إخفاق إستخباري: الخليلي"العميل المزدوج" رفض أن يخون مصر..كتب: هاشم حمدان

إخفاق إستخباري: الخليلي"العميل المزدوج" رفض أن يخون مصر..كتب: هاشم حمدان

مع اقتراب الذكرى الثالثة والثلاثين لحرب أوكتوبر، نشرت "يديعوت أحرونوت" تقريراً أعده رون بن يشاي، يتناول تفاصيل تنشر للمرة الأولى في الإعلام الإسرائيلي، حول نشاط أحد سكان مدينة العريش في سيناء، في مقاومة الإحتلال الإسرائيلي، عبد الحميد الخليلي، وذلك من خلال عمله مع الإستخبارات المصرية.

ويتجند بن يشاي إلى جانب الشاباك في الدفاع عن رواية الشاباك للقصة، بزعم أنها "خديعة ساعدت الجيش الإسرائيلي في الحرب"، رغم أنه يقر بفشل الإستخبارات الإسرائيلية في تجنيد الخليلي لصالحها، بل يؤكد أن الأخير كان "عميلاً مزودجاً"، إلا أن عمله كان لصالح وطنه مصر، رافضاً للعروض الإسرائيلية والإغراءات المالية للإحتلال.

........

في مساء اليوم الثاني للحرب، وبينما كان الجنود يقاتلون في محاولة يائسة لصد الجيش المصري المندفع نحو سيناء، التقطت وحدة التنصت التابعة للاستخبارات العسكرية رسالة "موريس" مشفرة، وتبين أنها تبث من العريش شمال سيناء. هذه الحقيقة استنفرت عناصر الإستخبارات، لكون الموقع يتيح متابعة الإمدادات التي يدفع بها الجيش عن طريق شارع الشاطئ للجنود المستنزفين في عمق سيناء والمعاقل التي أقيمت قرب قناة السويس.

وأدركت إسرائيل أن "جاسوساً" يقف وراء إشارات موريس، ويرسل من خلالها التقارير لمصر في الوقت الحقيقي حول استعدادات الجيش الإسرائيلي لمواصلة الحرب، الأمر الذي يمكن من شل محاور الإمدادات الحيوية. وهنا بدأت معركة "أدمغة" بين شعبة الإستخبارات في الجيش وجهاز الأمن العام (الشاباك) من جهة، وبين استخبارات الجيش المصري.

هذه القصة حافظ عليها سراً رجل الشاباك، يهودا ليهود، مدة 33 عاماً...

بدأ ليهود عمله في الشاباك في قطاع غزة، حيث اعتاد المقاومون الفلسطينيون إلقاء القنابل اليدوية على السيارات الإسرائيلية التي كانت تسير في الشارع الرئيسي للقطاع في طريقها إلى أسواق غزة ومعسكرات الجيش في شمال سيناء. وفي حينه مُنح عناصر الشاباك حرية في العمل لم يسبق لها مثيل، وذلك من أجل وقف تهريب القنابل من سيناء إلى قطاع غزة. وتمكن ليهود من تجنيد أكثر من 50 "مصدر معلومات" خلال شهور معدودة، تزوده بالتقارير عن "مهربي القنابل". وبعد سنة تمكن من القبض على أكبر "المهربين". وفي العام 1972 تم نقله إلى العريش بعد هدوء ساد قطاع غزة.

وفي تلك السنة بدأت تظهر في العريش مناشير موقعة بإسم "أبناء سيناء الأحرار"( الإسم مترجم عن العبرية)، تدعو السكان إلى مقاومة الإحتلال الإسرائيلي.

تقع العريش على مفترق طرق حيوي تتفرع منه الطرق إلى شمال ومركز سيناء. والأهم من بينها هو شارع الشاطئ الذي يربط بين غزة وقناة السويس ومن هناك حتى القاهرة. وعن طريق هذا الشارع، بالإضافة إلى خط سكة الحديد الموازي له، كان يتم نقل الإمدادات للجيش الإسرائيلي على ضفة قناة السويس. وهو نفس المسار الذي خطط الجيش لنقل قوات بواسطته إلى القناة في حالة نشوب حرب.

حتى العام 1972 كانت الإستخبارات العسكرية هي المسؤولة عن النشاطات العملياتية في سيناء. وعمل عناصر الوحدة 154 (اليوم تسمى الوحدة 504) على إحباط العمليات في سيناء. إلا أنه وعندما تواصلت الهجمات على المركبات الإسرائيلية في الطريق المؤدي من العريش إلى القناة، قام الجيش بإدخال عناصر الشاباك إلى الصورة، وذلك حتى لا يضطر إلى فتح محاور جديدة طويلة لنقل الإمدادات العسكرية.

في ذلك الوقت كان يعيش في العريش ما يقارب 30 ألف نسمة، غالبيتهم مصريون، وعدد قليل من الفلسطينيين. وكان من بينهم آلاف من الموظفين المصريين الذين تلقوا رواتب مزدوجة، سواء من الحكم العسكري الإسرائيلي أو من مصر التي واصلت دفع رواتبهم حتى بعد احتلال سيناء في العام 1967. وبموجب المعلومات التي كانت لدى الحكم العسكري والشرطة، تم إعداد قائمة تشمل عشرات المصادر التي من المحتمل أنها على علم بما يحدث في العريش، وربما سيكون لهم مصلحة في التعاون مع الإحتلال.

وبدأ ليهود المكنى "أبو عمير" باستدعاء الموظفين إلى مكتبه، في حين التقى بآخرين بالصدفة في المدينة. وتحدث معهم طويلاً عن حياتهم وعملهم وأقاربهم في مصر، وعن آخرين كانوا ضمن القائمة. وبعد أشهر معدودة بدأت جهوده تثمر عن نتائج، مما أتاح للشاباك والجيش البدء بحملة لملاحقة "أبناء سيناء الأحرار".

أدى اعتقال معلم مصري، قام بصياغة مناشير "أبناء سيناء الأحرار"، إلى القضاء على التنظيم. وتم اعتقال عدد كبير من كبار المسؤولين في التنظيم، والذين كانوا يتلقون التوجيهات من الإستخبارات العسكرية المصرية، في حين هرب بعضهم إلى داخل مصر. بعد ذلك لم تقع أية عمليات في العريش حتى نشوب الحرب.

بعد أن خسرت الإستخبارات المصرية هذه الجولة، في الموقع الأهم في سيناء، بدأت بتفعيل عملاء وبناء شبكات إستخبارية من جديد في سيناء تحت إشراف الشعبة الخاصة المسماة "المكتب الخاص". وكان المسؤول عن منطقة العريش في الإستخبارات المصرية أحمد اليماني ومحمد سليمان.

يقع الذراع المتقدم للمكتب الخاص في القنطرة، الواقعة على ضفة قناة السويس في منتصف الطريق بين العريش والقاهرة. وفي هذه المدينة كان المعبر الخاص الذي يتنقل من خلاله السكان من سيناء إلى مصر في الاتجاهين. وفي حينه عمل الصليب الأحمر على منح التصاريح بالتنسيق مع السلطات المصرية والإسرائيلية.
وقام عناصر المكتب الخاص بالتحقيق مع كل من يدخل من سيناء أو يعود إليها. وكان ليهود أيضاً يقوم باستدعاء جميع العائدين من مصر إلى مكتبه للتحقيق معهم.

في حزيران/يونيو من العام 1972 علم أنه مستهدف من قبل الإستخبارات المصرية. حيث تبين له أن المحققين المصريين في القنطرة والقاهرة طلبوا المزيد من التفاصيل عن "أبو عمير": أين يسكن وأين يأكل وأين يشرب القهوة وكيف يحدد اللقاءات وبماذا يهتم عندما يتحدث مع سكان العريش. الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ جانب الحذر، فدأب على تغيير سيارته في أوقات متقاربة، وكان يسافر بسيارات تحمل لوحة تشخيص مصرية، ويخرج إلى لقاءاته بمعية الحراس.

قبل الحرب بسنة ونصف، لاحظ ليهود أن نشاط الإستخبارات المصرية في سيناء في تصاعد مستمر. وفي حديثه مع "مصادره" تبين له أن المصريين ليسوا على استعداد لتقبل خسارة سيناء، وأنهم يبحثون عن طريقة للرد على هزيمة 67. ولدى قيام الشاباك بفحص إذا ما كانت الشبكات التي أنشأتها الإستخبارات المصرية قادرة على تنفيذ عمليات، تبين لهم أنه بإمكان هذه الشبكات تعريض عملية الإمداد للخطر أثناء الحرب.

