روسيا وإيران في سورية: برنامج المصالحة الوطنية ونكث العهد

روسيا وإيران في سورية: برنامج المصالحة الوطنية ونكث العهد
(أ ب)

يلقي الخلاف المبطّن بين روسيا وإيران بظلاله على أجندة برامج المصالحات الوطنية في سورية، والتي بدأت منذ عام 2017 بخطة من اقتراح القيادة المركزية للقوات المسلحة الروسية الموجودة في سورية، في سبيل إنهاء الحرب وإعادة ترسيم العلاقات فوق الأراضي السورية. فبعد أن كانت المصالح الروسية والإيرانية تمشي جنبًا إلى جنب، والاتفاقيات الأمنية والعسكرية والاقتصادية تجري على قدم وساق لضمان موقع لكلا البلدين كقوى فاعلة في الشرق الأوسط، والعالم ككل، بدأت ملامح صراع على مكاسب إستراتيجية تلوح في الأفق، في ظل غياب الأمان عن استدامة وجود القوات الإيرانية الناشطة في سورية.

بدت معالم هذا الصراع أوضح بعد عام 2016، بعد رغبة روسيا بسحب البساط من تحت أي قوات غير قواتها. يأتي قرار القيادة الروسية هذا بعد أن رأت تعدد القوات التي تشرف عليها إيران رسميًا، وتعمل على تدريبها لخدمة مصالحها في نهاية المطاف. مهدت روسيا لتركيز وجودها في سورية مستغلة بذلك القدرة العسكرية الهائلة التي تتمتع بها القوات الروسية، الأمر الذي منحها قوة تأثير على القرار السياسي والعسكري في سورية. ذهبت روسيا أبعد من مجرد قرار التدخل العسكري، إلى الاشتغال على إعادة تشكيل الموقف الشعبي والرسمي السوري تجاه الوجود الروسي كشريك ضامن في الحرب الدائرة منذ 2012، وعملت على تنفيذ مشروع "المصالحة الوطنية" الذي يتم حصرًا عبر مراكز التنسيق الروسية - السورية في القواعد الحربية الروسية، والتي أثرت مباشرة على القوات العاملة تحت جناح إيران.

العلاقات الروسية الإيرانية

يعدّ نموذج العلاقات الروسية - الإيرانية من النماذج الدبلوماسية الهشّة تاريخيًا نظرًا لوجود خلافات بين الاتحاد السوفييتي سابقًا والجمهورية الإيرانية، بعد سيطرة الاتحاد السوفييتي على قرار الحكومة آنذاك. وبعد الثورة الإسلامية عام 1979، أدركت روسيا أن إيران قوة إقليمية لا يستهان بها، فعمدت إلى التعاون معها في مسائل أمنية وتجارية واقتصادية، خصوصًا في ما يتعلق بقطاعات النفط والطاقة والاستثمارات السياحية. جذبت القدرة النووية الإيرانية اهتمام روسيا، إذ إن برنامج طهران النووي من الملفات الحساسة التي تعدّها روسيا ورقة ضغط في حال رأت في إيران قوة تهدد مصالح روسيا في الشرق الأوسط على وجه التحديد.

تنظر روسيا إلى إيران، على الرغم من علاقاتهما الجيدة ظاهريًا، بعين المراقب الحذر من صعودها المفاجئ، وتعطيلها لمخططات مستثمريها الاقتصاديين والعسكريين الروس في المنطقة. وإن كانت قضايا التنسيق الأمني والعسكري محور العلاقات بين البلدين، إلا أن روسيا ميالة أكثر لجعل إيران معبرًا لتسهيل استثماراتها في جنوب آسيا، الشرق الأوسط وإفريقيا، بحكم موقعها ومساحة حدودها. في عام 2016، سعت موسكو نحو اتفاق مع كل من باكو وطهران، ينص على تشييد طريق تجارية بطول 7200 كم تربط الدول الثلاثة ببعضها مع تسهيلات واسعة.

