بأيّ برنامج سياسي قاد نتنياهو إسرائيل؟

بأيّ برنامج سياسي قاد نتنياهو إسرائيل؟
نتنياهو في ذكرى بيرس، حملا مشروعين متناقضين (أ ب)

عادة ما يتمحور النقاش السياسي المتعلق بنتنياهو في الساحة الإسرائيلية في الفوائد السياسية الشخصية، حيث يغطي سؤال "هل تلك الخطوة تفيد رئيس الحكومة الإسرائيليّة، بنيامين نتنياهو، أو تضرّه في صندوق الاقتراع" على الجوانب الأخرى المتعلقة بالدور السياسي الإستراتيجي، أو ما يسميه الصحافي عكيفا بيغمان، "البحث المعمق، الواسع والمبدئي في المنطق الداخلي المرتبط بأدائه وبالتأثير البعيد المدى لولاية من يعتبره، أحد السياسيين الكبار في عصرنا، على مكانة إسرائيل السياسية ومناعتها".

بيغمان يحاول في كتابه الذي صدر عشية الانتخابات الأخيرة، الإجابة عن السؤال الذي طرحه عنوان الكتاب "كيف حول نتنياهو إسرائيل إلى إمبراطورية؟"، من خلال تتبع مسيرة نتنياهو السياسية منذ أن كان زعيما للمعارضة، أساسا، وتحديه لتيار أوسلو الجارف ومشروع الشرق الأوسط الجديد الذي صاغه شمعون بيرس بمشروع اقتصادي ليبرالي، ورؤية بديلة أثبتا نجاحهما.

ويري بيغمان أن عظمة نتنياهو تكمن في أنّه تحدى إحدى الفرضيات الأساسية التي سادت على مدى عقدين في الجدل السياسي الإسرائيلي الداخلي، والتي تقول إنّه دون إيجاد حل للقضية الفلسطينية، فإنّ إسرائيل ستتحول إلى دولة معزولة على الساحة الدولية، وهو المنطق الذي حرك عملية أوسلو وعبر عنه شمعون بيرس في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" بقوله، إذا رتّبنا الأمور مع الفلسطينيين نستطيع تطوير علاقات دبلوماسية مع الدول العربية، كما أن اقامة سلام بين إسرائيل وجيرانها العرب سيفتح الباب لتعاون إقليمي من نوع جديد مع دول الشرق الأوسط.

نتنياهو الذي شكل في حينه، كزعيمٍ للمعارضة في إسرائيل، رأس حربة لهذا التوجه، لم يكن كما تم تصويره في حينه في الإعلام الرسمي بأنّه "رافض للسلام" و"معاند"، بل امتلك، على حد قول الكاتب، رؤية شاملة وعرض إستراتيجية بديلة لرؤية السلام التي خطفت الدولة، ويشير الكاتب إلى أنّ عناصر أساسية منها وردت في كتاب نتنياهو الذي صدر عام 1995 تحت عنوان "مكان تحت الشمس"، إلا أنّ الصيغة الأولية لوجهة نظره المتعلقة بالسياسة الخارجية عرضها نتنياهو في الخطاب الأخير الذي ألقاه كزعيم للمعارضة في الكنيست عام 1996.

وسط نقاش صاخب حول اتفاق "أوسلو ب"، الذي انسحبت إسرائيل بموجبه من جميع المدن الفلسطينية ومناطق إضافية في الضفة الغربية، عرض نتنياهو (الذي سيصبح بعد بضعة أشهر رئيسا للحكومة للمرة الأولى) وجهة نظره البديلة والمتصادمة مع رؤية بيرس، وذلك في خطاب سخر فيه، كما يقول الكاتب، من ادّعاء بيرس الرائج بأن هذا "أمر التاريخ" ويجب التماشي معه وأن هناك شرق أوسط جديدا، وتساءل نتنياهو موجها حديثه إلى بيرس، "يبدو أنّنا لا نفهم، في أي عالم نحن نعيش، لأن ما يحدث اليوم، وما نحن نعرف أنّه يحدث هو نشوء هوّة كبيرة بيننا وبين جيراننا، نحن ندخل عصر ما بعد الصناعة الذي يقوم على صناعة المعرفة والتكنولوجيا اللتين نمتاز بهما، نحن قادرون فعلا على خلق مستقبل زاهر لدولة إسرائيل، يوجد لدينا صناعات ذات تقنية عالية، وأناس جيدون جدا في هذا المجال"، على حد قوله.