وقرر ليهود كشف خطط الإستخبارات المصرية، عن طريق أحد مصادره الإستخبارية، سعد جلبانة، الذي كان بإمكانه أن يقوده إلى رئيس القسم في القاهرة. جلبانة كان من سكان العريش والمقرب من سالم اليماني شقيق أحمد اليماني. وفي المقابل وصلت ليهود معلومات عن عبد الحميد عبد الله الخليلي، صديق جلبانة وأحد القوميين الناشطين في العريش. علاوة على ذلك، كان الخليلي قريباً لعائلة أحد أعضاء مجلس الشعب المصري، وقريباً لأحد كبار المسؤولين في المخابرات العامة في القاهرة.

يقول ليهود إنه بعد أن أجرى ثلاثة جولات من "المحادثات" في مكتبه مع الخليلي، تبين له أن الأخير على استعداد للتعاون، وأنه بإمكانه أن يكون أكثر من مجرد "مصدر"، حيث كان يتصف بـ"الشخصية القوية والقيادية، والاستيعاب السريع وحبه للمال".

وألقى ليهود عدداً من المهمات على الخليلي، كاختبار له، ولما اجتاز الإختبار قرر وقف لقاءاته العلنية معه، وتحويلها إلى سرية. وفي تقارير ليهود منح الخليلي الرقم 649، في حين منح سعد جلبانة الرقم 648. وبدأت اللقاءات معهما بسرية تامة. وفي كل مرة أراد لقاء أحدهما، كان يكتب عددين على شكل "كسر رياضي"، بحيث يكون "البسط" (العدد العلوي) تاريخ اللقاء، في حين يمثل "المقام" (العدد السفلي) ساعة اللقاء.
وفي حزيران/يونيو من العام 1972، قرر ليهود أن 648، و649 مؤهلان لتنفيذ المهمة الخطيرة، وهي اختراق الشعبة الخاصة للمخابرات العسكرية في القاهرة بهدف فحص إذا ما كان المصريون يخططون للحرب. وكان ليهود يدرك أن هذه المسألة ليست من ضمن اختصاصه، فتفعيل العملاء في الدول المجاورة عن طريق الحدود المشتركة كان من ضمن اختصاص الوحدة 154 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. وحتى الموساد قام بتفعيل عملاء في تلك الدول، ولكن نشاطات "ضباط جمع المعلومات" كانت تتم عن طريق دولة ثالثة. ورغم ذلك قرر ليهود اللعب في ملعب "التجسس" وزرع جواسيسه في جبهة "العدو".

في نهاية حزيران/يونيو 1972، عرض ليهود خطته: الخليلي وجلبانة يذهبان في زيارة إلى أقاربهما، وتكون مهمتهما الحقيقية التجند للشعبة الخاصة في للمخابرات العسكرية المصرية. واعتقد أن صداقة جلبانة مع شقيق اليماني، والعلاقة العائلية للخليلي مع عضو مجلس الشعب، ومع ضابط المخابرات المصرية، كل ذلك سيؤدي إلى قيام الشعبة الخاصة للمخابرات بتوكيلهما بـ"التجسس" في العريش.

وبحسب ليهود، ففي حال ابتلع المصريون الطعم، سيقوم اليماني بتأهيلهما كعملاء ويزودهما بجهاز اتصال. وعندما يعودا إلى العريش سوف يرويان للشاباك طرق عمل وأهداف المخابرات المصرية في سيناء، وربما سيقومان بتسليم الشاباك جهاز الإتصال، وطرق التشفير وقائمة العملاء في سيناء الذي يفترض أن يقوما بالاتصال بهم.

وعندما ادعى المسؤول عن ليهود أنه لا يمكن معرفة حقيقة نوايا الخليلي وجلبانة، وأنه من الممكن أن يعملا لصالح الإستخبارات المصرية، قال ليهود أن شبكة العملاء التي نشرها في العريش ستتيح له مراقبتهما عن كثب والتأكد من عدم تضليلهما للشاباك.

كما عرض ليهود الفكرة على رئيس شعبة العمليات في المنطقة الجنوبية التابعة للشاباك، نحمان طال، كما تم إشراك رئيس الشاباك نفسه. وبعد طول تردد، تمت الموافقة على الخطة بثلاثة شروط، أولها أن يقوم واحد فقط من الإثنين بزيارة القاهرة، خشية أن يقوم الثاني بالتبليغ عنه، وثانيها أن يقوم ليهود بترتيب عملية مراقبة متواصلة للعميل بعد عودته من القاهرة، والشرط الثالث هو إشراك الوحدة 154 في العملية.

ووقع اختيار ليهود على الخليلي (649). وكان على قناعة بأن الإستخبارات المصرية سوف تنتبه إلى شخصيته القيادية، وأن نشاطه القومي السابق سيجعله المثالي في نظرهم لإقامة شبكة استخبارات في سيناء. إلا أنه لم يكن من السهل إقناع 649 بقبول المهمة التي ستعرض حياته للخطر. إلا أنه وافق أخيراً، ومنح لقب "منمن" (رؤوس أقلام عن العبرية "استخبارات ضد استخبارات").

في الثالث من كانون ثاني/يناير 1973، وقبل 10 شهور من الحرب، قدم الخليلي طلباً للصليب الأحمر لزيارة مصر، وتقرر أن تكون مدة الزيارة شهرين.

مر شهران على سفر "منمن" ولم يجر أي اتصال مع مشغليه. وأبلغ جلبانة، الذي كان على علم بالمهمة، ليهود بأن الخليلي اتصل بزوجته وأبلغها أن الصليب الأحمر لم يصادق على عبوره القناة عائداً إلى العريش. وعلى الفور قام ليهود بفحص الموضوع وتبين أن "منمن" لم يقدم أي طلب للصليب الأحمر للعودة إلى العريش، الأمر الذي دفعه إلى الإعتقاد بأن الكولونيل اليماني بلع الطعم ويقوم على تدريب "منمن" كعميل للاستخبارات المصرية.
في نهاية حزيران/يونيو، أي بعد ستة شهور، عبر "منمن" القناة عائداً إلى العريش. وقص على ليهود أنه سكن في البداية مع شقيقه في بورسعيد، وسافر من هناك عدة مرات إلى القاهرة، ليقابل عدداً من أصدقائه، ومن بينهم عضو مجلس الشعب وضابط الإستخبارات (المباحث). وبعد أسبوعين تم استدعاؤه إلى مقابلة في القاهرة مع أحمد إبراهيم من "المكتب الخاص". وبعد عدة أيام استدعي للقاء آخر، ولكن هذه المرة مع أحمد اليماني في مكتبه.

وروى الخليلي لليماني أن "أبو عمير" استدعاه عدة مرات للتحقيق معه بسبب نشاطه في العريش، إلا أنه تركه وشأنه في النهاية. وبعد أربعة شهور من وصول "منمن" إلى مصر، عرضت عليه الإستخبارات المصرية العمل معها في منطقة العريش، تماماً مثلما توقع ليهود. وطلب منه تنظيم شبكة من المراقبين لرصد تحركات الجيش الإسرائيلي في شمال ووسط سيناء. كما طلب منه نقل المعلومات عن طريق عناصر من الصليب الأحمر، أو عن طريق مسافرين من العريش إلى مصر. وعلى كل مغلف (معلومات) كان عليه أن يكتب "يسلم إلى الشيخ عبد الحميد".

وعندما سأله ليهود إذا ما كان قد حصل على جهاز اتصال، أجاب "منمن" بالنفي. وقال إنه خضع لتدريبات أساسية فقط، مثل الرصد وتشخيص الوحدات الإسرائيلية وأنواع المركبات والدبابات والمدافع والصواريخ. وبحسب الخليلي (منمن) فقد قيل له إنه سيتم استدعاؤه مرة أخرى لتلقي تدريبات وأموال ومهمات أخرى بعد أن يكتسب الخبرة اللازمة في المراحل الأولى. وعندما سئل الخليلي لماذا تأخر طيلة هذه الفترة، أجاب أن التأخير حصل بسبب الصليب الأحمر.

لم يقتنع ليهود ومحقق أخر من الوحدة 154 بأقوال الخليلي. فقد كانوا يعرفون أن الإستخبارات المصرية تتلقى التقارير بشكل منتظم حول تحركات الجيش الإسرائيلي من بدو سيناء، وأنه من غير المعقول أن يتم تدريب إنسان لمدة شهور فقط من أجل القيام بعمليات رصد عادية. هذه الفرضية جعلتهم يتوصلون إلى نتيجة قاطعة وهي أن "منمن" لم يقل الحقيقة كاملة حول المهمة التي ألقيت على عاتقه من قبل المصريين.

