إسرائيل بعد عامها الستين- مفاهيم الماضي تُعيق مواجهة تحديات المستقبل/ أنطوان شلحت

إسرائيل بعد عامها الستين- مفاهيم الماضي تُعيق مواجهة تحديات المستقبل/ أنطوان شلحت

يشتمل هذا العدد من "أوراق إسرائيلية" (*) على الملخص التنفيذي لمؤتمر هرتسليا الثامن (2008) حول "ميزان المناعة والأمن القومي الإسرائيلي"، والذي صدر في أيار 2008، كما يشتمل على بضع أوراق عمل من مجموعة أكبر جرى التداول بشأنها في المؤتمر [ورقة حول "تبادل الأراضي كوسيلة لحل النزاعات الإقليمية بين إسرائيل وجاراتها"، وثانية حول "القدس كمسألة مركزية في مناعة إسرائيل القومية"، وثالثة حول "المسؤولية الحكومية تجاه الدمج والمساواة بين اليهود والعرب في إسرائيل"].

وقد عقد مؤتمر هرتسليا الثامن في الفترة ما بين 20 و23 كانون الثاني 2008، وذلك تحت العنوان "إسرائيل في عامها الستين- هل المناعة أبدية؟".

وافتتح هذا المؤتمر، لأول مرّة، في مقرّ الكنيست الإسرائيلي في يوم 20 كانون الثاني، وواصل أعماله في أحد فنادق مدينة هرتسليا، التي يتخذ "المركز المتعدّد المجالات" منها مقرًا له. وكما هو معروف فإن هذا المركز هو الذي بادر إلى إطلاق "مؤتمر هرتسليا" في العام 2000، ويستمر في الإشراف على سيره الدوريّ. ولا يزال رئيس المؤتمر منذ تأسيسه هو البروفسور عوزي أراد، المقرّب من رئيس الحكومة الأسبق ورئيس حزب الليكود، عضو الكنيست بنيامين نتنياهو.

وقد ألقى الكلمات المركزية في يوم الافتتاح رئيس الدولة الإسرائيلي، شمعون بيريس ورئيسة الكنيست، داليا إيتسيك ورئيس هيئة الأركان العامة للجيش، غابي أشكنازي ورئيس لجنة الخارجية والأمن، عضو الكنيست تساحي هنغبي. وعرضت فيه "مؤشرات هرتسليا" واستطلاع "الوطنية الإسرائيلية" بمناسبة العام الستين لقيام إسرائيل.

كما عقدت بضع ندوات، أهمها ندوة حول "تقرير لجنة فينوغراد وسياسة الأمن القومي واتخاذ القرارات"، وأخرى حول "مكانة القدس كعاصمة لإسرائيل والشعب اليهودي".

واختتم المؤتمر في مساء 23 كانون الثاني، بما بات يعرف باسم "خطاب هرتسليا" لرئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت. وكان ذلك بمثابة آخر ظهور جماهيري له قبل نشر التقرير النهائي للجنة فينوغراد بشأن حرب لبنان الثانية، في يوم 30 كانون الثاني 2008.

أمّا أبرز محاور المؤتمر فكانت: التحديات الوطنية والاقتصادية والاجتماعية في عصر العولمة؛ التحديات السياسية الوطنية على خلفية التغيرات الإقليمية؛ البدائل الإستراتيجية من جرّاء انتشار السلاح النووي في الشرق الأوسط؛ اتجاهات وغايات إسرائيل والشعب اليهودي في الأعوام الستين المقبلة.

وبالإضافة إلى الذين تمّ ذكرهم تكلم في المؤتمر الثامن من المسؤولين الإسرائيليين: وزير الدفاع، إيهود باراك ووزيرة الخارجية، تسيبي ليفني ورئيس حزب شاس ونائب رئيس الحكومة، إيلي يشاي ووزير المواصلات، شاؤول موفاز ووزير الرفاه، إسحق هرتسوغ ووزير البناء والإسكان، زئيف بويم ووزيرة التربية والتعليم، يولي تامير ووزير السياحة، إسحق أهرونوفيتش ورئيس الليكود، بنيامين نتنياهو ونائب وزير الدفاع، متان فلنائي ومحافظ بنك إسرائيل، ستانلي فيشر ومراقب الدولة، ميخا ليندنشتراوس، فضلاً عن عدد كبير من أعضاء الكنيست والسفراء والمحاضرين الجامعيين والضيوف الأميركيين والأجانب.