وينقل الكاتب عن نتنياهو "هناك أناس يخرجون من أجهزة الجيش وسلاح الجو والاستخبارات، يستطيعون العمل في منظومات الاتصال الجديدة، في الإعلام والكمبيوتر، وأمن المعلومات وفي كل عوامل صناعة المعرفة الجديدة، نحن على أبواب أن نصبح أحد الاقتصادات المزدهرة، إذا ما أحدثنا اللبرلة التي نؤمن بها، إذا ما قمنا بتلك الخطوات ستصبح القوة الاقتصادية لدولة إسرائيل واحدة من بين 15 اقتصادًا الأقوى في العالم".

وحسب نتنياهو، "لن يتمتع كل العالم بتلك العمليات"، وهو يشير إلى الأجزاء التي ستتخلف عن ركب الصناعة والاقتصاد الجديدين، "وهي غالبية القارة الأفريقية أو كلها وأجزاء واسعة من آسيا والشرق الأوسط كله تقريبًا، باستثناء دولة إسرائيل، الأمر الذي يتطلب منا"، كما يقول، "الحذر وتعزيز الأمن، لأن الإسلام السلفي يدخل ليملأ هذا الفراغ، وإذا ما أردنا حماية أنفسنا في شرق أوسط حقيقي تستطيع دولة إسرائيل فيه الانطلاق إلى الأمام ولا يستطيع جيرانها اللحاق بها يجب تعزيز قوتنا اقتصاديا واجتماعيا وفي مجالات الهجرة والاستيطان".

وتقوم رؤية نتنياهو تلك، كما ينقلها الكاتب، على المفهوم الذي يرى أنّ اللبرلة وتحرير السوق يؤديان إلى تقوية الاقتصاد، بينما تساعد القوة الاقتصادية في خلق قوة عسكرية، فيما يؤدي تشابكهما إلى منح إسرائيل قوة سياسية، وهي رؤية تعتمد الواقعية السياسية وترفض حلم بيرس "اليوتوبي" وتعرض حلما آخر يقوم على السيادة، الاستقلال والقوة، على حد تعبير الكاتب.

بعد 21 سنة، وفي خطاب ألقاه في الكنيست في تشرين ثانٍ/ نوفمبر 2017، أشار نتنياهو إلى قائمة طويلة من الأهداف التي تم تحقيقها، بعد أن تحولت الرؤية الخام لرئيس المعارضة إلى نظرية مبلورة، منتظمة، ومتتابعة لزعيم دولة، وبعد تجربة غنية تتجاوز عقدا من الزمن في رئاسة الحكومة، إضافة إلى ولاية مكثفة كوزير مالية، على حد تعبير الكاتب الذي يصف شعور نتنياهو بالاكتفاء الذاتي وهو ينظر إلى الوراء قائلا، نحن نحوّل إسرائيل، كما ترون، إلى قوة عالمية صاعدة، لم يحدث هذا الشيء في تاريخنا من قبل، كيف نفعل ذلك؟ كيف تم خلق تلك الفرص؟ نحن نفعل ذلك بواسطة تعزيز قوتنا الاقتصادية والتكنولوجيّة عن طريق تحرير السوق من جهة وتعزيز قوتنا العسكرية والاستخبارية.

وتعزيزًا لهذا التوجّه، يشير الكاتب بالأرقام إلى أنّ إسرائيل وسعت دوائر علاقاتها السياسية والتجارية وعزّزت علاقاتها الدولية واقتحمت بقدراتها التكنولوجيّة والأمنيّة، على حد تعبيره، العالم الواسع، حيث تجاوزت صادراتها في السنة الفائتة 110 مليار دولار، مقابل 85 مليار دولار عام 2008، وهي تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع 161 دولة وعلاقات غير رسمية مع 5 دول عربية، مشيرًا إلى أنّ إسرائيل قد زارها في السنوات الخمس الماضية 250- 300 زعيم دولة بينها الهند والصين واليابان، إلى جانب زيارة نتنياهو لعمان والمشاركة في مؤتمر البحرين.