تبدو العلاقات في المنحى الاقتصادي قوية ولا يمكنها أن تتأثر، خصوصًا وأن روسيا تعمل على خطة للمدى البعيد من خلال تساهلها مع قرارات إيران برفع إنتاج النفط والغاز، ورفع نسبة تصدير النفط إلى السوق الأوروبية، وهو ما يقلل من حصة روسيا التصديرية إلى ذات السوق بمستويات كبيرة؛ وفي الوقت ذاته، سعت روسيا لرفع عقوبات كانت قد فرضت على إيران في قطاع الطاقة.

ما يؤرق روسيا فعليًا هو قدرة إيران على امتلاك سلاح نووي يجعل منها اللاعب الأقوى، ليس فقط في الشرق الأوسط، فموسكو تعترف بقوة إيران وتأثيرها في المنطقة؛ بل في العالم ككل. عام 2015، صوتت موسكو إلى جانب واشنطن في إطار اتفاق "لوزان" القاضي بتقييد برنامج إيران النووي، وحصر نشاطات تخصيب اليورانيوم في منشآت معينة، وتخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي، في خطوة ضمن لروسيا، مبدئيًا، إضعاف مخطط إيران الجيوسياسي. تبدُّل المواقف الروسية تجاه إيران مرهون بحجم الخطر الذي تفرزه التحركات الإيرانية في الشرق الأوسط على وجه الخصوص. وإن كانت موسكو لا تبدي اهتمامًا لتوتر العلاقات بين إيران وإسرائيل، إلا أن ما يهمها إبقاء القوة الإيرانية تحت عيونها، خصوصًا في سورية ولبنان.

الدور الإيراني في سورية: زاوية جديدة

تمتد العلاقات الإيرانية - السورية إلى عهد الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، بعد ترحيبه بالثورة الإسلامية في إيران من أجل إيجاد حلفاء جدد في المنطقة. وبعد عام2011، سبقت القوات الإيرانية دخول القوات الروسية إلى سورية للمشاركة في الحرب الدائرة هناك. فعليًا، تشكل مساحة الحرب في سورية فرصة أمام المسؤولين العسكريين والدبلوماسيين الإيرانيين لبلورة الوجود الإيراني في المنطقة وتحديد معالمه المستقبلية. ومن جهة أخرى، فقد زجّت إيران بقوتها العسكرية في سبيل الوصول إلى البحر المتوسط، مرمى أنظار الروس منذ عهد الاتحاد السوفييتي، وفي سبيل ضمان عدم انهيار سورية أمام إسرائيل. مصلحة إيران العليا تكمن بشكل أو بآخر في إفشال مخطط إسرائيل بالتوسع إلى ما بعد هضبة الجولان، عبر تهديد سورية وضمان أمنها القومي، مدعومة بذلك من الولايات المتحدة الأميركية. بدت إيران في تدخلها في الحرب السورية أقرب إلى تشكيل حالة جديدة تسمح للسلطة العسكرية والمصلحة القومية بالاندماج من أجل الحفاظ على قوة النظام السوري، وبالتالي فرض قوتها لتشكيل محور طهران – بغداد – دمشق - بيروت، أو ما يُطلق عليه مشروع "الهلال الشيعي". ولإكمال هذا المشروع، رأت إيران في روسيا حليفًا قويًا في وجه أميركا على وجه التحديد.

لم تعتمد إيران في إثبات حضورها في سورية على الأداة العسكرية أو الاقتصادية فقط، بل لعبت الأداة الدينية الثقافية دورها في تحويل بعض مناطق سورية إلى مراكز "تشيّع"، مع بناء حوزات ومجمعات تعليمية شيعية، أشهرها أخيرًا "مجمع فاطمة الزهراء" في حي الأمين الدمشقي، والذي يشرف عليه الحاج عبد الله نظام، ابن الحي.

تقدر قيمة الدعم المادي الذي قدمته طهران لدمشق حتى نهاية عام 2016 بحوالي 4 مليار دولار أميركي، بالإضافة إلى تنفيذ استثمارات لصالح شركات إيرانية بالتعاون مع شركات رامي مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد، ومجموعة شركات تتبع مباشرة لطهران ومقرها دمشق، مثل شركة "راماك" و"إعمار" و"الشام القابضة"، وهي كلها شركات تستثمر في قطاع البناء والخدمات والنقل. في خطة يسهّل تنفيذها مجموعة من المستثمرين السوريين، تسعى إيران إلى ضم العديد من المناطق الحيوية في كل من الجنوب السوري على وجه الخصوص، والساحل السوري وحمص ودمشق والقلمون في ريف دمشق عبر شراء هذه الأراضي من مالكيها بعقود يبرمها بعض المستثمرين المحليين بحجة إقامة مشاريع مستقبلية في هذه المساحات، من ثم يتم نقلها إلى مواطنين سوريين يحملون الجنسية الإيرانية، بما يضمن سيطرة إيران على مساحات كبيرة من سورية. أكبر مشروع هو "ماروتا سيتي" جنوب حي المزة في العاصمة دمشق، والذي يقع في منطقة جنوب مشفى الرازي المحاذي للسفارة الإيرانية في سورية.

عملت إيران على دعم تشكيلات عسكرية من الشباب السوري، تابعة مباشرة للحرس الثوري الإيراني ومدعومة من قبل رجال أعمال سوريين، على رأسهم رامي مخلوف عبر "جمعية البستان الخيرية" التي يديرها مخلوف منذ عام 1999. مهمة هذه التشكيلات أن تكون قوات رديفة تعمل إلى جانب الجيش السوري في وجه قوات المعارضة. فعليًا، هذه القوات مهمتها الحفاظ على مصالح إيران في المناطق التي تراها مناسبة لامتداد النفوذ الإيراني وفق خطة العمق الإستراتيجي في منطقة شرق المتوسط. تعدد هذه التشكيلات من جهة، وعدم قدرة الجيش السوري على احتوائها ووضعها تحت فرقه العسكرية من جهة، وازدياد الدعم الإيراني لها من جهة أخرى، جعل من إيران وأذرعها في سورية خطرًا يتهدد الأمن القومي بنظر الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ما دفع الأخيرة إلى التعامل مع الأهداف الإيرانية، خصوصًا في الجنوب السوري، وضربها بطريقة تمنع تحويل الأراضي السورية إلى قواعد إيرانية ضدها، في ظل تعاظم الوجود الإيراني على الحدود مع لبنان والجولان السوري المحتل. ومع ذلك، فإن إسرائيل لم تكن في وارد إعلان حرب ضد إيران، بل اكتفت بالقيام بغارات جوية على المصالح والقواعد الإيرانية وشحنات السلاح والصواريخ المتوزعة على عدة أماكن في سورية، أبرزها دمشق وريف دمشق الغربي، وحمص ودير الزور شرقًا. وكان لا بد للجيش الإسرائيلي من تنسيق على مستوى أعلى لضمان عدم جر قواته إلى حرب لا تُعرف تبعاتها مع إيران، وسعت بذلك إلى الاستعانة، بشكل أو بآخر، سرًا أو علانيةً، بالروس من أجل لجم العمليات الإيرانية في سورية.

روسيا: الجو والساحل والتخطيط

تأثير روسيا في الشأن السوري ليس بجديد، إذ إن تاريخ العلاقات يعود إلى حقبة الاتحاد السوفييتي، على اعتبار أن العديد من السياسيين والعسكريين السوريين الأشهر في تاريخ سورية الحديث كانوا من خريجي جامعات ومعاهد روسيا. وفي ملف العلاقات الروسية - السورية، يتردد ذكر صفقات السلاح التي نفذتها دمشق مع موسكو بعد عام 1973، والتي عمدت موسكو عام 2005 إلى شطب مديونيتها البالغة حوالي 13 مليار دولار أميركي، لصالح استثمارات أهمها على الساحل السوري. وبالإضافة إلى هذه الاستثمارات، فقد وقعت روسيا مجموعة صفقات تضمن بناء محطات توليد طاقة كهربائية بقيمة 150 مليون دولار أميركي لصالح لشركات روسية أهمها "روساتوم" و"ألماز أنتي"، إلى جانب عقود لاستكشاف النفط والغاز في حقول المنطقة الشرقية الواقعة بين نهري دجلة والفرات.

تعوّل روسيا في وجودها في الشرق الأوسط على القوة العسكرية التي تستهلكها في الحرب السورية، التي من الواضح أنها أصبحت تتخذها ذريعة من أجل تمرير صفقات هي الأكبر في تاريخ العلاقات الروسية - السورية، والتي لم يكن لها أن تنفذها في غير ظروف المعركة هذه. في عام 2017، وقعت سورية على اتفاقية تضمن بقاء قواعد جوية روسية في سورية لمدة لا تقل عن أربعين عامًا، مع الاتفاق في الوقت ذاته على أن تقوم روسيا، كطرف وحيد وأساس، في التصرف والتمتع بحقوق وامتيازات التنقيب عن النفط والغاز في الساحل السوري. لا شك أن أحد أهم أسباب دخول روسيا الحرب في سورية بهذا الحجم منذ عام 2015، هو إجبار أميركا على الاعتراف بقوة روسيا كدولة عظمى قادرة على التأثير خارج حدودها، سواء بالقوة العسكرية أو بالدبلوماسية العامة.

في أيلول/ سبتمبر عام 2016، قادت روسيا بصفتها إحدى أكبر القوى الضامنة في الحرب السورية، محادثات أميركية - روسية توصلت إلى إعلان هدنة بين القوى المتصارعة لصالح انتقال سياسي في البلاد، أطلعت موسكو الحكومة السورية على هذا الاتفاق وأبلغتها بأنها مستعدة لتطبيقه. لكن الأهم من إنهاء إعلان الهدنة، كان مجموع اتفاقيات التعاون العسكري والأمني والاستخباراتي بين البلدين، والتي صنّفت رئيسة في أجندة أعمال المحادثات آنذاك.

بوتين يزور قاعدة حميميم الروسية في سوريا ديسمبر/كانون الأول 2017

من أهم التكتيكات التي لعبت عليها موسكو هي أنها مهدت الطريق لجعل سورية مكانًا تتصارع فيه القوات السنية الشيشانية والشيعية الأفغانية، بهدف إبعاد شبح الجماعات الإسلامية المتطرفة، أو المعتدلة على حد سواء، ما يضمن بقاء حدودها آمنة. أقنعت روسيا إيران بضرورة تأمين قوات برية عاملة على الأرض، ليتسنى لها الاستفراد بالقوة الجوية، والتي تعد الأقوى والأكثر كفاءة في الحرب السورية، وتقطع الطريق أمام تأثير إيراني محتمل قد يغير قواعد اللعبة لصالحها. وبالإضافة إلى رغبة موسكو بالاستئثار بنتائج المعارك والعمل على استغلالها كأوراق ضغط سواء على تركيا أو أميركا أو حتى إيران، فإن أحد أهم الأهداف الإستراتيجية التي يسعى الكرملين لتحقيقها في سورية يبقى إبعاد إيران عن مجال التحكم بالسياسة السورية، على المدى القريب أو البعيد على حد سواء، خصوصًا بعد أن رأت موسكو أن طهران كانت سببًا في تعطيل عجلة الحل السياسي في سورية بعد أعمال مؤتمر سوتشي، في الوقت الذي تسعى فيه موسكو إلى تحقيق نتائج فعلية، بالحسم العسكري أو السياسي، بعد خمس سنوات من التدخل واسع النطاق.

