر.

الناشط خلدون جابر (أ.ب.)

وبحسب المفكرة القانونية، فإن المحاكم العسكرية عادة ما تصدر قرارات موجزة في نفس يوم المحاكمة، دون إبداء تفسير. وقالت فرنجية "في الواقع هناك الكثير من الشك حول عدالة وتعسف القرارات الصادرة عن المحكمة"، مضيفة أنه عندما يتم الحكم على المتهمين، لا يتم مشاركة الأساس القانوني للإدانة على الفور مع محاميهم.

وغالبا ما يتجاهل المدعون العسكريون قراءة ملفات القضايا كاملة والمعدة من تقارير المخابرات العسكرية، أو يسقطون أو يغيرون التهم بشكل مفاجئ أثناء المحاكمات، بحسب فرنجية ومحامي آخر في اللجنة الممثلة للمتظاهرين، هو أيمن رعد.

وقالت الباحثة في منظمة هيومن رايتس ووتش، آية مجذوب، إن "المحاكم العسكرية ليس لها علاقة بمحاكمة المدنيين". دعت المنظمة الحقوقية الدولية مجلس النواب اللبناني إلى إنهاء هذه الممارسة المقلقة من خلال إصدار قانون يقضي بعدم اخضاع المدنيين بالكامل تحت اختصاص المحاكم العسكرية.

واستدعي جورج أبو فاضل لمحاكمة عسكرية، في الثلاثين تشرين أول/أكتوبر الفائت، بعد أن اعتقل خلال مظاهرة قبل عام في بلدة بيت مري شرقي بيروت. وخلال محاكمته، طلب المدعي العسكري من القاضي وقتا لقراءة تقرير القضية، ثم طلب تغيير التهمة الموجهة ضد أبو فاضل من الاعتداء على قوات الأمن إلى تهمة مقاومة الاعتقال بدون عنف.

جاد الريس (أ.ب.)

وحكمت المحكمة ببراءته، لكن أبو فاضل قال إنه لم يشعر بالارتياح، حيث يعلم أنه سيكون هناك المزيد من المحاكمات "لأصدقائي، للمتظاهرين، لمن يحاول المطالبة بحقوقه".

ويصف محامون ونشطاء حقوقيون ومدعى عليهم محاكمة المتظاهرين وغيرهم من المدنيين في المحاكم العسكرية، على أنها عقدة أخرى في شبكة النظام الطائفي في لبنان، تحمي سلطة كبار السياسيين وليس حقوق المواطنين. وقال أبو فاضل إن "هذه إحدى الأدوات التي تستخدمها الأحزاب الطائفية"، أي الحفاظ على ولاء شعبها من خلال الخوف من المحاكم العسكرية.

ويتم تعيين العديد من قضاة المحاكم العسكرية من قبل وزارة الدفاع، مما يقوض استقلالية المحكمة القضائية، بحسب نشطاء حقوقيين. وعادة ما يكون رئيس المحكمة العسكرية شيعيا، بينما المدعي العسكري الرئيسي هو مسيحي ماروني.

وقال رعد إن إصلاح النظام القضائي اللبناني هو "أحد أهم مطالب" المتظاهرين المعارضين للحكومة، بما في ذلك إنهاء المحاكمات العسكرية للمدنيين.

وفي الثالث عشر من تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، تم تغريم جاد الريس بـ200 ألف ليرة لبنانية (132 دولارا) من قبل محكمة عسكرية، بعد 11 شهرا من اعتقال قوات الأمن له في احتجاج على الطريق الدائري في بيروت. ولم تصدر المحكمة بعد بيانا بالتهمة التي أدين بها. وقال الشاب الريس، البالغ من العمر 32 عاما، إنه يخطط للهجرة من لبنان، مضيفا أنه "لن نحقق أي تقدم بدون دماء، وهذا شيء لا أريد أن أشارك فيه".

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص