تقرير: كرايسكي لم يحذر إسرائيل من الحرب عام 1973 بعد أن أبلغه إسماعيل فهمي..

تقرير: كرايسكي لم يحذر إسرائيل من الحرب عام  1973 بعد أن أبلغه إسماعيل فهمي..

كشف توم سيغيف في ملحق صحيفة "هآرتس" عن العلاقة بين رئيسي حكومتين يهوديين: غولدا مئير، وبرونو كرايسكي. فالأولى اعتبرت الثاني كمن خان شعبه، في حين اعتبر كرايسكي أن الأولى تحاول أن تفرض عليه ما لا يرغبه، وتسعى إلى دهورة الشرق الأوسط إلى الحرب. ويأتي هذا الكشف في أعقاب فتح البروتوكول الأكثر سرية المحفوظ في أرشيف الدولة.

ويشير التقرير إلى الفجوة الكبيرة التي كانت تفصل بين الإسرائيليين واليهود، بالإعتماد على مسألتين، الأولى ما أشارت إليه رئيسة الحكومة الإسرائيلية في حينه، غولدا مئير، في مذكراتها التي تقتبس فيها قول كرايسكي بـ"أنها وهو ينتميان إلى عالمين مختلفين"، وهو الأمر الذي رفضت تقبله، من باب أنه لا يوجد لأي يهودي الحق في الإنتماء إلى عالم آخر غير عالمها. رغم أن كرايسكي كان له دور كبير في هجرة يهود من أوروبا الشرقية إلى إسرائيل!

أما المسألة الثانية التي يشير إليها البروتوكول، فهي عدم قيام كرايسكي بتحذير إسرائيل من حرب 1973، بعد أن أبلغه بذلك مبعوث خاص من قبل الرئيس أنور السادات، وهو إسماعيل فهمي، الذي أصبح فيما بعد وزيراً للخارجية!!


ويبدأ التقرير بالعملية التي وقعت في الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر 1973، حيث هاجم فدائيان فلسطينيان قطاراً للمسافرين كان في طريقه من بارتسلافيا إلى فيينا. وكانا مسلحين ببنادق "كلاشينكوف". وتمكنا من السيطرة على القطار أثناء توقفه في الجانب النمساوي من الحدود مع سلوفاكيا. وهدد الفدائيان بقتل 5 يهود من روسيا كانوا في طريقهم إلى مطار فيينا، إذا لم توقف النمسا هجرة اليهود من روسيا، ولم تغلق المعسكر الذي أقامته الوكالة اليهودية بالقرب من فيينا لترتيب هجرة اليهود.

وبحسبه فقد قام كرايسكي، بعد إجراء مفاوضات، بإغلاق المعسكر وأطلق سراح الرهائن، في حين غادر الفدائيان النمسا إلى ليبيا.

واتهمت رئيسة الحكومة الإسرائيلية، غولدا مئير، في حينه، كرايسكي بتشجيع الإرهاب. وسافرت إلى فيينا من أجل إعادة فتح المعسكر. واستمرت المحادثات لمدة ساعة و خمس وأربعين دقيقة، قالت مئير في نهايتها:" لم يعرض علي حتى كوباً من الماء"!

وفي الإجتماع المذكور، الذي كان يفترض أن يكون رسمياً، تحدث كرايسكي باللغة الألمانية، وانتقل فوراً إلى ملاحظة شخصية تتعلق باتهامه بخيانة شعبه، الشعب اليهودي. حيث قال إنه لم يكن يوماً صهيونياً، ولم يكن متديناً، ولكنه لم ينكر يهوديته.

وهنا يقول سيغيف:" هناك كثيرون مثله، لا يرون في إسرائيل موطنهم. فهو نمساوي، يشعر بذاته نمساوياً، وكذلك عائلته. ولكن ذلك لم يمنعه من الإعتراف بـما تعنيه دولة إسرائيل بالنسبة لليهود الذين يغادرون أوطانهم".

ويشير التقرير إلى دوره في استجلاب ما يقارب 164 ألف يهودي من دول أوروبا الشرقية إلى إٍسرائيل.

وبحسب أقواله فقد اعتقد أن هجرة اليهود من الإتحاد السوفييتي كانت ضرورية لأنها كانت الطريقة الوحيدة للهروب من الاستبداد. ويعتقد أن جلبهم إلى إسرائيل سيضفي عليها قوة بشرية ضرورية ممن لا ينتمون إلى "العرق القوي"، في إشارة إلى أنه ليسوا من "الأشكناز".

وبحسب كرايسكي فإن الدول العربية تحتج لديه على كل يهودي يستوطن في إسرائيل، وأن هجرة اليهود من الإتحاد السوفييتي تقلقهم أكثر من هجرة يهود الجزائر وتونس.

كان كرايسكي يعرف أنهم في إسرائيل يفكرون بشكل مغاير. وبالنسبة له فقد منع سفك دماء، ولذلك لا يتفق مع "السياسية التي تتبعها إسرائيل في الحرب على الإرهاب"، ولذلك فهو يقترح عدم مناقشة ذلك، لكونه "سيؤدي فقط إلى نقاش لا ينتهي"، وهو السبب الذي جاءت غولدا مئير من أجله.

وبحسب البروتوكول الذي تم الكشف عنه، فقد تحدثت مئير إلى كرايسكي كمن ينوي القضاء على إسرائيل، وحاولت إقناعه بأنه ما كان يجب عليه أن يخضع لـ"الإرهابيين":

* مئير:" لا يمكن محاربة الإرهاب من خلال منح انتصار للإرهابيين. كل انتصار يشجعهم. والدليل أن العرب قد خضعوا حتى الآن. العرب ليسوا كاليابانيين، فهم لا ينتحرون"..
** كرايسكي:" هذا ليس ادعاءاً علمياً، وإنما مسألة نفسية تخضع للنقاش".
* مئير:" من الممكن أن يكون هناك من يستطيع العيش مع الإرهاب بدون محاربته، أما نحن فلا نستطيع"..
** كرايسكي:" الحرب على الإرهاب لن تحل مشكلة الإرهاب"..
* مئير:" لا أعرف طريقة أخرى"..
.....

وينتهي البروتوكول بأن المعسكر تم إغلاقه فعلاً، ولكن المحادثة تلخصت بأن "يواصل يهود الإتحاد السوفييتي الهجرة إلى إسرائيل عن طريق النمسا". ووافقت إسرائيل على تقليص مكوث اليهود في النمسا، وإبقاء المسألة بعيداً عن الإعلام. كما التزمت بعدم استخدام النعت "نازيين" تجاه النمساويين.

ويشير تقرير "هآرتس" إلى أن مئير قد أكدت في مذكراتها على أن النمسا عملت من أجل جلب اليهود من أوروبا الشرقية. إلا أنها أشارت بشكل بارز إلى جملة كرايسكي " أنت وأنا ننتمي إلى عالمين مختلفين"، وبحسب مئير فإن كرايسكي، كيهودي، ليس لديه الحق في الإنتماء إلى عالم آخر غير عالمها.

وبعد أيام معدودة من الهجوم على القطار، قدم إلى النمسا إسماعيل فهمي، وزير الخارجية المصرية لاحقاً، كمبعوث خاص من قبل الرئيس المصري، أنور السادات.

وهنا يشير تقرير آخر سمح بنشره، وهو تقرير سفير إسرائيل في النمسا في حينه، يتسحاك فيطش، الذي يقتبس كلمات كرايسكي له:" لقد قال لي فهمي أنه لا مناص، ستقع الحرب".. لم يشأ كرايسكي أن يصدق، وسأل إذا ما كان المصريون قد يئسوا من كل شيء. وعندها كرر فهمي قوله بأن الحرب ستقع قبل نهاية عام 1973، لأن أحداً لن يرضى بالوضع القائم في أعقاب هزيمة 1967 التي يتوجب محوها".

وبعد أيام من زيارة إسماعيل فهمي، تندلع الحرب (1973). وهنا يقول السفير فيطش:" لقد اعتذر كرايسكي لي لأنه لم يبلغني بأقوال فهمي، وذلك لكونه لم يأخذ أقواله بجدية، أولاً، وثانياً لأنه كان منشغلاً بالإنتخابات".

ويتابع التقرير أن وزارة الخارجية الإسرائيلية قد فوجئت بهذه المعلومات. وفي حينه كتب المدير العام لوزارة الخارجية، يوحانان مروز:" هذا الرجل (كرايسكي) كان يعرف بالهجوم العربي الذي كان على وشك الوقوع، ولم يجد من الصواب أن يحذرنا".

ومن جهته، فإن كرايسكي يؤكد في مذكراته بأنه لم يذوّت فوراً مغزى الكلمات التي سمعها من فهمي. ولم يتحدث في الموضوع مع أحد سوى مع مساعده، هانس تالبيرغ، في السيارة. وفي الغداة نشبت الحرب.

ويكتب "تالبيرغ" في مذكراته أيضاً، بأن المحادثة بين كرايسكي وفهمي كانت قبل الحرب بثلاثة أيام، تكفي لتحذير إسرائيل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018