موسكو - طهران - تل أبيب: معركة التأثير والأمن القومي

بعد أن رأت طهران أن موسكو بدأت بسحب البساط من تحت قدميها، بدأت العمل على ضمانات لبقاء استثماراتها النفطية والعسكرية والتجارية والعقارية في سورية، والتي كانت قد وقعت عقودها مع شركات رامي مخلوف منذ عام 2009. لا تنسى إيران أن علاقات سورية مع روسيا أعمق وأقدم من علاقة سورية معها، وبالتالي قدرة الكرملين على التأثير في سورية كبيرة إذا ما نظرنا إلى عمق العلاقات والمصالح المتبادلة بين الطرفين، لكنها تبقى مصممة على إيجاد موضع قدم يضمن وجودها في وجه إسرائيل، العدو التقليدي لطهران بعد الثورة الإسلامية في المنطقة. إلا أن مصالح روسيا مع إسرائيل واضحة ولا يمكن تجاهلها في عملية حسم الصراع في سورية، تمامًا كما المصالح الروسية مع إيران. تقف موسكو من طهران وتل أبيب موقفًا يمنحها القدرة على منع مواجهة عسكرية بين الطرفين، قد تعرض مصالح روسيا في المنطقة للضرر، خصوصًا وأن واشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي في مواجهة كهذه، وأن روسيا ليست بصدد تشتيت قوتها وتوسيع نطاق الصراع الشرق أوسطي.

تدرك موسكو أن الأمن القومي الإسرائيلي يتعزز بتضاؤل الوجود الإيراني في المنطقة، في سورية ولبنان تحديدًا، في حين أنها تدرك تمامًا أن الأمن القومي الإيراني يرتبط بتوسيع نفوذها من العراق إلى سورية ولبنان، ما يهدد مصالح إسرائيل التي تحكمها مع روسيا علاقات اقتصادية وعسكرية لا يستهان بها. لا يتبادر لموسكو أدنى شك أن تتنازل في شراكاتها مع تل أبيب لصالح تلك مع طهران، إذ إن إسرائيل رابع أكبر شريك لروسيا في المنطقة بنسبة تعامل تجاري تتجاوز 3.5 مليار دولار لعام 2019، بالإضافة إلى اعتبار موسكو إسرائيل بمثابة الشريك الموثوق أمنيًا – عسكريًا – استخباريًا. ومن هذا المنطلق، فإن ما تعنيه موسكو من علاقاتها بكل من تل أبيب وطهران أن تبقي مصالحها قائمة في سورية من دون أن تسمح بصراع إيراني - إسرائيلي قد يتسبب بخلط الأوراق والحسابات التي تسعى روسيا إلى ترتيبها لصالحها منذ 2015.

تغض روسيا الطرف عن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة بدءًا من عام 2017 على المصالح الإيرانية في سورية، من استهداف شحنات أسلحة لحزب الله إلى ضرب مواقع تجمع قوات إيرانية، وليس انتهاءً بتنسيق وإدارة عمليات ضد القوات الإيرانية في القلمون والجنوب السوري؛ درعا والقنيطرة وريف دمشق الغربي. كان بمقدور روسيا، بصفتها القوة العسكرية الضامنة التي تمتلك صلاحيات واسعة في سورية أن ترد على هذه الاعتداءات باستخدام منظومة صواريخ إس -300 المضادة للطائرات التي سلمتها لسورية عام 2018، وتعمل تحت إشراف روسي، لكنها فضلت عدم الدخول في مواجهة مع الجيش الإسرائيلي، خصوصًا وأن قواتها لم تتضرر مباشرة جراء هذه الاعتداءات.

قصف إسرائيلي في القنيطرة (أ ف ب)

يبقى هذا السبب ظاهريًا، ويبقى ضمن محددات العلاقات الإستراتيجية بين القوى الثلاث، لكن السبب الأهم هو توجه روسيا إلى إقناع سورية بشكل مباشر، وباستغلال النزاع الإيراني -الإسرائيلي، أن وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيها ستزداد طالما أنها غير قادرة على لجم القوات الإيرانية العاملة على الأرض، ما يدفع النظام في سورية إلى التفكير بوضع حد لانتشار دعم القوات الإيرانية، تحديدًا تلك في الجنوب السوري، أي القريبة من إسرائيل.

