كتاب اسرائيلي جديد: مهاجمة دير الزور تمت بتنسيق وموافقة واشنطن

كتاب اسرائيلي جديد: مهاجمة دير الزور تمت بتنسيق وموافقة واشنطن

نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" في ملحقها، الجمعة، فصلاً من كتاب جديد للباحث الإسرائيلي ميخائيل بار زوهار، والصحافي نيسيم ميشعال، تحت عنوان "الموساد – العمليات الكبرى". وتطرق الفصل المنشور الى الغارة الاسرائيلية على موقع دير الزور في سوريا التي تصفه اسرائيل بـ"المفاعل النووي" قيّد الإنشاء، وإلى إغتيال العسكري السوري محمد سليمان، الذي كان من المقربين جداً للرئيس بشار الأسد والمشرف على المشروع في دير الزور حسب الإدعاء الإسرائيلي.

ويتزامن صدور الكتاب مع إنكشاف شبكات التجسس الإسرائيلية في لبنان، وتورط الموساد في قضية اغتيال القيادي في حركة "حماس"، محمود المبحوح، في دبي. وينضم الى سلسلة كتب صدرت مؤخراً حول تاريخ و"إنجازات الموساد"، آخرها كتاب للروائي الإسرائيلي رام أورين، عن عميلة الموساد في سنوات السيتين والسبعين، سيلفيا رافائيل.

ويكشف الكتاب أن العملية في دير الزور تمت بعد تعاون استخباري أميركي – اسرائيلي وطيد وبضوء أخضر من ادارة جورج بوش.

ويبدأ الفصل المنشور في الصحيفة بأنه في تموز (يوليو) من العام 207 تمكن عنصران من الموساد اقتحام غرفة موظف سوري رفيع المستوى في احد فنادق العاصمة البريطانية، لندن، لإجراء تفتيش، ليتبيّن لهما أن المهمة سهلة نسبياً، خصوصاً وأن الموظف السوري ترك حاسوبه النقال على طاولة في الغرفة، ليتمكنا من زرع برنامج تجسس في الحاسوب يمكن المخابرات الاسرائيلية من نسخ كافة محتويات الحاسوب عن بعد.

ويدعي الكتاب ان هذه المهمة كانت طرف الخيط للتأكد مما يُخطط له في دير الزور. ويروي المؤلفان ان الموساد تمكن من الحصول على مواد "لا تقدر بذهب" من الحاسوب المذكور، ومكنه لأول مرة من الحصول مخططات انشاء المفاعل النووي في دور الزور، حسب الإدعاء الإسرائيلي، اضافة الى مراسلات بين مسؤولين من كوريا الشمالية وسوريا في ما يخص التعاون في المجال النووي، وصور لمبنى من الأسمنت. وبعد التدقيق في هوية رجلين ظهرا في عدة صور، اتضحت الصورة أكثر. فالرجل الأول هو رئيس اللجنة السورية للطاقة النووية، ابراهيم عثمان، والشخص الآخر هو اسيوي من المسؤولين عن الشروع النووي في كوريا الشمالية.

وحسب الكتاب، فإن هذه المعلومات أكدت معلومات تراكمت لدى المخابرات الاسرائيلية ما بين العامين 2006 – 2007 تفيد بأن سوريا قامت بسرية تامة ببناء مفاعل نووي في منطقة دير الزور بتمويل ايراني ومساعدة من كوريا الشمالية.

ويشير الكتاب الى ان الاعتقاد السائد لدى قادة أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية لسنوات عدة أن ليس لدى سوريا طموحات نووية. لكن غرق سفينة اندورا" القادمة من كوريا الشمالية في العام 2005 أمام السواحل الإسرائيلية كانت تحمل "الاسمنت"، حسب الرواية الكورية وعمّال سوريين ومصريين زرعت لدى قادة أجهزة الإستخبارات الإسرائيلية الشك بالنوايا السورية.

ففي العام التالي احتجزت قبرص سفينة كورية شمالية ترفع علم بنما كانت متجهة الى السواحل السورية، وتحمل "مواد اسمنتية" وأجهزة رادار. وفي نهاية العام ذاته وصل الى دمشق خبراء في الطاقة النووية من ايران للإطلاع عن قرب على سيّر انشاء المفاعل في دير الزور، حسب ادعاء الاستخبارات الاسرائيلية.

ويلفت المؤلفان الى أن إسرائيل والولايات المتحدة رصدت خلال خمس سنوات أحداث وتحركات عدة لكنها لم تستطع ربطها ببعضها البعض وكشف ما يجري في شمالي شرق سوريا، في دير الزور. ويرجع المؤلفان بداية المشروع النووي السوري المزعوم الى العام 2002 عندما تعهد مسؤول ايراني خلال لقاء سري مع مسؤولين من سوريا وكوريا الشمالية توفير الدعم المالي اللازم، الذي قدّر بملياري دولار.

وبحسب المؤلفين فإن السوريين تمكنوا من اخفاء عمليات البناء في دير الزور على الرغم من أن اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية والأميركية رصدت المكان عدة مرات عبر الأقمار الإصطناعية.

لكن العامل الحاسم لدى الاستخبارات الاسرائيلية والاميركية كانت شهادة مسؤول عسكري ايراني فر الى الولايات المتحدة بعد "أنّ اختفت اثاره" في اسطنبول التركية وكان مطلعا على التعاون العسكري بين ايران وسوريا بما فيها المشروع السري في دير الزور.

ويكتب المؤلفان أنّ المخابرات الاميركية والغربية والاسرائيلية "لم تتمكن من معرفة وكشف الأنشطة الجارية في موقع (الكبر) دير الزور، إلا بعد فرار النائب السابق لوزير الدفاع الإيراني، وأحد قادة حرس الثورة الإيرانية، الجنرال علي رضا عسكري، إلى الولايات المتحدة، وكشف تفاصيل المشروع النووي المشترك لكل من سوريا وإيران وكوريا".

ويرجح الكاتبان ان عسكري نُقِل الى معسكر اميركي في المانيا في مهمة نفذتها الاستخبارات الاميركية بالتعاون مع الاستخبارات الاسرائيلية. وبعد أن قدم شهادة مفصلة عن التعاون ما بين دمشق وطهران، باشر الموساد بإعداد خطة عمل لوقف النشاط السري في دير الزور. وتأكدت للموساد المعلومات التي ادلى بها عسكري بعد أن زرعت برنامج تجسس في حاسوب المسؤول السوري في لندن.

ويدعي المؤلفان أن الموساد تمكن من تجنيد أحد العاملين في دير الزور بصورة غير مباشرة، وقام بتزويد الاستخبارات الإسرائيلية بصور أرضية عديدة للموقع. وسارع الموساد الى اطلاع الاستخبارات الاميركية على الصور الأرضية، ليقوم رئيس الوزراء انذاك، ايهود أولمرت، في حزيران (يونيو) من العام 2007 بزيارة لواشنطن للقاء الرئيس الأميركي، جورج بوش، لإطلاعه على المواد الاستخبارية حول المشروع السوري في دير الزور، وأعلمه بقراره مهاجمة المشروع، إلا ان الجواب الأميركي كان الرفض جراء الخلاف في الآراء داخل الإدارة الأميركية، على الرغم من أن بوش ورئيس مجلس الأمن القومي، ستيف هدلي، أبديا موافقتهما المبدئية على عملية عسكرية اسرائيلية لكن بعد مراجعة المعلومات مرة اخرى والتأكد منها، فيما عارضها وزير الدفاع، روبرت غيتس، ووزيرة الخارحية، كوندوليزا رايس.

وفي تموز (يوليو) من العام ذاته قامت اسرائيل برصد الموقع في دير الزور بواسطة القمر الاصطناعي "أوفيك 7" وحصلت، حسب ما ورد في الكتاب، على صور للأنشطة في الموقع، وبعد اطلاع خبراء اميركيين واسرائيليين تبيّن للاستخبارات الاسرائيلية ان سوريا تقيم مفاعلا نوويا وفق "الموديل الكوري".

زودت الحكومة الاسرائيلية الإدارة الأميركية بمعلومات تؤكد وجود خبراء من كوريا الشمالية في الموقع، اضافة الى مكالمات رصدتها الاستخبارات العسكرية بين علماء سوريين وخبراء من كوريا الشمالية. وحسب الكتاب رفضت الإدارة الاميركية اعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل لمهاجمة الموقع وطالبت بـ"أدلة قاطعة" بأن المبنى مقام لأهداف نووية.

ولتقديم ادلة قاطعة، يروي المؤلفان ان الحكومة أرسلت في آب (أغسطس) من العام ذاته فرقة من وحدة النخبة التابعة لهيئة الأركان العامة في الجيش الاسرائيلي (ساييرت متكال) بواسطة مروحيتين وقامت بأخذ عينات من تربة الموقع، تبيّن لاحقاً أنها تحوي مواد مشعة، حسب الإدعاء الإسرائيلي، وهو ما اعتبرته الإدارة الأميركية، بتشجيع من هدلي، "أدلة قاطعة" بأن المشروع في دير الزور هو مفاعل نووي. وأطلقت الإدارة الأميركية على هذا الملف أسم "البستان" ومنحت الضوء الأخضر لتل أبيب لمهاجمة الموقع في دير الزور. قررت الحكومة الإسرائيلية بعد مشاورات طالت ساعات على تحديد موعد للعملية، الخامس من أيلول (سبتمبر) 2007. ويستند المؤلفان الى تقارير نشرتها صحيفة "صانداي تايمز" تفيد بأن جنودا من وحدة "شلداغ" الاسرائيلية هبطوا في المكان يوم قبل الهجوم لتحديد الأهداف للطائرات.

ويروي المؤلفان أنه في اليوم المحدد للعملية وفي تمام الساعة 23:00 أقلعت 10 طائرات حربية من رمات دافيد تجاه البحر المتوسط. وبعد 30 دقيقة تلقى طيارو ثلاث طائرات من طراز اف-15 امراً بالعودة الى القاعدة الجوية، فيما استمرت سبع طائرات من الطراز نفسه بالتوجه صوب الحدود السورية – التركية، ومنها صوب دير الزور بعد أن دمرت الطائرات رادارا سوريا، لتصل الطائرات بعد دقائق الى الهدف – دير الزور، وتطلق عدة صواريخ أرض – جو من طراز "ماوريك" اضافة الى قنابل وزن كل واحد منها نصف طن لتدمير الموقع بالكامل.

بعد اتمام العملية، يروي المؤلفان أن أولمرت بادر الى الاتصال برئيس الوزراء التركي، رجب طيب اردوغان، وطالبه بنقل رسالة الى الرئيس السوري بأن "وجهة اسرائيل للسلام وانها غير راغبة بالحرب".

■ اغتيال الجنرال سليمان

يقول المؤلفان أنّ «صدى الطلقات الأخيرة لقصف المفاعل السوري تردّد بعد 11 شهراً (على الغارة الجوية) وفي 2 آب من عام 2008»، عندما اغتيل الجنرال محمد سليمان خلال إجازة استجمام في مدينة طرطوس السورية الساحلية.

وعن عملية الاغتيال، جاء في الكتاب أن الجنرال سليمان كان في منزله الصيفي في شاطئ طرطوس واستضاف مجموعة من معارفه الذين كانوا يسهرون معه ويجلسون حول المائدة في شرفة المنزل في تلك الليلة.

ولم يشر الكتاب إلى هوية غطاسين ـــــ قناصين كانا في البحر وعلى بعد 150 متراً من شرفة بيت سليمان، بعدما أنزلتهما سفينة على بعد كيلومترين من الشاطئ. وبعد التأكد من وجود سليمان جالساً عند المائدة، خرجا إلى الشاطئ وأطلقا النار على رأسه، وقتلاه ولاذا بالفرار وسط الجلبة في المنزل.