"اليهود العرب - قومية ، دين وإثنية" / يهودا شنهاف

"اليهود العرب - قومية ، دين وإثنية" / يهودا شنهاف

الكتاب: "اليهود العرب - قومية ، دين وإثنية"


إصدار : "عام عوفيد" (تل أبيب)، 2003


عدد الصفحات :300


المؤلف : يهودا شنهاف (عالم إجتماع إسرائيلي)



قراءتان في كتاب جديد لعالم الاجتماع الإسرائيلي يهودا شنهاف



1- عن صناعة "الهويات الشرقية" في إسرائيل/ أحمد أبو حسين



مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور يهودا شنهاف، أستاذ علم الاجتماع والأنثربولوجيا في جامعة تل أبيب و باحث كبير في "معهد فان لير" في القدس ومحرر المجلة العلمية الإسرائيلية "نظرية ونقد "، المتخصصة أكثر شيء في نقد الصهيونية وإسرائيل.


شغل في الماضي منصب رئيس القسم المذكور في الجامعة، وعمل أستاذا في جامعات ستانفورد وكولومبيا وبرينستون في الولايات المتحدة الأمريكية. له عدة اصدارات ومقالات علمية وكذلك عدة كتب منشورة أهمها Manufacturing Nationality، الصادر عن أوكسفورد في العام 1999.


وله أيضًا كتاب "الشرقيون في اسرائيل" بمشاركة باحثين أكاديميين آخرين، إصدار فان لير 2002، وله كتاب آخر صدر في العام 1995 عن "دار شوكن للنشر" بعنوان "ماكنة التنظيم".


 


ينحدر شنهاف من عائلة يهودية عراقية هاجرت الى فلسطين عشية قيام الدولة العبرية، وقد


برز في السنوات الاخيرة كباحث جامعي مناهض للسياسة الإسرائيلية الرسمية تجاه الفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر. ويعتبر شنهاف من مؤسسي حركة " القوس الشرقي الديموقراطي"، وهي حركة تعلن عن نفسها بأنها تناضل ضد التمييز بحق الشرقيين ومن أجل "العدالة الإجتماعية في المجتمع الاسرائيلي".


 




في كتابه هذا "اليهود العرب - قومية، دين وإثنية " يقدم لنا شنهاف شهادة باحث من أصول شرقية حول تعامل المؤسسة الاسرائيلية الاشكنازية في اسرائيل مع "اليهود العرب"، ويقصد بذلك اليهود الذين هاجروا من البلاد العربية إبان النكبة الفلسطينية في العام 1948.



فمن هم هؤلاء "اليهود العرب"، وكيف تحولوا الى "شرقيين"، وكيف تحول هؤلاء مقابل اليهود الاوروبيين إلى فئة "غير ممكنة" في اسرائيل، ما هي "الشرقية" أو لنقل "الشرقوية"، وما علاقتها بالدين والقومية، ما علاقة "اليهود العرب " بنضال الشعب الفلسطيني من أجل الإستقلال الوطني؟.



هذه الأسئلة الكبيرة يطرحها الكاتب ويجيب عليها في بحث يتميز فعلا عن غيره من الأبحاث، التي غاصت في موضوعة التمييز والهوة بين الشرقيين والغربيين ( السفارديم والاشكناز ).



يتناول الكاتب اللقاء الاول بين "اليهود العرب" واليهود الاوروبيين، ويتميز في ذلك كونه يتركز في المميزات الكولونيالية وعلاقة القبول والرفض بين المركبات الأساسية الثلاثة للصهيونية: القومية، الدين والإثنية، وكيف شجعت الصهيونية "العلمانية" التدين في أوساط الشرقيين لتجنيدهم للمشروع الصهيوني.


 



يلفت الباحث إنتباه القراء الى أهمية الغوص والتنقيب في الاربعينيات لاستيعاب الطائفية في اسرائيل، ويوضّح أن "الشرقوية" ليست مناقضة أو مضادة للأشكنازية وهي بالتأكيد ليست هوية متجانسة لكنها هوية ذات هامش واسع لها اصوات متعددة ومختلفة.


 



لا توجد في هذا الكتاب نصوص عن رواية الشرقيين في إسرائيل، لكن الكاتب اختار حيزا لا بأس به من مقدمته ليحكي لنا القليل عن ماضي عائلته ومعارفها كي يفتح النار ويفضح الحقيقة عن معاناة "اليهود العرب" وتعامل المؤسسة الاسرائيلية معهم.



ويبدو واضحا منذ البداية أن الكاتب لا يؤلف كتابا بيوغرافيا عن حياته، لكن قراءة المقدمة توحي بدليل الكتاب النظري فحكايته عن عائلته في المقدمة محاولة ناجحة من الكاتب لتبسيط إدعاءات بحثه أمام القارئ.


 




يقول شنهاف في مقدمته: "منذ فترة وجيزة كنت جالسا في مقهى أرتاده في تل أبيب وإذا برجل كبير السن يفاجئني بالسؤال: هل أنت إبن الياهو شهرباني رحمه الله ؟ وتابع الرجل إبن السبعين قائلا: أنا أفنر يارون وقد جنّدته للمخابرات في الخمسينيات، وأستطيع ان أثبت لك ذلك".



ويتابع شنهاف: "صدمت من طريقة سؤاله، لا أذكر أنني التقيته يوما، لن اتفاجأ أن والدي كان في المخابرات، كنت أعرف، لكنه فاجأني بأنه يريد أن يثبت لي ذلك، ذهب الرجل دون أن أرد عليه، ومرّت أيام وأرسل لي إلى المقهى مغلفا فيه بعض الصور، الصور كانت قديمة، في احداها، وهي صورة بالابيض والاسود، يظهر والدي بصحبة أربعة شبان وشابة، كلهم "شرقيون" ممن تجندوا للمخابرات في حينه.


 



كان والد شنهاف يعمل في المخابرات، وهو من مواليد العراق، وكان جده تاجرا متنقلا يبيع التمر والبيض والاسماك. وكان يسافر من بغداد الى فلسطين مرة واحدة كل ثلاثة أشهر، في احدى المرات من سفرياته المتكررة إشترى قطعة أرض في بيتح تكفا (ملبس) وفي العام 1936 حاولت العائلة ان تستقر في فلسطين لكنها عادت بعد تسعة أشهر، وفي العام 1942 قرر الياهو شهرباني اللحاق بأخيه شلومو الذي هاجر الى فلسطين، عارض الجد هجرة الأبناء لكن عناد الابنين الياهو وشلومو انتصر في نهاية الأمر.


 



في العام 1946 إستوطن الياهو شهرباني، والد يهودا شنهاف، في مستوطنة كيبوتس ألونيم بجانب الناصرة، أغلبية المستوطنين فيها كانوا من الاشكناز، وفقط قلة منهم كانت ممن هاجروا من العراق. وهناك في ألونيم قرر شهرباني مع "مجموعته البابلية "، معظمهم انضموا فيما بعد للمخابرات، الإستيطان في مستوطنة باري التي أقيمت على أنقاض قرية نحبير الفلسطينية.



وفي احد الأيام إختفى شهرباني من المستوطنة، وقررت ادارة المستوطنة التحقيق مع "المجموعة البابلية" لإعتقادها بأنهم جواسيس يعملون لصالح الارغون- الايتسل ( منظمة صهيونية أسسها مناحيم بيغن).


 



كانت "المجموعة البابلية" موضع تشكيك من قبل اليهود الاوروبيين أعضاء ادارة المستوطنة، لم ينضم أحد منهم للايتسل في حينه ولم يعملوا جواسيس لصالحها، لكن أغلبيتهم تحولت فيما بعد إلى جواسيس للدولة، بعد ان وصل الى المستوطنة افشالوم شموئيلي وجنّدهم للمخابرات،


فكلهم تحدثوا العربية، وملامحهم وثقافتهم كانت عربية.


 



في العام 1950 تجنّد الياهو شهرباني للمخابرات، وربح بطاقة دخوله الى "الاسرائيلية" برغم كونه يهوديا عربيا عادة ما يتم التشكيك فيه في لحظات الشدّة. ولا يخفي الكاتب شنهاف أن غياب والده لفترات طويلة عن البيت رفعت من أسهمه في الحي الذي سكنه أيام طفولته.



ويسرد الكاتب بعض الحكايات، كما ذكرنا اعلاه، لتبسيط ادعاءاته ويقدم لنا في المقدمة أمثلة تطبيقية من الواقع المعاش، فضلا عن فصول الكتاب الاربعة.


 

  لكن بالعودة الى منظمة "ووجاك" (المنظمة العالمية لليهود المولودين في الأقطار العربية)، التي سبق ذكرها، ينبغي الاشارة الى ما يلي:



  • تأسست هذه المنظمة في سنة 1975 وظلت ناشطة حتى 1999. وقد بادر الى تأسيسها "الزعيم" اليهودي العراقي مردخاي بن بورات، وهو عضو كنيست ووزير اسرائيلي سابق من حزب "مباي" ولاحقًا من حزب "رافي"، سوية مع "شخصيات جماهيرية" من "وزنه" من يهود المغرب وتونس وسوريا والعراق. وقد ترأس بن بورات هذه المنظمة الى جانب المليونير اليهودي العراقي ليئون تمان من لندن.

  • حصلت المنظمة على دعم مباشر، مادي ومعنوي، من وزارة الخارجية الاسرائيلية ومن الوكالة اليهودية. وكانت تستدعي، بين الفينة والأخرى، العديد من السياسيين والباحثين الأكاديميين ذوي الأصول العربية لحضور جلسات هيئتها الإدارية والإسهام في رسم وبلورة سياستها.

  • أقامت المنظمة، خلال سنوات نشاطها، فروعا لها في نيويورك ولندن وروما وزيوريخ، كما عقدت مؤتمرات دولية في باريس (1975) ولندن (1982) وواشنطن (1987). وعقدت أربعة مؤتمرات في اسرائيل.

  • توقف عمل المنظمة في 1999، كما ذكرنا، بسبب توقف أموال الدعم من طرف وزارة الخارجية الاسرائيلية والوكالة اليهودية، وهذه كانت الحجة المعلنة لكن شنهاف يلمح الى أن ايقاف عمل المنظمة جاء بعد أن استنفدت "الدور المرسوم لها".

  • يؤكد شنهاف أن منظمة "ووجاك" تمتعت بقدر عال من الوعي لمسألة التوثيق. وفي إطار ذلك فقد تم تسجيل كل المؤتمرات التي عقدتها ومن ثم تم إصدار وقائعها في كتب. كما تم تلخيص لقاءات الهيئة الادارية كتابيًا. وأصدرت المنظمة مئات الوثائق المتعلقة بنشاطها، من رسائل وكراريس وكتب ومقالات. وتم كل ذلك باللغة العبرية طبعًا، لكن كانت هناك نصوص كثيرة باللغتين الانجليزية والفرنسية ايضًا. وقد احتفظ بجميع هذه المواد في مكاتب المنظمة في تل أبيب. ولكن في بداية 1998 بدأ العمل في نقلها الى الأرشيف الصهيوني المركزي. وقد اطلع المؤلف على جميع هذه المواد في الأرشيف الصهيوني، بدءًا من اذار/ مارس 1998، ويبدو أنه كان أول باحث يطلع على الأرشيف لغرض البحث، ومن هنا أهمية خلاصاته بالنسبة لتأثير هذه المنظمة.

 


 في تقطيره لعمل هذه المنظمة، على المستوى السياسي العام الذي يرتبط بكيفية ما مع كينونة اسرائيل الراهنة كما يرتبط مع صراعها ضد العالم العربي وضد الفلسطينيين على وجه الخصوص، يشير شنهاف الى أن إنجاز "ووجاك" الأبرز خلال سنوات عملها المذكورة يتمثل في أنها "صاغت ثلاث نظريات سياسية كبيرة" (من حيث كونها عظيمة الأهمية بالنسبة لاسرائيل وأيديولوجيتها الصهيونية):


 


  النظرية الأولى ادعت بأقدمية الكيان اليهودي، قوميةً ودينًا، في الشرق الأوسط.


  النظرية الثانية أكدت أن تبادلا سكانيا بين لاجئين عرب ولاجئين يهود في الشرق الأوسط قد حصل  فعلا.


  النظرية الثالثة أقرّت بأنه في أعقاب تبادل السكان المذكور يمكن الادعاء، في الوقت الراهن، بشأن الموازنة (أو التعويض) في الأملاك بين اللاجئين العرب واليهود.