يشكل الجنوب السوري، المؤلف من ريف دمشق الغربي والقنيطرة ودرعا عمقًا إستراتيجيًا لإسرائيل، ولذلك فقد كانت حريصة منذ بداية الحرب في سورية على محاولة استمالة قوات المعارضة المسلحة المتمثلة بما يعرف" ألوية الفرقان" وفصائل "أحرار الريف الغربي" و"جبهة أنصار الإسلام" العاملة في هذا المثلث، كونها تعلم أن هذه التشكيلات العسكرية المعارضة تقف في وجه القوات الإيرانية، ودعمها يعني إبعاد شبح القوات الإيرانية عن حدودها. وبعد تشكيل مركز العمليات العسكرية "موك" في الأردن، والذي يتابع مباشرة عمل فصائل المعارضة في المثلث الجنوبي في سورية، كان لإسرائيل دورًا في التأثير بقرارات هذه الغرفة بما يخدم مصالحها وأمن حدودها خاصة، ولمواجهة القوات الإيرانية التي كانت قد اتخذت من محور "كناكر – كفر ناسج - دير ماكر" مركزًا لانطلاق عملياتها في الجنوب السوري.

من قصف إسرائيلي سابق في محيط دمشق (أ ب)

من هنا يمكن أن نحدد دور القيادة الروسية والمركز الروسي للمصالحة في قاعدة حميميم، لضمان سورية خالية من القوات الإيرانية.

لعبة المصالحة الوطنية

بصفتها المنسق الأمني والعسكري والاستخباراتي الأول في سورية، أطلقت روسيا نهاية عام 2016 برنامج المصالحات الوطنية الذي يجري حصريًا عبر مركز التنسيق في قاعدة حميميم الروسية في مدينة اللاذقية. الهدف الظاهري من هذا البرنامج هو إحلال المصالحة بين الأطراف المتنازعة في سورية عبر وساطة روسية، وفق ضمانات تقدمها قوات المعارضة والأجهزة الأمنية السورية، أهمها الاتفاق على تسليم السلاح للجهات الأمنية السورية، والانضمام إلى الجيش السوري، وضمان إطلاق سراح المعتقلين في السجون السورية، مع تخفيف القيود التي تفرضها الحواجز العسكرية في مناطق المصالحات. إلا أن الأهداف الفعلية من هذا البرنامج الذي تشرف عليه قيادة مركز حميميم مباشرة، يكمن في تصدير روسيا على أنها المتنفذ الأول والأخير في قرار سورية السياسي والأمني، وإبعاد إيران من حسابات التنسيق الأمني بين القوات المتصارعة، وبالنتيجة إبعادها عن دائرة صنع القرار في مرحلة لاحقة؛ وتهيئة المناخ السياسي والاقتصادي لمرحلة إعادة الإعمار التي نجحت روسيا، على ما يبدو، في الاستحواذ على دور القيادة فيها وتصدير ذاتها على أنها الوسيط الأنجح في صراع تشابكت فيه الخيوط والأوراق، بالإضافة إلى إعادة هيكلة الجيش السوري بما يخدم مصالح روسيا في المقام الأول، ومن ثم القيادة العسكرية السورية.

لكي تبسط روسيا نفوذها وتضمن جوًّا خاليًا من المنافسين، وعلى رأسهم إيران، عملت على إعادة هيكلة الجيش السوري وفق مخطط يكفل، وبحَزم، ضم التشكيلات العسكرية الرديفة، والتي بلغ تعدادها حوالي 30 تشكيلًا عسكريًا بتعداد أفراد نحو 200 ألف مجنّد ممولين من قبل إيران ورامي مخلوف و"أمراء حرب"، مهمتهم الإشراف على مجموعات رديفة تساند الجيش السوري في العمليات ضد المعارضة. كان حزب الله اللبناني وقوات الحرس الثوري الإيراني محور هذه القوات، بالإضافة إلى قوات الدفاع الوطني واللجان الشعبية التي يشرف على تمويلها رامي مخلوف، الأمر الذي أضعف قدرة وزارة الدفاع السورية على احتواء هذه الفصائل والسيطرة عليها إداريًا وعملياتيًا في ظل تشتت قياداتها وعدم خضوعها للقيادة المركزية في دمشق.