وبحسب ليهود فقد تيقن من فرضيته، وقرر هو وزميله من الوحدة 154 التظاهر بأنهما صدقا أقوال الخليلي، وفي الوقت نفسه قررا مراقبة تحركاته بعدة وسائل، من بينها أجهزة التنصت التي زرعت في بيته في غيابه!

كان ليهود على قناعة بأن الإستخبارات المصرية زودت الخليلي بجهاز اتصال، وصمم على الحصول على الجهاز من أجل استخدامه لتزويد المصريين بمعلومات خاطئة، إلا أنه كان بحاجة إلى تعاون الخليلي الذي كان يعرف رموز الجهاز من أجل تفعليه. بيد أن الخليلي بدأ بالتهرب من مقابلة ليهود. وفي النهاية اجتمع به في الثالث والعشرين من آب/أغسطس، وقال له إن المخابرات المصرية طلبت منه صوراً لمطار العريش وقاعدة وحدة التسلح القريبة من العريش، ومنشآت المياه التابعة لشركة "مكوروت" التي تزود المياه لمنطقة القناة. وأعترف الخليلي بأنه قام بتنفيذ المهمة حتى لا يكون عرضة لشكوك الإستخبارات المصرية.

وقرر ليهود ممارسة الضغط على الخليلي، فاستدعاه إلى مقر الحكم العسكري في العريش في الخامس من أيلول/سبتمبر، قبل شهر من الحرب. ولدى وصوله كان في انتظاره طاقم من أمهر المحققين في شعبة التحقيقات التابعة للشاباك. وبحسب ليهود فقد كان الخليلي خائفاً مرتجفاً، وتحدث بهمس وتصبب عرقاً، إلا أنه لم ينكسر، ولم يبلغ المحققين سوى بالمعلومات التي كانوا على علم بها، بل إنه قام بإنكار أن يكون قد قام بالتقاط الصور، وعلل اعترافه السابق برغبته في التخلص من الضغط الذي مارسه عليه ليهود!

وعندها قرر المحققون إخضاعه لجهاز "البوليغراف- كشف الكذب"، إلا أن الموعد تقرر في الثامن تشرين ثاني/نوفمبر، حيث لم يجد المحققون أن الأمر عاجل. أي أنه في الوقت الذي كان المصريون يجرون سراً الاستعدادات الأخيرة لعبور القناة، كان لدى الشاباك المتسع من الوقت. وفي اللحظة "المصيرية" التي كان بإمكان ليهود استخدام الخليلي للكشف عن المخططات المصرية، طلب من الأول أن يسافر في مهمة عاجلة إلى خارج البلاد. حيث رافق مجموعة من الرياضيين في أوروبا، بدلاً من أن يلاحق الخليلي "العميل المزدوج" في العريش..

عاد ليهود إلى البلاد في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر، وبعد أحد عشر يوماً اندلعت الحرب..

في اليوم الثاني للحرب انفجرت عبوة ناسفة تحت أحد الجسور في مدينة العريش، كما انفجرت عبوة أخرى أدت إلى سقوط أحد أعمدة الكهرباء. وفي مساء اليوم نفسه التقطت الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية إشارات "مورس" مشفرة تبث من العريش.

وبشكل مثير للاستغراب ويشكك هنا في مدى الصدقية، يقول ليهود إنه اتفق مع عناصر الوحدة 154 على السماح للخليلي بمواصلة بث التقارير الإستخبارية إلى القاهرة، (حتى في ظروف الحرب وخاصة مع عبور الجيش المصري لقناة السويس!!) إلى حين يتاح استخدامه لنقل تقارير مضللة...

ويتابع أنه في العاشر من تشرين أول/أوكتوبر بدأت تهبط في إسرائيل الطائرات الأمريكية التي تنقل العتاد والدبابات والأسلحة. وفي الرابع عشر من الشهر نفسه، بحسب ليهود، لجأ الجيش الإسرائيلي إلى التظاهر بأنه يدفع بقوات كبيرة إلى جبهة القتال، تمر عن طريق العريش، من أجل إيصال هذه المعلومات إلى مصر عن طريق الخليلي.

هذه المسألة تضاعف الشكوك في مدى دقة رواية ليهود هنا، خاصة وأن نقل مثل هذه المعلومات يخلق حالة من الاستنفار على الجبهة المصرية، وليس العكس، وبالتالي لا يوجد أي مصلحة "عسكرية إسرائيلية" في نقل مثل هذه المعلومات. والأرجح أن عرض الرواية بهذا السياق يأتي بهدف التغطية على الإخفاق الذريع الذي مني جهاز الأمن العام (الشاباك)، وفشله في دفع الخليلي إلى خيانة وطنه مصر.

في نهاية الحرب تفرغ ليهود لملاحقة الخليلي الذي "خانه" والحصول على جهاز الإتصال والقبض على الشبكة التي نفذت العمليات في اليوم الثاني من الحرب في العريش. فقام باستدعائه إلى مكتبه، إلا أن الخليلي لم يأت. ولم يبادر ليهود إلى تنفيذ عملية اعتقال خشية أن يهرب، فانتظر عدة أيام أخرى، إلى أن قدم الخليلي بنفسه في الثامن من تشرين ثاني/نوفمبر، وعلى الفور تم اعتقاله وتحويله إلى التحقيق.

في التحقيق أكد الخليلي للمحققين أنه عندما سافر إلى مصر قرر ألا يخون وطنه. وأنه قد تم تجنيده بالفعل للعمل مع الإستخبارات المصرية، وألقيت عليه عدة مهام لتنفيذها في العريش، من بينها تنظيم شبكات إستخبارية وأخرى لتنفيذ عمليات. كما خضع لتدريب يومي في القاهرة لمدة 5 شهور. وفضلاً عن عمليات الرصد، فقد تم تدريبه على صنع العبوات الناسفة، وطرق الإستجواب التي لا تثير الشبهات.

وفي "المكتب الخاص" تعلم الخليلي تشفير وبث التقارير بواسطة إشارات "موريس" عن طريق جهاز إرسال صغير. كما تم الإتفاق معه على نقل التوجيهات من القاهرة بواسطة إذاعة "صوت القاهرة" في إطار برنامج سلامات وأغان إلى "عبد الهادي من العريش المحتلة".

كما تبين أنه جرى نقل جهاز الإتصال ووسائل قتالية ومبالغ مالية لتمويل عمل الخلايا إلى الخليلي بعد عودته من القاهرة عن طريق صيادي الأسماك من بدو سيناء.

وفي أعقاب اعتقال الخليلي تم اعتقال 27 آخرين من أعضاء الشبكة، كان من بينهم سعد جلبانة. إلا أنه تم الإفراج عن غالبيتهم بعد بضعة شهور نظراً لعدم كفاية الأدلة، أو لعدم توفر أدلة تكفي للحكم عليهم سنوات طويلة. أما الخليلي وجلبانة فقد أعدت لوائح اتهام خطيرة ومفصلة ضدهما، بيد أنه تم الإفراج عنهما في عملية تبادل أسرى بعد الحرب، وعادا إلى مصر. ومن المرجح أنهما يعيشان اليوم في العريش.

أخيراً تجدر الإشارة إلى أن معد التقرير، المعلق العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت" والمراسل العسكري للتلفزيون الإسرائيلي سابقاً، رون بن يشاي، أخفق في أن يستقطر نجاحات من التقرير لتسجيلها في صالح الشاباك والإستخبارات العسكرية. والإشارة هنا إلى أنه عمد إلى تضخيم نتائج بث معلومات مضللة إلى الإستخبارات المصرية، كان من شأنها أن تستنفر الجيش المصري، لا أن تحول الإخفاق الإستخباري الإسرائيلي الذريع إلى خدعة ناجحة، بحسب بن يشاي.

ينضاف إلى ذلك، أنه تعليقاً على ضبط عبوات ناسفة، مصنوعة على شكل هدايا، كان يفترض بالخليلي أن يرسلها إلى "المشغلين الإسرائيليين"، قبل الحرب بأيام، ولكنه لم يفعل، ربما لتشديد المراقبة على تحركاته، فإن بن يشاي، وبسطحية متعمدة يصل إلى نتيجة مفادها أن "العميل المزدوج يكون بذلك قد خان مشغليه المصريين أيضاً" متجاهلاً ما أورده هو نفسه في التقرير عن العمليات التي نفذت في العريش، والخلايا التي قام بتنظيمها والمعلومات التي نقلها إلى الإستخبارات العسكرية المصرية، وحقيقة أنه حسم ولاءه الأول والأخير إلى وطنه مصر!!