الصهيونية: الترانسفير والأبرتهايد (الحلقة 2) /د.محمود محارب

الصهيونية: الترانسفير والأبرتهايد (الحلقة 2) /د.محمود محارب

تهدف هذه الدراسة متابعة وتحليل مواقف قادة الحركة الصهيونية ومفكريها منذ هرتسل وحتى شارون حول ما يعرف صهيونيا "بالمشكلة الديموغرافية" وفي هذا السياق ستتابع الدراسة الحلول التي طرحها قادة ومفكرو الصهيونية لهذه "المشكلة"، والتي تمثلت في اتباع سياسة الترانسفير وتنفيذه على أرض الواقع. وستلج الدراسة إلى العوامل التي قادت شارون إلى تبني فرض نظام فصل عنصري في الأراضي الفلسطينية.

تلقف بنيامين جابوتينسكي، مؤسس وقائد التيار التصحيحي في الحركة الصهيونية-ذلك التيار الذي ناوأ التيّار العمالي وانشق عن المنظمة الصهيونية الأم وأسّس منظمة صهيونية موازية، لفترة من الزمن، وصعد إلى سدة الحكم في إسرائيل منذ العام 1977، تحت قيادة مناحيم بيغين، "تلميذ" و"خليفة" جابوتينسكي – آراء ماكس نورداو وطورها وعدل فيها.

في العام 1923، نشر جابوتينسكي مقالتين تحت عنوان "على الجدار الحديدي" و"أخلاقية الجدار الحديدي" أرسى فيهما أسس نظرية الحركة التصحيحية، وحدد وجهة نظره تجاه العلاقة مع بريطانيا، والموقف من العرب، وسياسة الإدارة الصهيونية.

اعتقد جابوتينسكي بأنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق بين الحركة الصهيونية والعرب الفلسطينيين، لا في زمنه ولا في المستقبل المنظور، بالنسبة إلى جيله، وذلك بسبب طبيعة الانسان ودروس التاريخ. فلم يحدث في التاريخ البشري أن وافق سكان أصليون بمحض ارادتهم على قبول مستوطنين من الخارج وتنازلوا لهم عن السيادة في وطنهم. وأكد أن هذا المبدأ ينطبق على العرب الفلسطينيين الذين يدركون أهداف الصهيونية، ومخاطرها عليهم، ويعارضونها، ويقاومون مظاهرها الأولية، في فلسطين(8).

وسخر من أولئك الصهيونيين الذين اشترطوا تحقيق الصهيونية بالتوصل إلى اتفاق مع العرب، وناشدهم الإقرار باستحالة الحصول على ذلك الشرط، وإلا فعليهم التنازل عن الصهيونية. وطرح فكرته بحدّة أكثر، عندما أكد أن على الاستيطان الصهيوني إما التوقف، أو الاستمرار به دون لفت الانتباه إلى موقف المواطنين الأصليين. ووصل إلى بيت القصيد بتأكيده أن "بامكان الاستيطان التطور تحت حماية قوة غير مرتبطة بالسكان المحليين، خلف جدار حديدي، لا يمكن للسكان المحليين اختراقه" (9). وقد قصد جابوتينسكي بـ "الجدار الحديدي" القوة العسكرية اليهودية الرسمية.

لقد اشترط جابوتينسكي تحيق الأهداف الصهيونية وانشاء دولة يهودية في فلسطين وجوارها بتأسيس قوة عسكرية يهودية رسمية تقوم بفرض المشروع الصهيوني على العرب. وأكد أن هدف الصهيونية كان، وسيبقى، تشكيل أغلبية يهودية في "أرض – إسرائيل". ومن أجل تحقيق هذا الهدف، دعا جابوتينسكي إلى تعزيز التحالف مع بريطانيا واقامة "الجدار الحديدي"، الذي سيوفر الحماية لاستقبال خمسين ألف مهاجر يهودي سنوياً خلال ثلاثين عاماً، بدءاً من أواسط العشرينيات. وعرض منح العرب الفلسطينيين حكماً ذاتياً، بعد أن يصبح اليهود أغلبية ويقيموا الدولة اليهودية (10).

على أثر اندلاع ثورة 1936، واشتداد حدّتها، بادرت الحكومة البريطانية إلى تشكيل لجنة تحقيق ملكية لتقصي الأوضاع في فلسطين، أطلق عليها "لجنة بيل" باسم رئيسها اللورد بيل.

وقد أوصت اللجنة، في تقريرها الذي قدمته إلى الحكومة البريطانية، والذي صادقت عليه الأخيرة في تموز ( يوليو ) 1937، بتقسيم فلسطين إلى دولتين ، يهودية وتضم حوالي 20 بالمئة من مساحة فلسطين ، وعربية تقام على المساحة المتبقية من فلسطين ومنطقة شرق الأردن. وعلى الرغم من أن توصيات لجنة بيل كان مصيرها الفشل كلاحقاتها من اللجان، إلا أنها، في الوقت عينه، احتلّت أهميّة خاصة، لأنها أضفت شرعية على ثلاث قضايا أساسية:

أولاً: مطالبتها بانشاء دولة يهودية في فلسطين، الأمر الذي لم تتجرأ الحركة الصهيونية على المطالبة به رسمياً، وإن كانت تدعو إلى انشاء "وطن قومي يهودي" في فلسطين.

ثانياً: ربطها مصير المناطق الفلسطينية الواقعة خارج حدود الدولة اليهودية المقترحة بشرق الأردن.

ثالثاً: مطالبتها بـ "تبادل سكان" بين الدولة اليهودية والدولة العربية.

ذكرت لجنة بيل أن هناك داخل المساحة التي خصصتها للدولة اليهودية أكثر من 225 ألف عربي، بينما يوجد داخل الدولة العربية المقترحة 1250 يهودياً. واعتبرت اللجنة أن وجود هذا العدد من العرب داخل المساحة المخصصة للدولة اليهودية من شأنه أن يعرقل إنشاء الدولة اليهودية، وبالتالي يفشل التقسيم. واقترحت اللجنة حلاً لإنجاح التقسيم تمثّل في أن تُطرد غالبية العرب بالقوة تحت غطاء "تبادل السكان".

أثارت توصيات لجنة بيل نقاشاً حادّاً بين القادة الصهيونيين. واتسمت ردود الفعل الصهيونية الأولية بمعارضة شديدة، لأن توصيات اللجنة قسمت "أرض – إسرائيل" ومنحت اليهود "جزءاً صغيراً" منها فقط. غير أن هذه المعارضة أخذت تتضاءل وتخفت، رويداً رويداً، وتتحول إلى تأييد متحفظ أمام حقيقة توصية اللجنة بطرد العرب الفلسطينيين من الدولة اليهودية المقترحة.

ويمكن ملاحظة التحول في الموقف الصهيوني عبر متابعة موقف زعيم التيار العمالي الصهيوني دافيد بن – غوريون. ففي البداية، تشدّد بن – غوريون في رفضه لتوصيات لجنة بيل، ونعتها بشتى النعوت السلبية. غير أن موقفه هذا أخذ يتغير ويتحول من الرفض القاطع إلى القبول المتحفظ.

ويعود هذا التحول في موقفه إلى اعتقاده بأنه إذا ما مارس الصهيونيون ضغوطاً على الحكومة البريطانية لتنفيذ الطرد، فإنه لن تكون هناك عراقيل تذكر أمام إقامة الدولة اليهودية.

وقد أولى بن – غوريون أهمّية قصوى لتوصية اللجنة بطرد الفلسطينيين، وأكد أن على الحركة الصهيونية "التمسك بالتوصية كما كنا تمسّكنا بوعد بلفور، بل كما هو تمسّكنا بالصهيونية ذاتها. يتوجب علينا التمسك بهذه التوصية بأقصى قوتنا وارادتنا وامانينا، لأن في هذه التوصية، من مجمل التوصيات، تعويضاً ما عن سلخ بقية أجزاء البلاد... إن بند الترحيل، حسب اعتقادي، أهم من جميع مطالبنا لزيادة المساحة... وإذا لم يكن بامكاننا اخراج العرب من بين ظهرانينا الآن ونقلهم إلى مناطق عربية، الأمر الذي تقترحه لجنة ملكية بريطانية، فإنه لن يكون بمقدورنا القيام بذلك بسهولة (هذا إذا أمكننا القيام بذلك أصلاً) بعد إنشاء الدولة، عندما يكون كل العالم المعادي لنا ينظر إلينا بسبع عيون، لمراقبة تصرّفنا نحن تجاه أقليتنا" (11).

شارك بيرل كتسنلسون، منظّر اليسار الصهيوني الذي يلصق به أنصاره صفات أخلاقية ومواقف مبدئية، بن – غوريون الرأي في موقفه من الطرد. ففي خضم النقاش حول توصيات لجنة بيل، ذكر كتسنلسون، في اجتماع اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية، أن "مسألة الترحيل أثارت نقاشاً حادّاً لدينا – هل هو مسموح أم ممنوع [؟] ضميري مرتاح جداً. جار بعيد خير من عدو قريب. هم لن يخسروا عند نقلهم ، ونحن ، بالتأكيد ، لن نخسر. فإن هذا الأمر يعتبر، في نهاية المطاف، إصلاحاً سياسياً استيطانياً، لصالح الطرفين. كنت اعتقدت بأن هذا أفضل الحلول، وخلال أيام الشغب تيقنت أن هذا الأمر يتوجّب أن يأتي في يوم من الأيام. ولكن ، لم يدر بخلدي أن النقل إلى خارج ’أرض – إسرائيل’ يعني النقل إلى جوار نابلس. آمنت ، وما زلت أؤمن، بأنهم سينقلون، في المستقبل، إلى سوريا والعراق"(12).
مع اقتراب الصراع الفلسطيني الصهيوني من ذروته، تشكّل، في نهاية الثلاثينات، اجماع "قومي" بين الأحزاب الصهيونية في فلسطين على طرد الشعب الفلسطيني إلى الدول العربية، خاصة إلى سوريا والعراق.

وقد تزعّم هذا الاجماع حزب مباي الذي قاد الحركة الصهيونية، ومن ثمّ إسرائيل، منذ العام 1933 إلى العام 1977، والذي كان يضمّ في صفوفه، في الثلاثينيات، حزب احدوت هعفودا الأكثر تشدداً في موقفه تجاه العرب، والذي انشق عن مباي ليتّحد مع مبام في الأربعينيات، ثمّ لينشق عنه ويستقل بنفسه منذ بداية الخمسينيات، إلى أن اتحد مع حزب مباي ثانية العام 1965.

لم يستثن هذا الاجماع في صفوف التيار العمالي الصهيوني حزب مبام الذي كان يطلق عليه هشومير هتسعير (الحارس الفتى) في تلك الفترة ، والذي كان يتغنى بالأخوّة العربية – اليهودية، ويرفع شعار اقامة الدولة ثنائية القومية للعرب واليهود.

ويسستشفّ ذلك من موقف اهرون تسيزلينغ، أحد قادة الحزب، الذي أكد: "أنني لا أنفي حقّنا الأخلاقي في طرح اقتراح تبادل السكان. ليس هناك أي مسّ أخلاقي بهذا الاقتراح الهادف إلى تركيز وتطوير حياة قومية... إن هذا قد يحدث في ظل نظام عالمي جديد".

وأشار إلى أن مسألة تبادل السكان غير عملية في تلك الظروف، لكنه أكد أنه، على المدى البعيد، "من المنطق تبادل سكان بين أرض – إسرائيل، من ناحية، والعراق ودول عربية أخرى، من ناحية أخرى، بواسطة نقل يهود تلك الدول إلى أرض – إسرائيل" (13).

وعلاوة على تيّار الأحزاب العمّالية الصهيونية، أيّد الطرد قادة حزب "الصهيونيين العموميين"، بزعامة حاييم وايزمان، أول رئيس لإسرائيل، الذين هدفوا إلى "تحويل فلسطين إلى دولة يهودية نقية تماماً كما هي انجلترا انجليزية".

كذلك طالبت منظمة "ليحي" (المحاربون من أجل حرّية إسرائيل)، والتي عرفت بعصابة "شتيرن"، بطرد الفلسطينيين. ففي البند الرابع عشر من مبادئ ليحي الأساسية، والتي صاغها مؤسسها ومنظّرها ابراهام شتيرن – الذي خلفته قيادة ثلاثية بعد مصرعه، كان أبرزهم اسحق شامير – جاء نص واضح يؤكد أن "حل مشكلة الغرباء يتّم عبر تبادل السكان"(14).

وبانتهاء عقد الثلاثينيات، تشكل اجماع صهيوني ينادي بالطرد، بانضمام جابوتينسكي إلى الداعين إليه، في رسالة بعث بها عشية موته إلى أحد أعوانه في فلسطين (15). وفي هذه الظروف، ظهر بعض النشطاء المستقلين الذين أدلوا بوجهة نظرهم الخاصة في هذه المسألة . وكان أبرزهم د. ابراهام شارون صاحب نظرية "الصهيونية الشرسة"، الذي دعا إلى طرد العرب نهائياً إلى العراق، "بحيث لا يبقى في دولتنا سوى عدد ضئيل جداً من الأفراد والنوعيّات الذين يستحيل نقلهم بأية وسيلة" (16).



(8) غورني، مصدر سبق ذكره، ص 229.
(9) المصدر نفسه.
(10) المصدر نفسه، ص 236- 237.
(11) دافيد بن- غوريون، مذكرات (عبري). المجلد الرابع، تل- ابيب: عام عوفيد. 1974، ص 299- 298.
(12) بيرل كتسنلسون، المؤلفات (عبري)، المجلد 12، تل- ابيب: حزب عمّال "ارض- اسرائيل"، 1962، ص 361.
(13) غورني، مصدر سبق ذكره، ص 365- 366.
(14) لجنة نشر كتابات ليحي (جمع وتحرير)، وثائق المحاربين من اجل حرية اسرائيل (عبري)، المجلد الاول، تل- ابيب: لجنة نشر كتابات ليحي، 1959، ص 27.
(15) يوسي ملمان ودانيئيل رفيف، هذا تاريخ الترانسفير، ملحق دافار، 19/2/1988.
(16) ابراهام شارون، "ملاحظات ليست في صلب الموضوع"، هآرتس، 23/8/1927.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018