استغلت روسيا هذه الفجوة بين الجيش السوري النظامي والقوات الرديفة، فعملت على سحب الامتيازات التي تتمتع بها هذه القوات ودمجهم في التشكيل العسكري الجديد، الفيلق الرابع والفيلق الخامس اقتحام والفيلق السادس، والتي تشرف عليها جميعها القوات الروسية بقبضة حديدية، ما يضمن قوةً وتماسكًا للجيش السوري وللنظام بعد تقليص عدد القوات الفاعلة على الأرض وهيكلتها. ومن ثم فإن القيادة الروسية عملت على إرسال نخب من الضباط الشباب السوريين إلى روسيا ضمن برنامج ابتعاث عسكري يؤهلهم للقيادة العسكرية، التي تتناسب مع طموحات روسيا المستقبلية في سورية. وبذلك تضمن روسيا إضعاف وتقليص الدور الإيراني في سورية إلى أقصى الحدود.

وعلى النسق ذاته، والصرامة والتكتيك نفسه، ضمنت روسيا قوات المعارضة التي كانت تعمل في المثلث الجنوبي من سورية على وجه التحديد، وأجبرتها على إجراء مصالحة ضمن شروط تسمح لهذه الفصائل بالتحرك في المثلث، لكن تحت أعين القيادة الروسية وبتنسيق مباشر مع مركز حميميم.

تعتبر عملية المصالحة هذه أهم عملية مصالحة على مستوى الجمهورية العربية السورية بعد مصالحة مدينة حلب في الشمال، نظرًا لأهمية موقعها بالقرب من إسرائيل وبالقرب من مواقع إيرانية تعتبرها طهران مراكز انطلاق لعملياتها. وافقت قيادات "لواء الفرقان" والمتمثلة بكل من محمد الخطيب وعدنان عوض ومبارك الحوري على إجراء مصالحة من شروطها عدم التعرض لأي من هذه القيادات، مع السماح بإبقاء كتيبة عاملة في بلدة كناكر في ريف دمشق الغربي تحت اسم "كتيبة الفرقان"، للحفاظ على أمن البلدة التي تعتبر معقل قوات "الفرقان" ومركز التنسيق ضد القوات الإيرانية قوات الدفاع الوطني "فوج الجولان"، التي تضم أبناء الطائفة الدرزية وبعض أبناء الطائفة الشيعية والمدعومة من قبل مجد حيمود؛ فيما أجبرت القيادة الروسية باقي العناصر على الانضمام عملياتيًا وإداريًا إلى القوات التي تشرف عليها الشرطة العسكرية الروسية وإبقائها في أماكنها المحاذية للحدود مع إسرائيل.

"فوج الجولان" (مواقع التواصل)

أدركت روسيا أهمية ضم عناصر "لواء الفرقان" تحت أمرها و"واستخدامهم" كأدوات في وجه القوات الإيرانية، التي كانت عدوّة لهؤلاء العناصر قبل المصالحة. وجود عناصر مثل عناصر "الفرقان" في القنيطرة و ريف درعا الغربي يضمن ثلاثة أمور رئيسة: الأول أن روسيا تؤمن منع احتكاك هذه القوات مع إسرائيل؛ والثاني هو ضمان عدم اقتراب إيران من الخط الفاصل، عبر قوات ردع تابعة مباشرة لأوامر روسية مهمتها منع وجود نقاط إيرانية تكون مصادر عمليات محتملة مستقبلًا ضد إسرائيل؛ والثالث هو كسب ثقة قوات المعارضة في مناطق أخرى واتخاذ المثلث الجنوبي مثالًا لنجاح روسيا في إحداث مصالحات فعالة.

