تأخير نقل معلومة سرية عزز الإخفاق الإسرائيلي في توقع حرب 73

تأخير نقل معلومة سرية عزز الإخفاق الإسرائيلي في توقع حرب 73
زعيرا (في الوسط) خلال الحرب (الجيش الإسرائيلي)

كشفت محاضر سرية نشرت اليوم، الخميس، المراسلات بين رئيس شعبة الاستخبارات العسكريّة في الجيش الإسرائيلي ("أمان") ولجنة "أغراناط"، حول التأخر في نقل مجموعة من التقارير الاستخبارية التي وصلت عشيّة حرب تشرين الأول/ أكتوبر عام 1973، وأشارت إلى نية واضحة لدى السوريين والمصريين لخوض الحرب، وكانت ستساهم في إنذار إسرائيل بموعد التحرك العسكري العربي.

ولمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لاندلاع الحرب، سمحت أرشيفات الجيش الإسرائيلي في وزارة الأمن، نشر ملف يحتوي على وثائق استخباراتية تضمنت ما عُرف إسرائيليا بـ"المعلومة الذهبية" التي كان من شأنها أن تعزز من مقدرة إسرائيل على توقع الحرب، ومراسلات بين لجنة التحقيق في ظروف اندلاع الحرب، التي ترأسها رئيس المحكمة الإسرائيلية العليا، حينها شمعون أغراناط، وعرفت باسمه – "لجنة أغراناط"، مع رئيس "أمان" حينها، إيلي زعيرا.

ويشار بـ"المعلومة الذهبية" إلى برقية مشفرة مرسلة من السفارة العراقية في موسكو، اعترضتها الوحدة 8200 التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، في الرابع من تشرين الأول/ أكتوبر الساعة الثالثة ظهرا، تشير إلى مغادرة الخبراء السوفييت سورية ومصر، وصباح اليوم التالي وصلت المعلومة بعد فك التشفير إلى قائد الوحدة، يوئيل بن بورات.

توصل بن بورات مباشرة مع رئيس "أمان" وأطلعه على مضمون البرقية وغيرها من التقارير التي تلقتها 8200 في الأيام التي سبقت الحرب، وقدّر أن هذه المعلومة كافية لاستدعاء واسع لجنود الاحتياط والاستعداد للحرب، إلا أن زعيرا تجاهل التقارير، وأمر بتأخير عرض الملفات على القيادة السياسية، وفي صباح اليوم التالي، بعد حوالي 15 ساعة من اعتراض البرقية، تم إخطار كل من رئيسة الحكومة، غولدا مئير، ووزير الأمن، موشيه ديان، ورئيس أركان الجيش دافيد إلعازار.

وأشارت المعلومات التي تلقتها الوحدة 8200 إلى أن عائلات الضباط والمستشارين الروس في سورية ومصر على وشك الرحيل، وأن طائرات نقل وصلت بالفعل لإخلائهم. واحتوت "المعلومة الذهبية" والتي تم تضمينها في تجميع معلومات استخباراتية شديد السرية، على معلومات تفيد بأن خمس طائرات من طراز IL-18 (إليوشن) - طائرات ركاب سوفيتية، بسعة تصل إلى 600 شخص، وصلت إلى سورية "بشكل غير اعتيادي" ليلا.

بالإضافة إلى ذلك، تلقت شعبة الاستخبارات العسكرية معلومات تفيد بأن معظم السفن السوفيتية غادرت ميناء الإسكندرية في مصر. وقال زعيرا في اجتماع هيئة الأركان العامة ظهر الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر، قبل يوم من بدء الحرب: "هذا أيضًا أمر استثنائي".

ومع ذلك، ذكر تحليل أجرته شعبة الاستخبارات أنه "في هذه المرحلة ليس لدينا أي معلومات يمكن أن تشير إلى بداية عمليات الإجلاء الفعلية (للخبراء الروس). يبدو أن هناك حالة من عدم الوضوح بين الخبراء أنفسهم بشأن مستقبلهم، ومن المحتمل أن يتم اتخاذ قرار بشأنهم من أعلى المستويات في الصباح الباكر".

وعلى الرغم من أن تقرير المخابرات قال إن الاستعدادات لإجلاء أسر الخبراء السوفييت من دمشق كانت "غير طبيعية" ، قُدر أن العملية "لم تنبع من التوترات بين السوريين والسوفييت، بل من مخاوف سوفياتية من مبادرة عسكرية مصرية سورية ضد إسرائيل". وذكر كذلك أننا "نعتبر أن احتمالية اتخاذ مثل هذا الإجراء منخفضة". وقال زعيرا في اجتماع هيئة الأركان العامة: "كل هذا لا يغير التقييم الأساسي بأن احتمالية الحرب بمبادرة من مصر وسورية لا تزال منخفضة للغاية... وأقول حتى إن ذلك غير مرجح للغاية بل أقل من منخفض".

وكتب زعيرا في المراسلات مع لجنة "أغراناط" التي تم تشكيلها في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1973 للتحقيق في الإخفاق بالحرب، أنه "في الأيام العشرة التي سبقت الحرب، تلقى الجيش الإسرائيلي والحكومة تحذيرات خطيرة للغاية، إن لم تكن قاطعة ونهائية".

وأضاف زعيرا "لا أتذكر أنني أخرت إصدار التجميع الاستخباراتي قبل منتصف الليل وأنني سمحت بذلك في الصباح"؛ وحول مسؤوليته بالتحذير من بدء الحرب، قال: "علم المستوى العسكري والسياسي منذ حزيران / يونيو 1973 أن الوضع في مصر تدهور بشكل كبير"، وحول توزيع المسؤوليات بين المستويين العسكري والسياسي: "هذه المسؤولية تنطبق بنفس القدر، إن لم يكن أكثر. على الصعيد السياسي الذي كان شريكا فاعلا في سوء التقدير".

وفي المراسلات التي سمح بنشرها اليوم، أوضح القاضي أغراناط لزعيرا ما تنسبه إليه لجنة التحقيق: "عدم التصرف (... "معلومات مشطوبة من التقرير") دون معرفة رئيسة الحكومة ووزير الأمن ورئيس الأركان، وعدم تجنيد جنود الاحتياط في الوحدة 848، وعدم الكشف بشكل كامل عن المعلومة المهمة المتعلقة بإجلاء العائلات السوفييتية من سورية ومصر، وعدم الكشف عن معلومة (..."معلومة محذوفة") التي تتعلق بنية المصريين بفتح النار قريبا".

وجاء رد زعيرا برسالة مطولة قال فيها: "لم أتعهد بإشعار المستوى السياسي مسبقا بنوايا العدو"، وأضاف "في الأيام العشرة التي سبقت الحرب، أُعطي الجيش الإسرائيلي والحكومة تحذيرات خطيرة للغاية، إن لم تكن قاطعة ونهائية"، وأخيرًا أضاف أنه "تم توجيه تحذير للحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي، على الرغم من أن التحذير لم يكن قاطعا ونهائيا".

وشملت الملفات التي نشرت اليوم، ملف صدر في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر 1973 حول نية سورية تحرير الجولان المحتل، وجاء فيها: "لدينا معلومات بأنه ابتداء من نهاية أيلول/ سبتمبر 1973 يتوقع هجوما سوريًا كبيرًا على هضبة الجولان. يبدو لنا أن الهجوم يعكس خطة رئيسية عملياتية سورية تدرب عليها السوريون خلال العام. ومع ذلك، فإن تنفيذها الآن وعلى المدى القريب غير مرجح في تقديرنا".

ويستعرض التقرير الاستخباري بالتفصيل استعدادات الجيش السوري، ويقول إن "هم (السوريون) بعيدون كل البعد عن التقدير بأن بمقدورهم تنفيذ هجوم على مرتفعات الجولان بمفردهم، بسبب ضعفهم الأساسي وخاصة في الجو"، وأضاف "ليس هناك ما يشير إلى استعداد مصر في هذه المرحلة لاستئناف الحرب وهو ما يعتبره السوريون شرطا لتحقيق نجاح عسكري كبير من جانبهم".