عن نشاط المستعربين في البلدات العربية

عن نشاط المستعربين في البلدات العربية

أعيد مؤخرًا نشر تقرير عن نشاط وحدة المستعربين في البلدات العربية في أعقاب النكبة، كانت قد كشفت عنها صحيفة 'يديعوت أحرونوت' في العام 2011.

فقد أنشأت إسرائيل، في ظلّ الحكم العسكريّ الذي فرضته على فلسطينيّي الدّاخل، بعيد النّكبة فورًا، وحدة من المستعربين اليهود، الذين زرعتهم في قلب النّسيج المجتمعيّ الفلسطينيّ، في الجليل، في المثلّث وفي النّقب. وقد انكشف تفاصيل هذه الوحدة قبل 12 عامًا. واندرج عمل هذه الوحدة ضمن حملة اتّضح فشلها لاحقًا، باعتراف المؤسّسة الإسرائيليّة نفسها.

مع بداية خمسينات القرن الماضي، قرّر ضبّاط في الاستخبارات الإسرائيليّة وجوب تجميع معلومات عن التّعاون بين الفلسطينيّين الذين أصبحوا مواطنين قسرًا، في دولة إسرائيل، بعد النّكبة، وبين إخوانهم ممّن تشتّتوا وراء الحدود الجديدة.

وقد أوعز رئيس جهاز الأمن العامّ (الشاباك) حينها، إيسر هرئيل، بهذه المهمّة على ضابط شابّ، اسمه شموئيل (سامي) مورياه، الذي قام بدوره بتجنيد عشرات الشّبّان اليهود الذين هاجروا من البلدان العربيّة إلى إسرائيل، وكانت لغتهم العربيّة لغة الأم، وتمّ تدريبهم في معسكر أقيم بالقرب من الرّملة.

تعلّم المستعربون الجدد إتقان اللهجة الفلسطينيّة المحليّة، درسوا القرآن، الشّريعة والفرائض، ليتلقّى كلّ واحد منهم رواية تغطية وقصّة مفصّلة وجب عليهم حفظها وإتقانها. ودرس المستعربون طرق التّشفير واستخدام الأسلحة.

ووفق تقرير أعدّه الصّحافيّ والنّاشط الاجتماعيّ والسّياسيّ، نوعام روتم، ونشره موقع 'سيحاه مكوميت'، فقد أعدّت الخطّة وهدفت إلى توزيع المستعربين وزرعهم في القرى والبلدات العربيّة المختلفة،  لكي ينعمسوا فيها.

وانطلقت الوحدة إلى عملها عام 1952، تحت اسم 'مستعربون'، لينطلق عشرات الشّبّان اليهود، متقمّصين شخصيّات فلسطينيّين لاجئين شتّتتهم النّكبة. اندمج الشّبان المستعربون اليهود في قلب المجتمعات العربيّة الفلسطينيّة، معتمدين على 'طيبة قلب السّكّان المحليّين، الذين استضافوهم في بيوتهم وفي مجتمعاتهم'، بحسب معد التقرير.

ويقول روتم في تقريره 'رويدًا رويدًا، تمّ استيعاب الجواسيس داخل المجتمعات الفلسطينيّة، عثروا على مساكن، على عمل، أنشأوا علاقات اجتماعيّة، لكن معلومات استخباراتيّة، لم يخرج من الأمر بالفعل'. وفي عام 1954 اتّخذ مقرّ المخابرات الإسرائيليّة قرارًا بوجوب تزويج الشّبان من المستعربين، لعدم إثارة الشّبهات، ولإنشاء عائلات والاندماج أكثر وأكثر في المجتمع الفلسطينيّ.

ولد الكثير من الأبناء لهؤلاء المستعربين الذين تزوّجوا من فلسطينيّات بينما لم يعثروا على أيّ معلومات استخباراتيّة ذات قيمة، ما أدّى إلى تساؤلات من قبل المؤسّسة الإسرائيليّة بشأن نجاعة 'حملتها' هذه، إلّا أنّ 'الفأس وقعت في الرأس' كما يقال، وإنجاب أطفال من نساء فلسطينيّات، عقّد الأمر أكثر ودفع بتنجنيد الحاخام شلومو غورن، الحاخام الرّئيسي للجيش، الذي أنشأ محكمة من 3 حاخامات أقرّوا أنّه برغم كون الأمّ غير يهوديّة، إلّا أنّ الأبناء يهود، لأنّهم ولدوا لوالد كان في مهمّة. واقترح الحاخامات أيضًا مسارًا مستعجلًا لتهويد النّساء الفلسطينيّات ممّن ولدن لأزواجهن المستعربين.

الكثير من الأزواج تطلّقوا حينما كاشف الأزواج زوجاتهنّ بالحقيقة ليظلّ الأبناء أكبر ضحيّة في هذه القصّة الغرائبيّة.

حتّى أنّ مورياه نفسه، رئيس جهاز الأمن العامّ حينها، اعترف لاحقًا، لمجلّة israeldefense أنّه 'عمليًّا، وبسرعة كبيرة، اتّضح أنّه في الحقيقة لم نكن بحاجة إلى هؤلاء المستعربين. كان لدينا حكمًا عسكريًّا. العرب كانوا مطوّقين ومحاصرين، وكان من السّهل السّيطرة عليهم. كان أيضًا الكثير من المتعاونين. العرب كانوا مهزومين، ولذلك كانوا على استعداد لأن يشوا عن بعضهم البعض مقابل تصريح عمل أو تصريح خروج إلى الضّفّة. كان بمقدورنا أن نجمع كلّ معلومة ابتغيناها دون التّضحية بأيّ أحد، دون تغيير مصائر الأناس وأن ندفع مقابل الأمر ثمنًا باهظًا إلى هذا الحدّ'.

ويعلّق الصّحافيّ والمدوّن روتم على مأساة الفلسطينيات، حسب تعبيره، بقوله 'تراث إنشاء دولة إسرائيل، خلافًا لصورة الجارزات البيض والياقة المطرّزة، ملطّخ بالعفن والدّم، أيضًا على هيئة هذه القصص'.

اقرأ/ي أيضًا | 'مستعربون يتزوجون من عربيات لإنجاح مهماتهم'

ويضيف روتم 'اعتدنا على هالة الضّبابيّة الفاخرة حول هذه روايات المخابرات الإسرائيليّة، ومن فرط اعتيادنا، لم يعد أيّ منا يستطيع الوقوف وتوجيه سؤال عن الثّمن الباهظ الذي يجبى'.

ويخلص روتم إلى أنّ 'حملة المستعربين الخاصّة بسامي مورياه هي نقطة انحطاط'. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018