ختامًا: إيران المتضررة

يمكن عدّ نسق العمليات الروسية في سورية مغايرًا تمامًا للنسق الإيراني من ناحية التكتيك والأهداف والأدوات. فروسيا تسعى دائمًا إلى الالتصاق بالدولة السورية ومؤسساتها، لتجبر الدول المتصارعة في سورية على النظر إلى وجودها في سورية كقوات رسمية موجودة من خلال التنسيق المباشر بين وزارة الدفاع السورية والروسية، عبر مركز العمليات المشتركة في حميميم، فيما تعمل إيران ضمن تكتيك القوات الخاصة الرديفة للجيش السوري، الأمر الذي لا يعطي وجودها في سورية أكثر من صفة غير رسمية لا تتعدى دعم ميليشيا شيعية عقائدية. تنسيق الجيش والفيالق جاء ضد مصالح إيران، إذ إنها خرجت خالية الوفاض من معارك لم تستطع إدارتها بشكل جيد، وإن نجحت في بعضها، فإنها لم تتمكن من استغلال نتائجها لبناء سمعة جيدة في سورية، سواء بين القوات العاملة في الأرض أو بين الحلفاء من كلا الطرفين، المعارضة والموالاة.

ليس من مصلحة روسيا استقرا ر الأوضاع قبل أن تضمن أن الوجود الإيراني في سورية بات مقيدًا ومحدود الصلاحيات، ولهذا فإن الشرطة العسكرية الروسية غالبًا تقف موقف المتفرج في حال تعرضت القوات الإيرانية لأي اعتداء من أي جهة. ليس من المستبعد أن تشعل الشرطة الروسية فتيل أزمة جديدة قائمة على اغتيال شخصيات محلية بارزة يكون لها وزنها في عمليات المصالحة التي تضررت طهران منها. ما حدث في بلدة كناكر نهاية عام 2019 من عمليات تنسيق روسية مع قادة "الفرقان"، وعملية اغتيال بهجت حافظ، المسؤول والمنسق الأول عن ملف المصالحة في المنطقة الجنوبية الغربية، وعمليات اقتحام وتفجير تستهدف شخصيات مهمة في محافظة درعا، يجعل إيران في مأزق في نظر القوات الرسمية السورية من جهة، وفي نظر القوى الإقليمية والغربية من جهة أخرى، ما يتركها وحيدة من دون مكاسب حقيقية، عدا مجموعة استثمارات تأخذها بالاتفاق مع روسيا لا أكثر.

أما اليوم، وفي ظل التدهور الاقتصادي الحاصل في سورية، يجرى الحديث في الشارع السوري عن مظاهرات تطالب برحيل إيران و خروجها من الأراضي السورية خروجًا كاملًا، معتبرين أن إيران وحدها، وليس إيران وروسيا، كانت سببًا لتدهور الليرة السورية على خلفية قيام رامي مخلوف، حليف إيران وعرّاب الاقتصاد و التجارة في سورية، بالإعلان عن خلاف مع رئاسة الجمهورية، وقيام وزارة العدل بالحجز على أملاكه ومنعه من مغادرة البلاد وفرض وصاية قانونية على شركة اتصالات "سيرياتل"، المشغل الخليوي الأول في سورية، فيما تقف روسيا موقف الحياد معتبرة أن حراكًا جديدًا سيصبّ في خدمة مصالحها القريبة والبعيدة على حد سواء، إذ إنها لا تخشى الشعب السوري أن يطالب برحيل قواتها من البلاد.

المصادر

Young, M. (2018). Russia in the Middle. Carnegie Middle East Center. Retrieved from https://carnegie-mec.org/diwan/76494 10/6/2020.

Yahya, M., & Kayssi, I. (2020). Contentious Politics in Syria. Carnegie Middle East Center. Retrieved from https://carnegie-mec.org/2020/05/15/contentious-politics-in-syria-pub-81815 10/6/2020.

Sinjab, L. (2018). Russia and Iran Are Increasingly Competitive in Syria. Chatham House (Analysis). Retrieved from https://syria.chathamhouse.org/research/russia-and-iran-are-increasingly-competitive-in-syria 10/6/2020.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص