إسرائيل إذ تقلص نطاق الأمن الاجتماعي/ أنطوان شلحت

إسرائيل إذ تقلص نطاق الأمن الاجتماعي/ أنطوان شلحت

يشتمل هذا العدد من "أوراق إسرائيلية" [العدد رقم 43] على بضعة تقارير ومقالات عن أحوال المسنين والنساء في إسرائيل، والتي تعكس إلى حد كبير مآل الأوضاع الاجتماعية، المترتب على السياسات الحكومية الاقتصادية المختلفة.

إنّ الاستنتاج الرئيس، الذي بالإمكان الخلوص إليه في ضوء هذه التقارير والمقالات، هو أن هناك أفولاً مطردًا لسياسة الرفاه الاجتماعية الإسرائيلية، بسبب تصعيد السياسة الاقتصادية الرسمية القائمة على تعميق الخصخصة، من جهة وبسبب تقويض دعائم دولة الرفاه، من جهة أخرى، موازية ومكملة.

ويقف في مركز هذه الورقة، التقرير الصادر عن مركز أدفا- معلومات حول المساواة والعدالة الاجتماعية في إسرائيل- بشأن الأمن الاجتماعي لدى فئة المسنين. وهو تقرير يشرح بالأرقام الدقيقة، وكذلك بالدلالات والإحالات، واقع انعدام الأمن الاجتماعي بين الجيل الحالي من المسنين في إسرائيل، نتيجة لبضعة تطورات تراكمت على مدار الأعوام القليلة الفائتة في الميدان الاقتصادي- الاجتماعي، وتنذر الأجيال المقبلة من المسنين الإسرائيليين بعواقب وخيمة، أشد وأدهى.

ولا يترك التقرير أي مجال للشك في أن السياسة الحكومية هي المسؤول الأول والأخير عن هذا الواقع، من خلال تحديده لثلاثة عوامل تؤدي إلى تعميق الفقر في صفوف المسنين، والذي يعبر عن نفسه في حقيقة أن إسرائيل هي من الدول المتصدرة في نسبة المسنين الفقراء بين الدول المتطورة. هذه العوامل هي: مستوى الأجر المنخفض عامة؛ التغطية التقاعدية الجزئية؛ مخصصات الضمان الاجتماعي المتدنية.

علاوة على هذا التقرير تشتمل الورقة على مقالة عن النساء والعدالة الاجتماعية في إسرائيل للكاتبة أوريت كامير، وهي ناشطة نسوية إسرائيلية بارزة حاصلة على شهادة الدكتوراه في الحقوق. وتسلط فيها، بصورة مسهبة، أضواءً نقدية على أوضاع النساء اليهوديات في إسرائيل وما يتعرضن له من تمييز وإجحافٍ في المجتمع الإسرائيلي عامةً. إن همّ الكاتبة الرئيس هو أن تبرهن على أنّ هذا المجتمع هو ذكوري في جوهره، ولذا فإنها تبين بعرضٍ وشرحٍ مفصلين ومثيرين في آنٍ واحد أن الدولة الإسرائيلية ما زالت تخضع، في كل ما يتعلق بالأحوال الشخصية وقضايا المرأة، كالزواج والطلاق، لقوانين وأحكام الشريعة الدينية اليهودية وسلطة رجالات الدين (الحاخامات)، والتي تصفها الكاتبة بأنها سلطة وقوانين أبوية عفا عليها الزمن.

أمّا سائر المقالات فإنها تعرض لجوانب أخرى من الأوضاع الاجتماعية، وتتطرق إلى الخلفية الحقيقية لهذه الأوضاع، وإلى الدور المعوّل على المجتمع الإسرائيلي نفسه القيام به لدرء المخاطر التي تنذر تلك الأوضاع بجلبها، والذي لا يزال دورًا مؤجلاً حتى إشعار آخر.

ولعل أبرز ما يسترعي الاهتمام، فيما يتعلق بموضوع الخلفية، هو وجهة النظر الوضعية، التي تعتبر أن حكومة إسحق رابين الأولى (استمرت ولايتها بين السنوات 1974- 1977) كانت آخر حكومة إسرائيلية اجتماعية، وتركز على دور رئيس الدولة الحالي ورئيس الحكومة الأسبق والقائد العمالي شمعون بيريس في "عرقلة انطلاقة دولة الرفاه" في ذلك الوقت، من خلال التعاون مع اليمين الإسرائيلي في تمثيل مصالح الطبقة الوسطى وإدارة الظهر لمصلحة الطبقات والشرائح الضعيفة على السواء.

وإذا كانت وجهة النظر هذه تكشف الخلفية المتساوقة مع النهج الاقتصادي اليميني، بين صفوف تيار العمل الصهيوني، فإنها تعيد التذكير بجذور التحولات الاقتصادية- الاجتماعية التي خضع لها هذا التيار منذ ذلك الوقت وصولاً إلى أيامنا الراهنة.