  عن هذه النظريات الثلاث يكتب شنهاف قائلا: "هذه النظريات، التي تمت صياغتها في أواسط السبعينيات، أخذت مفعولا مضاعفا في أعقاب اتفاق السلام مع مصر وبدء النقاش حول اللاجئين الفلسطينيين . فعلى أساسها، وهذا ما اعتقده أعضاء ادارة المنظمة، في مقدرة دولة اسرائيل أن تدعي الحقوق الشرعية لليهود في أرض اسرائيل (أقدمية الكيان اليهودي) وأن ترفض المطلب الفلسطيني بحق العودة (تبادل السكان تمّ حقًا) وكذلك أن ترفض المطلب بالتعويض عن الأملاك الفلسطينية التي صادرها القيم العام لدولة اسرائيل (موازنة الأملاك)". وعلى هذا الأساس فان عضو ادارة المنظمة، د. جاك برانس، وازى بين تأسيس منظمته وبين نشاط منظمة التحرير الفلسطينية، بقوله: "نحن الجواب الوحيد (في اسرائيل) على م.ت.ف، على حق العودة.. من أجل ذلك نحن موجودون".


 


 غير أن نشاط "ووجاك" تركز، بصورة رئيسة، في تخيّل الماضي وفي محاولة استعمال هذا الماضي المتخيّل من أجل احلال القومية اليهودية في الشرق الأوسط وبلورتها. ولذا كان من الطبيعي أن تعمل المنظمة في ميدان تشييد الذاكرة، أولا وقبل أي شيء.


 


  ومع أن شنهاف يرى الى خطورة ما ترتب ويترتب الآن على النظريات الثلاث المذكورة، في الشأن السياسي العام، فانه يؤكد أن تلك النظريات انطوت في الوقت ذاته على دلالات مضادة بالنسبة لمشروع بناء الذاكرة وسياسة الهويات. ويوضح هذه الدلالات المضادة على الوجه التالي:



  1. نظرية أقدمية الكيان اليهودي، قومية ودينًا، في الشرق الأوسط كان لا بدّ أن تنطوي على مركب هام هو "رابطة يهود الدول العربية مع أرض اسرائيل". وتنسحب هذه الرابطة أيضًا على الفترة التي تدعي الصهيونية بانقطاع الصلة فيها بين الشتات وبين البلاد، ما يعني أن هذه النظرية تقسّم، في المحصلة، وربما دون قصد مسبق منها، الوحدة الاثنو- قومية اليهودية حسبما تروّج لها الصهيونية، ناهيك عن أنها تعرض ماضيا  لليهود العرب مختلفًا عن ماضي اليهود الأوروبيين. وفي رأي شنهاف فان هذه النظرية تجعل اليهود العرب مختلفين مع الأيديولوجيا الصهيونية في ثلاثة مواضيع أساسية هي: النظرة إلى الاقليم والموقف من التاريخ ومن الهوية.

  2. نظرية تبادل السكان في الشرق الأوسط تم اللجوء اليها، من طرف "ووجاك"، أساسًا، من أجل تقويض ادعاء حق العودة من طرف الحركة الوطنية الفلسطينية. وإن تبنّي هذه النظرية استوجب من "ووجاك"، برأي المؤلف، أن تصيغ موقفا في مسألتين تاريخيتين شديدتي التعقيد: الأولى- مسألة ماهية العلاقات بين اليهود والمسلمين في الدول العربية على مرّ التاريخ طبعًا، والثانية- مسألة تعريف مكانة اليهود في الدول العربية، في إطار طرح التساؤلين التاليين:هل هم لاجئون- مطرودون؟ أم أنهم صهاينة أصحاب وعي كافحوا من أجل الهجرة الى أرض اسرائيل؟.

 


ومع أن المسألتين تتداخلان، مبنى ومعنى، إلا أنه ثمة أهمية خاصة للمسألة الثانية، حيث أن تعريف هؤلاء اليهود العرب بأنهم لاجئون- مطرودون، يتناقض مباشرة مع نظرية أقدمية الكيان اليهودي، التي سبق ذكرها، إذ أن هذه الأخيرة تستدعي أن تشرح بإسهاب كيف عاش اليهود بهدوء تحت حماية الاسلام والعرب طوال الاف السنوات، في حين أن التمسك بنظرية اليهود اللاجئين يؤكد هشاشة وجودهم في الدول العربية. فضلا من ذلك فان نظرية اللاجئين تتناقض مع كون هجرة هؤلاء الى أرض اسرائيل تحمل دوافع صهيونية أيديولوجية. ويشير شنهاف الى أن بن بورات حاول أن يجسر على جميع هذه التناقضات بقوله: لكل يهودي ثمة توق للقدوم الى اسرائيل، وهو يقول ذلك في كل مكان، حتى في الاتحاد السوفييتي. تحت أي ضغط يقول اليهودي: السنة القادمة في القدس. غير أن الملاحقات في الدول العربية زادت هذا التوق، الى درجة انهم لم يمنحوه، لليهودي، امكانية البقاء في بلاده.


3.     أما بالنسبة لنظرية "موازنة الأملاك" فان شنهاف يعتقد بأن التحدي الأكبر لها جاء من طرف أعضاء غير اسرائيليين في "ووجاك". وبين هؤلاء يشير إلى ثلاثة بارزين أكدوا أن ليس لاسرائيل الحق في استعمال الأملاك اليهودية في الدول العربية لأغراضها السياسية من خلال طمس الحقيقة أن جزءًا من أصحاب هذه الأملاك ليسوا مواطنين في اسرائيل.


 


نجد إذا أن شنهاف لجأ إلى الفكر الما بعد حداثي لكي يقوّض رواية الهستوريوغرافيا الصهيونية الرسمية من خلال قصة اليهود العرب، ولكي يكفر بالحقيقة التاريخية المطلقة حول الأمة اليهودية والذي يعتبر هو نفسه من أبرز المستأنفين عليها، كما يوضح هو نفسه في سياق آخر. غير أن شنهاف لم يقدم روايته التي تتناقض مع الرواية الرسمية ومع تفريعاتها وتخريجاتها المختلفة في المواضيع التي يتطرق إليها في فصول الكتاب كافتها فحسب، بل إنه أيضًا حاول أن يتلمس الثغرات التي لم تنجح الرواية الرسمية في أن تسدّها بالكامل. جديده في هذا الكتاب، وهو ليس الأول الذي يحاول أن يخوض في سؤال الهوية الاسرائيلية من زاوية "سياسات الهوية" وارتباطها تحديدًا باليهود العرب أو الشرقيين، فقد سبقه إلى هذا الموضوع باحثون آخرون بعضهم اتكأ أيضًا على أفكار ما بعد الكولونيالية، ربما يكمن في أنه يبذل جهدًا مركّزًا لتبيان كيف "انقلب مفعول السحر على الساحر"، إذا جاز التعبير. بكلمات أخرى: كيف أدت المحاولات المختلفة، الصهيونية القالب والمحتوى، الرامية إلى بناء هوية إسرائيلية لليهود العرب من خلال قمع هويتهم العربية، إلى التمسك أكثر فأكثر بهذه الهوية وإلى تحديد مسألة التمييز الطائفي في إسرائيل، التي تحيل بدورها على بذور التناقض في الصهيونية، فكرًا وممارسة.


 


أما من ناحية الوثائق التاريخية فإن كتاب شنهاف هذا يقدم لنا، للمرة الأولى، بحثًا معمقًا حول عمل ونشاط منظمة "WOJAC" التي أدت دورًا شديد الخصوصية في بناء "الأساطير المؤسسة لاسرائيل"، خاصة تلك التي ما زالت تتفاعل إلى الآن ارتباطًا بالنزاع الاسرائيلي- الفلسطيني. ولو كان إسهام الكتاب منحصرًا في هذا الجانب فقط لكفاه ذلك من أجل اعتباره وثيقة إجتماعية تاريخية هامة حول الكيان الاسرائيلي الصهيوني، الذي كلما غاص البحث في ماضيه تكشفت أمامه المزيد من "الحقائق السوداء" الملازمة لنشوئه. 


 

من هذا الواقع المعاش يتراءى للقارىء كيف حاولت المؤسسة الاشكنازية الحاكمة أن تهمش ثقافة الشرقيين العرب، لكنها في الوقت نفسه طالبت بعضهم ممن عملوا في المخابرات أن يواصلوا حياتهم كعرب.



يعيدنا الكاتب، مثلا، إلى فضيحة الجاسوس الاسرائيلي إيلي كوهين، والذي عرف بكمال أمين ثابت وأعدمته سوريا شنقا في احدى ساحات دمشق، ويسأل لماذا لم يخطر على بال الدولة التي أرسلته للتجسس أن تخرج للدفاع عنه وتعمل على إطلاق سراحه ؟ لماذا إيلي كوهين بالذات ؟ ويضيف أن أحدا لم يهتم بحقيقة أن تجنيد إيلي كوهين للموساد يعود لكونه "شرقيا".



وفي الماضي تم التعتيم على كل من حاول إثارة النقاش العلني في هذا الاتجاه بحجة ان ذلك محاولة تفتعل "الفتنة"، فالمزاوجة بين "الشرقية" أو "الشرقوية" والسياسة أبعدت عن التداول ونقاش الجمهور العلني، كونها خطرة ولعبا بالنار، من وجهة نظر المؤسسة.



فضيحة ايلي كوهين وحرب حزيران 1967، وهي الحرب الاولى التي شارك فيها "الشرقيون"


بشكل فعلي وملموس، والإشتراك في الحرب وكون ايلي كوهين يهوديا عربيا أو "شرقيا"- كل ذلك منح "الشرقيين" فرصة للتفاؤل في الشراكة في عالم "الاسرائيلية".



يقول شنهاف إن جدته كانت متدينة لكن ثقافتها ولغتها عربية، لم تقتنع أنها غير عربية ولم تنكر ثقافتها حتى مماتها. ويحكي أنه في صغره أبدع أساليب شتى لمحاربة الثقافة العربية المعادية ويحكي كيف أسكت صوت الراديو ومنع عائلته من سماع أصوات أم كلثوم وفريد الاطرش وعبد الوهاب.



لم تكن هذه التصرفات بطاقة دخول رابحة وناجحة الى "الاسرائيلية "، "فالتنكر أو التفنيد هو مصطلح مهم جدا في علم النفس التحليلي وله واقعه الاجتماعي، وفي اللحظة التي يتضح أن عملية التنكر التي استوعبها الفرد في صغره كمعاناة شخصية ما هي إلا ظاهرة جماعية وإجتماعية يتبين عندئذ ان هذا التنكر الشخصي قد تراكم عند الكثير من أبناء جيلي ليصبح تنكرًا وإنكارًا جماعيًا للاصول"، يؤكد شنهاف.



يستند الباحث الى نظرية "الرأسمال الاداري" وتطور اللغة الادارية ونشوء " فئة المدراء" منذ القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا ويبين كيفية نشوء هذه الفئة التي تريد ان تتطور رغم محاولتها التوسط بين العمال المنتجين واصحاب الرأسمال المشغلين. ويتحدث عن الوعي والقوة وعدم التسييس والانكار. هذه هي مصطلحاته العلمية في هذا الكتاب التي يخصص لها اربعة فصول للقاء النظري بين "الشرقوية" والقومية بأربعة إرتباطات خاصة: نقطة الصفر أو البداية (الارتباط الاستعماري)، الارتباط الديني والارتباط الاقتصادي وإرتباط الذاكرة، بمعنى انقسام الخيال القومي والهوية الشرقية.



ينتقل الكاتب الى فصوله وارتباطات اللقاء بين الشرقوية والقومية بأسلوب آخر في الكتابة، من البيوغرافيا الذاتية الى التاريخ الجماعي ومن التحليل الفردي الى التحليل الثقافي. ولا ينشغل الكاتب كثيرا بالجواسيس وأسرة المخابرات ولا في والده وجدته ولا بايلي كوهين، لكنه ينشغل بالمحظورات Taboo والتنكر في مساحات تلتقي فيها "الشرقوية" و"الاسرائيلية"، هذه المساحات موجودة في الجيش والجامعات والسياسة وكتب السياسة والكنيس وحدود الدولة التي يحرسها"الشرقيون".



يتجاوز شنهاف مبنى المعرفة القائم في المجتمع الاسرائيلي من خلال طرق باب النقاش الداخلي الطائفي والقومي معا، فالمتعارف عليه في اسرائيل الصهيونية منذ نشأتها حتى اليوم أن النقاش الطائفي هو نقاش داخلي بين السفارديم والاشكناز والنقاش القومي هو نقاش بين كل المجموعة حول القضايا الجامعة لمواجهة "غير اليهود". فالفصل بين الطائفية والقومية كفئتين منفردتين كان متعمدا. ومنذ البداية تشكلت الصهيونية كنظرية ذات شرعية سياسية شريطة ان لا تجتاز حدود الإثنية حدود السياسة. فالمؤرخ الاسرائيلي بيني موريس، الذي كتب عن نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في العام 1991، لم يتطرق لعلاقة الصهيونية مع اليهود العرب الذين هاجروا الى اسرائيل برغم العلاقة الوطيدة، وهكذا فعل رجال الانثربولوجيا والتاريخ في اسرائيل عندما حققوا في تراث يهود الشرق وهجرتهم الى اسرائيل، فقد تعمدوا ان يعالجوا الهجرة كقضايا إثنية منفردة، هجرة أبناء اليمن مثلا أو هجرة أبناء العراق.



