ندوة: قرار نقل السفارة الأميركية للقدس يحتاج إستراتيجية معارضة

ندوة: قرار نقل السفارة الأميركية للقدس يحتاج إستراتيجية معارضة

مقدمة

في قطيعة مع سبعة عقود من السياسة الأميركية نحو القدس، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في 6 كانون الأول/ ديسمبر 2017، اعتراف إدارته بالقدس عاصمةً لإسرائيل، كما وجّه وزارة الخارجية لـ "بدء التحضيرات لنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس". وكان الكونغرس الأميركي قد تبنى بأغلبية كبيرة، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، "قانون سفارة القدس" عام 1995، ونص على نقل السفارة الأميركية إلى القدس في سقفٍ زمني لا يتجاوز 31 أيار/ مايو 1999. إلا أن هذا القانون تضمن بندًا يسمح للرئيس الأميركي بتوقيع إعفاء مدته ستة أشهر (قابلة للتجديد)، إذا رأى أنه ضروري لـ "حماية المصالح الأمنية القومية الأميركية". ومنذ إدارة الرئيس بيل كلينتون، والإدارات الأميركية المتعاقبة توقّع الإعفاء تلقائيًا كل ستة أشهر، على الرغم من أنهم كانوا قد وعدوا، بوصفهم مرشحين، بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.

في هذا السياق، عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوم السبت 24 شباط/ فبراير 2018، ندوة أكاديمية بعنوان "قرار نقل السفارة الأميركية ووضع القدس القانون والسياسي"، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والمختصين العرب والأجانب، للبحث في تداعيات قرار إدارة الرئيس ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها. وقد خلص المشاركون إلى أن الإستراتيجية الإسرائيلية، لمحاصرة القدس ديموغرافيًا وجغرافيًا واقتصاديًا وسياسيًا وتغيير وضعها القانوني، هي مشروع استعماري متكامل، يستوجب إستراتيجيةً ومشروعًا معارضًا وبديلًا يعمل على مستويات عديدة. وجرى وضع القرار الصادر عن الرئيس الأميركي في سياق مجموعة من العوامل، نعرضها في هذا التقرير.

أولًا: دوافع ترامب وحساباته

لم يكن قرار ترامب بخصوص القدس محل توافق بين مستشاريه الرئيسين؛ إذ عارضه وزيرَا الخارجية ريكس تيلرسون والدفاع جيمس ماتيس، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) مايك بومبيو، وأيّده كلّ من نائب الرئيس مايك بينس، والسفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هالي، وسفير الولايات المتحدة في إسرائيل ديفيد فريدمان. وأيده أيضًا، صهر الرئيس ومستشاره جاريد كوشنر، والمبعوث الأميركي الخاص للسلام في الشرق الأوسط جيسون غرينبلات.

حاول ترامب أن يضع قراره في إطار التزام القانون الذي أقره الكونغرس عام 1995 حول نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس. ولم يتردد في اللمز من قناة الرؤساء الثلاثة قبله، من أنهم كانت تنقصهم الشجاعة، لعدم تفعيلهم هذا القانون. كما أن الموضوع بالنسبة إلى ترامب يتعلق بوعدٍ قطعه على نفسه، بوصفه مرشحًا. وبناءً عليه، فإنه لا بد من الوفاء به، وذلك على عكس من سبقه من رؤساء، إذ قال: "في حين جعل الرؤساء السابقون من هذا الأمر وعدًا رئيسًا في حملاتهم، فإنهم لم يفوا به. وأنا اليوم أفي به". هنا يبرز البعد الشخصي في قرار ترامب؛ فهو لم ينفذ العديد من وعوده الانتخابية، ما يتناقض مع ميله إلى الظهور بمظهر الرئيس القوي الذي يتخذ قرارات لا يجرؤ غيره على اتخاذها، والذي وجد في قضية فلسطين تحديدًا فرصةً لممارسة هذا الميل. لكن تدفعه إلى ذلك أيضًا رغبته في إرضاء جمهوره ومحازبيه وقاعدة دعمه الانتخابية؛ وعلى رأسها:

1. اللوبي الصهيوني في أميركا

في آذار/ مارس 2016، ألقى ترامب خطابًا أمام لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية (إيباك)، الذراع الطولَى للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، تعهّد فيه بنقل "السفارة الأميركية إلى العاصمة الأبدية للشعب اليهودي، القدس"[3]. وبحسب تقارير مختلفة، فإنه بعد ذلك الخطاب انحاز الملياردير اليهودي شيلدون أديلسون، (الذي أطلق اسمه على حيٍ في القدس الشرقية بعد الاحتلال مباشرةً)، والداعم للجمهوريين، إلى دعم حملة ترامب للرئاسة، وتبرّع بمبلغ عشرين مليون دولار إلى إحدى اللجان السياسية الانتخابية المؤيدة لترامب، ثم تبرع مرةً أخرى بقيمة مليون ونصف المليون دولار لتنظيم مؤتمر الحزب الجمهوري الذي أعلن ترامب رسميًا مرشحًا رئاسيًا له. ومنذ انتخاب ترامب رئيسًا، لم يتوقف أديلسون عن تذكيره بوعده، ولم يخف تذمّره عندما خضع ترامب لضغوط مستشاريه في حزيران/ يونيو 2017، وقرّر توقيع إعفاء نقل السفارة. وفي اجتماع مجلس الأمن القومي، في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، طلب ترامب من مستشاريه الذين كانوا يناقشون موضوع تأجيل نقل السفارة مرةً أخرى من عدمه، أن يقدموا له خيارًا يسمح له بالإيفاء بوعده الانتخابي، وهو ما تم على النحو الذي صدر، على الرغم من تحذيرات وزيرَي الدفاع والخارجية.

2. إرضاء الجماعات الإنجيلية

يمثّل الإنجيليون نحو 25 في المئة من الشعب الأميركي، وصوّت نحو 80 في المئة من البيض منهم لمصلحة ترامب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وتمثّل قضية نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس إحدى أولويات تلك الكتلة التصويتية، بل إنّ جماعات كثيرة منهم ضغطت على ترامب للتعجيل بقرار نقل السفارة وإعلان القدس عاصمةً لإسرائيل. وبالنسبة إلى الإنجيليين، فإن قضية نقل السفارة لا تتعلق بأمر سياسي، بقدر ما هي قضية دينية. ومن الأرجح أنّ ترامب لا ينظر إلى الموضوع من زاوية دينية، إلا أن إغضاب هذه الكتلة الانتخابية الكبيرة المؤيدة له أمر ليس واردًا.

ثانيًا: انعكاسات قرار نقل السفارة

يتوقع أن يكون لقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال ونقل السفارة الأميركية إليها انعكاسات سياسية وقانونية وديموغرافية كبيرة.

1. الانعكاسات السياسية

على الرغم من أن الرئيس ترامب حرص على تأكيد أنّ قراره الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال يجب ألّا يمس بقضايا الوضع النهائي، فإن إعلانه هذا كان ضربة كبيرة لعملية السلام. وبحسب رسالة بعثتها الخارجية الأميركية إلى سفاراتها في العواصم الأوروبية، فقد طلب من الدبلوماسيين الأميركيين أن يوضحوا للمسؤولين الأوروبيين "أن القدس ما زالت قضية من قضايا الوضع النهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين وأنه يجب على الطرفين تقرير أبعاد سيادة إسرائيل في القدس خلال مفاوضاتهم". وهو ما أكده وزير الخارجية تيلرسون بقوله إن الرئيس "كان واضحًا للغاية أن الوضع النهائي (بالنسبة إلى القدس) بما في ذلك الحدود سيترك للتفاوض واتخاذ القرار بين الطرفين". وذلك في إشارة ضمنية إلى أنه يمكن تقسيم المدينة إلى عاصمتين إذا توافق الطرفان. وكانت إسرائيل قد احتلت القدس الغربية عام 1948، وأعلنتها عاصمة لها عام 1949، في خطوة رفضَها المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، ثم احتلت القدس الشرقية عام 1967. وتنص القرارات الدولية على أن القدس الشرقية التي تقع ضمن حدودها الأماكن المقدسة لليهود والمسيحيين والمسلمين، أرضٌ محتلة، وهي الجزء الذي يريده الفلسطينيون عاصمةً لدولتهم.

وعلى الرغم من محاولة الإدارة الأميركية التقليل من خطورة القرار، فإنّ إسرائيل التي ترفض منذ عام 1967 الاعتراف بحق الفلسطينيين في القدس الشرقية سوف تسعى لاستغلال القرار الأميركي لإخراج القدس من دائرة التفاوض فيما يتعلق بقضايا الوضع النهائي. علاوة على ذلك، برر ترامب قراره إعلان القدس عاصمة لإسرائيل بأنه يطبّق القانون الذي أصدره الكونغرس عام 1995. وينص هذا القانون على أنّ مدينة القدس "يجب أن تبقى موحدة"، و"ينبغي الاعتراف بها عاصمةً لدولة إسرائيل"، ومن هنا، يصبح أيّ حديث عن أنّ قرار ترامب لا يتضمن مصادرة لحق الفلسطينيين في مناقشة قضايا الوضع النهائي، ومن ضمنها القدس، في المفاوضات، ذرًّا للرماد في العيون، خصوصًا أنّ التقارير التي تنشر عن ملامح إطار لحل يعمل عليه فريق جاريد كوشنر، تستبعد القدس الشرقية من الحل أو تدعو إلى تأجيل بحثها سنوات، حتى لو قامت دولة فلسطينية.

كما أن ترامب بقراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتوجيهه للخارجية ببدء تحضيرات نقل السفارة، يكون قد أنهى، عمليًا، سياسةً اتّبعها أسلافه الثلاثة، على مدى أكثر من عشرين عامًا، بتأجيل قرار النقل إلى أن يتم التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.

وعلى الرغم من تأكيده التزام إدارته "القوي بتسهيل التوصل إلى اتفاق دائم للسلام"، وفق رؤية حل الدولتين، فإنّ دعم ترامب هنا لحل الدولتين جاء مشروطًا بموافقة الطرفين. وهو ما يعيد المفاوضات إلى مربعها الأول؛ إذ يمنح إسرائيل حق الفيتو، والحال أنها ترفض الاعتراف بدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، بناءً على قرارات الشرعية الدولية.

2. الانعكاسات القانونية

‌أ. على مستوى القانون الدولي

ينص القانون الدولي المستند خصوصًا إلى قرارات الأمم المتحدة على أن الأراضي الفلسطينية أراض محتلة بما في ذلك القدس الشرقية، وأنه يحظر على قوة الاحتلال تغيير الوضع القانوني والجغرافي والديموغرافي فيها. وباعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، يشرعن الاحتلال الإسرائيلي ويعطيه إجازة قانونية، في خرق واضح للقرار رقم 242 الذي أصدره مجلس الأمن الدولي التابع لمنظمة الأمم المتحدة في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، ووافقت عليه واشنطن، والذي يقوم على مبدأ عدم جواز اكتساب أراضي الغير بالقوة، والاعتراف بالقدس عاصمة للدولة المحتلة ينفي هذا المبدأ.

‌ب. على مستوى القانون الإسرائيلي

تمثّل عملية الاستيلاء على الأرض وإفراغ الحيز من سكانه الأصليين جوهر المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين عمومًا وفي القدس على وجه الخصوص، وقد استخدمت الحركة الصهيونية وإسرائيل وسائل مختلفة لتحقيق هذه الغاية. ويمكن اعتبار المنظومة القانونية، والجهاز القضائي الذي يحكم بموجبها، من أهم الوسائل التي اعتمدتها إسرائيل، لإضفاء الشرعية على الواقع الذي فرضته بالقوة. وقد اعتمدت دولة الاحتلال على مجموعة من التقنيات القانونية والإجرائية التي تمنع أي حماية للسكان الواقعين تحت الاحتلال من إجراءات التهويد ومصادرة الأرض. ولا شك في أن ليبرالية القضاء الإسرائيلي تواطأت مع الاحتلال، بصفتها أحد أجهزته. هذا إضافة إلى أن اليمين الاستيطاني بدأ يسيطر مؤخرًا على القضاء أيضًا لسد أي فجوة يمكن أن تتسرب منها مبادئ مثل حقوق الإنسان وغيرها؛ إذ يجري تغيير النخب في النظام القضائي، ووزارة القضاء، والمستشار القضائي للحكومة، والمحكمة العليا، والمحاكم الأخرى. هذا إضافة إلى تغلغل اليمين الاستيطاني وجمعيات يمينية استيطانية في مراكز القوى واتخاذ القرارات ذات التأثير في مشروع تهويد القدس؛ بالاستيلاء على أملاك العرب، وتسريع البناء الاستيطاني في الأحياء العربية ذاتها، وعدم الاكتفاء بتطويقها بالأحياء الاستيطانية. وتضطلع بذلك هذه الأطر القانونية بدور مشجع وملائم لقرار ترامب، وكذا لمشاريع إسرائيل الاستعمارية. وتبقى بنيتها متعارضة غير متناسقة مع القوانين والمعاهدات الدولية المذكورة سابقًا؛ إذ إنها تصر على سيادة القانون الإسرائيلي والتشريعات المختلفة الأخرى على مناطق محتلة.

3. الانعكاسات الديموغرافية والجغرافية

تضع إسرائيل خططًا في مجالي الجغرافيا والديموغرافيا، وتستخدم تقنيات مشتقة من هذه المجالات من أجل نفي وجود الشعب الفلسطيني، إضافة إلى نفي انتمائه إلى أرضه على المستوى الواقعي. وتمثّل الديموغرافيا في حالة القدس محور صراع مركزي؛ إذ تستعملها إسرائيل، من خلال لغة الأرقام الديموغرافية، من أجل خلقٍ وبناء لثنائية مركزية هي اليهود من جهة والفلسطينيون من جهة أخرى.

وتقوم الحرب الديموغرافية الإسرائيلية على عملية سلب الأراضي الفلسطينية وإلحاقها بالأراضي المستعمرة، من خلال أساليب التهجير والاستيطان؛ ومن ضمن ذلك هدم البيوت، ومصادرة الأرض بحجة المنفعة العامة باعتبار الاستيطان اليهودي منفعة عامة، وإعلان مناطق بأكملها منتزهات وطنية، وإخراج كتل سكانية عربية من القدس بواسطة جدار الفصل.

وجوهريًّا، تتعامل إسرائيل مع سكان القدس على أنهم مقيمون دائمون، وكأنهم حصلوا على تأشيرة دخول إلى القدس؛ أي إنهم ليسوا سكانًا أصليين، بل إنهم مقيمون زوار. وهذا يعني إمكانية إلغاء هذه الإقامة، إذا تغير مكان الإقامة أو "نقل مركز الحياة"، لأغراض العمل مثلًا. وتبقي هذه الحالة القانونية الملتبسة السكانَ العرب الأصليين في حالة من انعدام الأمان والاستقرار.

من جهة أخرى، ساهم الخلط والضبابية المفهومية، في تعريف القدس على المستوى الحدودي والجغرافي، في خلق إشكالية تخدم دائمًا جانب الاستعمار الاستيطاني في ترسيخ فكرة "خصوصية القدس". فقد سعت الكتابات الإسرائيلية لوضع تصور للقدس ضمن شرط أغلبية يهودية وأقلية فلسطينية؛ وذلك من خلال ترسيم الحدود لوضع كل المستعمرات الإسرائيلية داخل القدس وترك القرى الفلسطينية خارجها. وهو ما يدفعنا إلى القول بأن الحدود البلدية أو الترسيمات الإدارية ليست فعلًا موضوعيًّا في ذاته، أي تقنيات براغماتية، بل هي تقنيات أيديولوجية تحمل في ذاتها مقومات العنف والتسلط والاحتلال. واستعملت إسرائيل جميع أساليب السيطرة والعنف المتعلقة بالمجال والأرض على غرار: انتزاع الأراضي "للمصلحة العامة"، التي يمكن اعتبارها مناطق محفوظة أي خزانات أو احتياطيًا للمستوطنات مستقبليًّا، وإحاطة التجمعات الفلسطينية بالمستوطنات وتفتيتها من خلال زرع بؤر استيطانية أو مناطق خضراء داخلها لتسهيل السيطرة الأمنية عليها عند الحاجة، إضافة إلى جدار الفصل العنصري الذي جعل 150 ألف فلسطيني خارج تعداد القدس ... إلخ. وبناء عليه، توجد محاولات متعمدة لتعقيد سياسات التخطيط والتقسيم الخاصة بالأراضي الفلسطينية، وكذلك حرمان السكان الفلسطينيين من استغلالها؛ وكلها أمور الغرض منها إجبار الفلسطينيين على الرحيل. فبعد أن احتلت إسرائيل القدس أصدرت ثلاثة قوانين، وسّعت بموجبها منطقة القدس وحدود البلدية.

ثالثًا: أشكال المواجهة

تستدعي مواجهة المشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي في القدس بناء إستراتيجية عمل في ثلاثة مستويات أساسية، تتكامل فيما بينها على الصعيد المحلي (داخل القدس) وعلى الصعيد الوطني الرسمي، وعلى الصعيد الدولي.

1. على المستوى القانوني

تسمح المواجهة القانونية الدولية بتوصيف الجرائم الإسرائيلية بأنها جرائم ضد الإنسانية، وذلك من خلال إثبات المسؤولية الفردية للشخصيات الإسرائيلية التي نفذت جرائم ضد الفلسطينيين. والجرائم ضد الإنسانية يمكن أن تحدث في أوقات السلم وأوقات الحرب. ويمكن أن تستخدم الجرائم ضد الإنسانية توصيفًا لما تقوم به إسرائيل في الضفة الغربية والقدس؛ وينطبق عليه مفهوم الجريمة ضد الإنسانية بحرمان مجموعة عرقية أو دينية من حقوقها، إضافة إلى جرائم التمييز العنصري التي تبدو واضحة في محاولات إسرائيل إبقاء عدد الفلسطينيين منخفضًا وزيادة عدد اليهود، وانتهاج سياسات وإستراتيجيات واستخدام تكتيكات لخدمة هذا الغرض.

مع ذلك، يجب اعتبار اللجوء إلى الأدوات القانونية بمنزلة إستراتيجية مكملة للنضال الفلسطيني، وليست بديلًا من وجود إستراتيجية سياسية لمواجهة البرامج والخطط الإسرائيلية الرامية إلى الاستيلاء على حقوق الشعب الفلسطيني عمومًا وفي القدس خصوصًا، وحرمانه من حقه في إنشاء دولته المستقلة.

2. على المستوى السياسي

لن يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فرصةً، أفضل من وجود رئيسٍ للولايات المتحدة الأميركية مثل دونالد ترامب، لاستغلاله بنقل السفارة وإعلان القدس عاصمةً؛ وذلك في ظل غياب الطرف العربي في هذا الصراع، وعدم وجود إستراتيجية واضحة تساعد في الحفاظ على القدس وسكانها.

ولا يبدو أن القيادة الفلسطينية جادة في التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية وإدانة إسرائيل، وهي التي لم تتقدم بطلب إحالة جرائم الاحتلال وانتهاكاته ضد الفلسطينيين إلى المحاكم الدولية: مثل ملف الاستيطان، وملف الأسرى، وملف الحرب على قطاع غزة عام 2014. ولذلك على القوى الفاعلة في الشعب الفلسطيني، وريثما يتم الاتفاق على مشروع برنامج وطني محل إجماع، أن تتبنى إستراتيجية للمواجهة تقوم على التالي:

الصمود في الأرض والتمسك بها وتحديدًا في القدس، ورفض التجاوب مع أي ضغوط لتوقيع اتفاقات تتنازل فيها عن الحقوق الوطنية الفلسطينية.

الضغط لكي تتبنى السلطة الفلسطينية إستراتيجيات مواجهة مثل العصيان المدني، واتخاذ خطوات عملية مثل تعليق اتفاق باريس الاقتصادي، وتجميد الاعتراف بإسرائيل.

فلا يمكن التأثير في الولايات المتحدة أو إسرائيل، ما دام التنسيق الأمني مستمرًا، والعلاقات مع الاحتلال تسير بصورة طبيعية؛ إذ لا بد من أن يتحمل الاحتلال ثمن الخطوات التي يتخذها.

والرأي العام الفلسطيني كله مهيأ لمقاومة الضغوط، خاصة العربية، في اتجاه تنازلات جديدة. فمن الصعب التكهن بالتنازلات السياسية التي تقدمها الدول العربية الساعية إلى تطبيع علاقتها مع إسرائيل على حساب الفلسطينيين.

3. على المستوى الشعبي

في ضوء غياب إستراتيجية عربية موحدة بشأن القدس، وعدم توافر إرادة سياسية لدى القيادة الفلسطينية لمواجهة قرار ترامب بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، يبقى الصمود وبناء المؤسسات على الأرض والنضال على القضايا العينية دورَ أهل القدس الذين يجب أن يدعم صمودهم. كما تتطلب هذه المعركة صياغة خطاب عام موجه إلى الرأي العام العالمي، يدعم نضالهم وحقهم في أرضهم لكونهم السكان الأصليين، إضافة إلى شرح الممارسات والسياسات الإسرائيلية في القدس.

لكن أزمة النضال الوطني في القدس وعموم فلسطين تبقى في صياغة إستراتيجية نضال طويل المدى؛ فالمقدسي لا يمكنه تحمّل الوقوف وحده ضد قرار ترامب، وذلك يتطلب وقفة فلسطينية موحدة، قادرة أيضًا على الضغط على الأنظمة وتعبئة الشارع العربي ضد هذه الخطة، ذلك أنه من الصعب أن يتحرك هذا الشارع إذا لم يتحرك الفلسطينيون.

لقد أصبحت مآلات ما يسمّى عملية السلام واضحة، ولا يمكن التعويل على آلياتها وتلك المنبثقة منها في الحفاظ على القدس، حينما يتبع راعي عملية السلام المفترض هذه الخطوات. ومن الواضح أن الوساطة الدولية بدل الأميركية وهم، وملاذ مؤقت لمن لا يريد أن يقدم بديلًا عبر إستراتيجية مختلفة تمامًا عن المسار الحالي.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018