ويمكن القول إن أكثر هذه التطورات جدة هو ذلك المتمثل في إعلان حزب "العمل"، في صيف 2007، عن عزمه إلغاء اتفاقية العمل الجماعية لمستخدمي الحزب، ليتم تشغيلهم من الآن فصاعداً بعقود عمل فردية، والذي رأى المراقبون أنه يشكل تعبيرًا بليغًا عن "روح القائد" التي يفرضها إيهود باراك "الجديد" على الحزب.

وقد أكدت نقابة مستخدمي الحزب أن ذلك يشكل "سلوكًا" لا يلائم حزباً اشتراكيًا ديمقراطيًا، سبق له أن أقام نقابة العمال العامة (الهستدروت)، ورفع راية "حماية العمل المنظم في إسرائيل". فيما رأى مراقبون آخرون أن هذه الصيغة المؤدبة والحذرة لنقابة المستخدمين ليس في وسعها أن تخفي الحقيقة، وهي أن إلغاء اتفاقية العمل الجماعية ما هو إلا خطوة أخرى من جانب باراك لسلخ حزب العمل عن بقايا ماضيه الاشتراكي- الديمقراطي.

وبحقّ أكد هؤلاء أن نضال مستخدمي حزب "العمل" ضد إلغاء اتفاقية العمل الجماعية، هو جزء من المعركة المحتدمة في الأعوام القليلة الفائتة على صورة حزب "العمل"، بين كونه حزبًا اشتراكيًا ديمقراطيًا يمثل الطبقات التي تعرضت ولا تزال تتعرّض للسحق جراء "ثورة الخصخصة"، ويناضل لإقامة دولة رفاه وعدالة اجتماعية، وبين كونه حزبًا ليبراليًا جديدًا يمثل الطبقات الميسورة، وبالتالي يسهم في تفكيك دولة الرفاه وفي نهب مقدرات الجمهور على يد الإقطاعيين الإسرائيليين.

قبل أن يصبح جزءًا من الحكم علل حزب "العمل" رضوخه لليبراليين الجدد ولسياسة الخصخصة بكونه خارج إطار الحكومة. غير أن القرار بشأن إلغاء عقود العمل الجماعية لمستخدميه هو في يد الحزب وحده، وهو الذي يحدد ما إذا كان الحزب مع العمال أم ضدهم، وما إذا كان حزب العمل، أم حزب رأس المال؟.

كما وجبت الإشارة إلى الدور المتزايد لشبكة أصحاب رؤوس الأموال في السيطرة على إسرائيل وحكمها قولاً وعملاً. وهي تتكون من اثنتي عشرة أو ثماني عشرة عائلة غنية في إسرائيل إضافة إلى أصحاب الأعمال الكبرى. ويهتم أعضاء هذه الشبكة باستمرار عمليات الخصخصة وبنسبة ضريبة منخفضة ومستويات أجور متدنية وهلمجرّا. ويرتبط أعضاء الشبكة مع كبار السياسيين الذين يحظون بمساعدتهم، والذين على استعداد للمضي في السياسة الليبرالية الجديدة التي قوضت بدرجة هائلة دولة الرفاه الإسرائيلية وخلقت هوة سحيقة بين الفئة العشرية العليا والفئات العشرية الدنيا.

وقد نوّه البروفسور غابي شيفر، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية- القدس والباحث في "معهد فان لير"، في إحدى المناسبات، بأن هذه الشبكة تشكل أحد أضلاع مربع "شبكات" غير رسمية وغير منتخبة، تعمل غالباً في الخفاء، تحكم في إسرائيل، ويرتبط بها "زعماء أقوياء" وإلى حد ما يخضعون لسيطرتها أيضًا. والعضوية في هذه الشبكات (المؤسسات) ليست ثابتة، كما أن تركيبتها متغيرة، غير أن الثابت هو أن أعضاءها لديهم أجندة مشتركة، وكذلك مصالح وطرق عمل مشتركة، وقدرة على التأثير على الرأي العام وعلى السياسيين بطبيعة الحال. والشبكات الثلاث الأخرى هي: الشبكة الأمنية، وشبكة الحاخامات الحريديم، وشبكة كبار الموظفين.

وإذا ما استعدنا ما يقوله هذا الأستاذ الجامعي، في المقام نفسه، بشأن كون المتنافسين الثلاثة على رئاسة الحكومة الإسرائيلية المقبلة مرتبطين بهذه الشبكات (بنيامين نتنياهو وإيهود أولمرت مرتبطان بشبكة أصحاب رؤوس الأموال وشبكة الحاخامات الحريديم، وإيهود باراك مرتبط بالشبكة الأمنية وشبكة أصحاب رؤوس الأموال)، فإن ما ينبغي استخلاصه هو أن إسرائيل لن تجد لنفسها فكاكًا من سياسة تقليص الأمن الاجتماعي لمختلف الطبقات والشرائح الضعيفة، التي ستجد نفسها في المستقبل خارج نطاق تغطية العدالة الاجتماعية أكثر فأكثر.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018