تستند الهستوريوغرافيا الاسرائيلية على جهاز توزيع ثقافي يجعل أشكال النقاش الطائفي والقومي تسير في قنوات مختلفة وذلك لعدم تسييس موضوعة "اليهود العرب"، ولتعريفها بأنها "طائفية"، بمعنى أنها موضوعة إثنية أو مشكلة داخلية.




تنظر الهستوريوغرافيا للهوية "الشرقية" من خلال رؤيتين: الاولى التي تتطرق لعقلية وثقافة الشرقيين ويغيب عنها واقعهم المعاش بمعنى التغييب المتعمد للسياسة، أما الرؤية الثانية فهي التي تتعامل مع الشرقيين وفق موقعهم في "سوق العمل " بمعنى وضعيتهم الطبقية والاجتماعية مع غياب تام للتاريخ العربي لليهود العرب.



وعندما تحاول الهستوريوغرافيا الاسرائيلية أن تجمع بين الرؤيتين يصبح النقاش حول الهوية "الشرقية" المصطنعة شائكا. فالرؤيتان تتعاملان مع "الشرقوية" كهوية نقيضة للاشكنازية، وبهذا تضيع الفرصة على الرؤيتين للتعامل مع "الشرقوية" كمساحة ذات هوامش واسعة.



اذا، يقدم الكاتب نقدا مقبولا لنظرة الهستوريوغرافيا الاسرائيلية إلى "الشرقوية" في اسرائيل ويخوض تحليلا تاريخيا يعود جذوره للماضي ويربطه بالحاضر عن رواية الاحتجاج الشرقي داخل المجتمع الاسرائيلي بدءا بأحداث وادي الصليب في العام 1959، مرورا بحركة "الفهود السود" في السبعينيات، وانقلاب 1977 ( صعود مناحيم بيغن لسدة الحكم وسقوط حركة العمل التي حكمت اسرائيل منذ تأسيسها )، انتهاء بقيام حركة "شاس" التي تزعمها ارييه درعي.



يهتم يهودا شنهاف كثيرًا بالتسميات والمصطلحات، انه يكتب بلغة غير عادية للقراء الاسرائيليين، وهو يحرص على أن يسّمي الشرقيين اليهود باليهود العرب أو الشرقيين أو يهود الشرق ويمتنع عن استعمال التسمية الرسمية (الطائفة الشرقية)، خاصة وأن المرحلة الاولى من سياسات الهوية هي قبول التعريف. انه، تبعًا لذلك، كتاب عن صناعة الهويات "الشرقية " في اسرائيل.

2- وقائع عملية "تطهير اليهودي العربي من عروبته"!/ أنطوان شلحت


 





الفصل الأخير من كتاب يهودا شنهاف "اليهود العرب- قومية، دين وإثنية"، والذي جاء حاملا لعنوان "الذاكرة: انقسام الخيال القومي والهوية الشرقية"، يعتبر من أهم الفصول. وفيه يقدم المؤلف ما يسميه ب"وجهة نظر شرقية" (أو "شرقوية"، كما أسلفت الإشارة) حول المجتمع الاسرائيلي وتاريخه المخصوص من خلال تفكيكه لعملية بناء الذاكرة أو تشييدها. ويستعين لمهمته هذه بمقولة للمفكر "وولتر بنيامين"، يثبتها كبادئة لهذا الفصل، من مداخلة تعريفه لمصطلح التاريخ، حيث جاء فيها (بترجمة خاصة عن العبرية): "أن تصيغ التاريخ كما لو أنه ذلك الذي انقضى لا يعني أن تقرّ به حسبما كان حقاً. يعني ذلك أن تكتنز ذاكرة وفقما لمعت في لحظة يتهددها الخطر".


 




ولغرض تقديم "وجهة النظر" المذكورة في الإطار الذي حدّده لهذا الغرض يشير شنهاف الى أنه اختار التركيز على نشاط ومنظور عمل "المنظمة العالمية لليهود المولودين في الأقطار العربية" (WOJAC)، نظرا لأن هذه المنظمة ولدت "من أجل أن تموضع الذاكرة الشرقوية في خارطة الذاكرة الجماعية الصهيونية، وليس من أجل أن تضع تلك الذاكرة (الأولى) أمام التحديات أو أن تتميز عن الذاكرة الثانية"، كما يكتب.


 




ويمهد لغوصه على عمل هذه المنظمة بمداخلة نظرية حول الذاكرة وعملية تشييدها، التي يقول بأنها ليست ملازمة للمجتمعات الحديثة فحسب ولكنها شهدت تجليات في العصور القديمة أيضاً. ويرى المؤلف أن الاشتغال على مسائل تشييد الذاكرة الجماعية تعرّض لمنعطف يصفه بأنه "دراماتيكي" في السبعينيات، ترتبًا على فاعلية الحركة الما بعد كولونيالية التي تطورت آنذاك في العالم الثالث.


 




فقد رأت هذه الحركة في الهستوريوغرافيا والذاكرة الجماعية مصدرًا لشرعنة الهيمنة الثقافية والتعريف الذاتي، وبدأت تصيغ من جديد حكايات تاريخية معيارية باسم الفئات المقموعة، المهمشة. وفي موازاة هذه الحركة تطور (في الأقطار الغربية) الفكر الما بعد حداثي الذي نفى امكانية وجود حكاية تاريخية متصلة واحدة وكفر بالحقيقة التاريخية الواحدة المطلقة وطالب بصياغة علاقة أكثر تركيبًا وإشكالية بين الذاكرة والتاريخ.


 




لكن، كيف يرتبط كل هذا مع موضوع اليهود العرب، محور كتاب شنهاف؟.



جوابًا على هذا السؤال يؤكد المؤلف ما أصبح معروفا للكثيرين غيره، من الباحثين والقراء، أن الحركة الصهيونية منذ بدايتها بلورت الذاكرة الجماعية ل "الأمة" (اليهودية) وذلك في سبيل "ترسيم حدودها وتعيين أعضائها". ولذا فقد أنتجت وأشاعت تصاوير عن الماضي تصف مصادر تلك الأمة وسيرورات تطورها على مرّ التاريخ. وقد جعلت الأيديولوجيا الصهيونية التاريخ اليهودي متحاذيًا على أساس العلاقة مع الأرض وطورت ما يسمى ب "الوعي الاقليمي"، والذي بواسطته قسمت الماضي الى فترتين رئيسيتين: الأولى- العصر القديم، وهو الزمن الذي استوطن فيه الشعب اليهودي في أرض اسرائيل قبل خراب الهيكل. والثانية- فترة الشتات، التي انقطعت خلالها الصلة مع البلاد.


 




وبينما كانت الفترة الأولى ترمز، في قراءة الصهيونية، الى مرحلة السيادة (وبالأخص فترة ملكوت دافيد وشلومو)، وهي مرحلة إيجابية كليًا يتعين تذكرها بحنين جارف في سبيل العودة اليها، ضمن أشياء أخرى، فان الفترة الثانية تعرضت للنفي (ما اصطلح على تسميته ب"نفي المنفى/ الشتات") وكان الهدف من ذلك دفع تلك الفترة الى صيرورة مطلقة من النسيان في أذهان اليهود كافة (إنما أساسًا دفعها إلى ذلك في أذهان اليهود الأوروبيين).


 




الى ذلك يضيف شنهاف أن اللقاء بين الصهيونية وبين اليهود العرب تميز منذ بدايته ( أو منذ نقطة الصفر، إذا ما استقرضنا اصطلاحاته) بتداخل المنطقين القومي والكولونيالي فيه. ومن أجل شمل اليهود العرب في "المشروع القومي" ( على المقاس الصهيوني الحصري) كان على هؤلاء المرور في سيرورة إلغاء لعروبتهم أو حسب تسمية المؤلف كان عليهم التعرّض لعملية "تطهير اليهودي العربي من عروبته".


 




صحيح أن هذا الالغاء أو التطهير جرى تبريره، من طرف الصهاينة أنفسهم، بأحاديث عن العصرنة والتقدم (بالنسبة لهؤلاء اليهود)، لكن الذي هدّد القومية الصهيونية لم يكن "تخلف" أو "تقاليد" اليهود العرب وانما عروبتهم المشدّد عليها من قبلهم هم أنفسهم، يقول شنهاف. الماضي العربي ليهود الشرق هدد بأن يمسّ وحدة صف الأمة الاسرائيلية المتجانسة ظاهريًا وأن يموّه الخط الفاصل الضروري (سياسيًا) بين اليهود والعرب. وفي هذا الشأن ردّد بن غوريون (دافيد) المقولة التالية: "نحن لا نريد بأن يكون الاسرائيليون عربًا. يتوجب علينا أن نكافح روح المشرق الذي يخرب أفرادًا ومجتمعات".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018