وخصص المؤتمر ندوة لموضوع "مسؤولية الحكومة عن دمج العرب وعن المساواة العربية- اليهودية"، وأخرى لموضوع "العرب في إسرائيل والخدمة المدنية".

كما عقدت مائدة مستديرة مغلقة بعنوان "الشرخ الشيعي- السني، جذوره وأبعاده الإستراتيجية".

ومن أبرز الضيوف الأجانب الذين شاركوا في المؤتمر هذا العام: رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير ووزير الدفاع الأميركي السابق، وليام كوهين والرئيس السابق للبنك الدولي، جيمس وولفنزون ورئيس جامعة القدس الفلسطينية، البروفسور سري نسيبة، ورئيس الوزراء الإسباني السابق، خوسيه أزنار ووزير الخارجية الروسي السابق، إيغور إيفانوف والسفير الأميركي السابق في الأمم المتحدة، جون بولتون.

تعتبر وثيقة الملخص التنفيذي أن العام الستين على استقلال إسرائيل- 2008- هو عام حاسم في مواجهة التهديد النووي المتصاعد من جهة إيران، وهو عام مهم في ما تعتبره "المحاولة الإضافية الأخرى للتوصل إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين، ولو على الصعيد المبدئي فحسب". وتؤكد أنه في نظرة شمولية يبدو واضحا أن إسرائيل لا تزال تواجه تحديات أمنية متصاعدة ومعقدة على المدى القريب، المتوسط والبعيد. وإن القاسم المشترك للتحديات الأمنية يتمثل في تفاقم التهديد المباشر على مجمل السكان المدنيين، بعد أن أضحت المفاهيم الماضية بشأن الجبهة الخارجية [القتالية] والجبهة الداخلية غير نافذة، وأضحت الحاجة إلى الاستعداد لحماية الجبهة الداخلية وضمان سير حياتها المنتظم ماسة وملحة، لا أقل من تطوير القدرات القتالية.

غير أن "التهديد الأكثر خطورة على أمن دولة إسرائيل"، بحسب الوثيقة، هو ذاك المتنامي من جانب إيران، التي تتقدم بخطى حثيثة نحو تطوير أسلحة نووية. وفي هذا الصدد تقول إن دلالات هذا التهديد واضحة وحادة وإسرائيل الرسمية تعلن، حيالها، أنها لا تستطيع المجازفة بوجود إيران نووية. وبناء عليه فإن إسرائيل مطالبة، بداية، أن تؤكد أمام المجتمع الدولي على أن الخطر الجسيم لا يقتصر عليها وحدها، بل هو تهديد للاستقرار الإقليمي، ومنه للدولي أيضا. وفي هذه الأثناء، يتبين أن إسرائيل تنظر في خيارات مختلفة، بما فيها إمكان استخدام القوة في محاولة لوقف إيران. وفضلا عن هذا، ثمة من يوصي أيضا بإنجاز الاستعدادات الدفاعية، الفعالة والسلبية على السواء، وفحص إمكان الاستعداد في مجال الردع في حالة فشل المساعي الرامية إلى كبح البرنامج النووي الإيراني.

وتتابع الوثيقة أن التهديدات المحدقة بإسرائيل من جانب إيران لا تقتصر على المجال النووي. فـ"النظام الإسلامي في طهران يشغّل مبعوثيه في لبنان وفي قطاع غزة، وسط تحويل الذخيرة، المال والمعرفة. وهكذا، وفيما تتعرض إسرائيل للتهديد المتنامي في الدائرة البعيدة، ولتهديد الصواريخ السورية، تتعرض أجزاء كاملة من أرض إسرائيل لتهديدات أكثر فورية: بلدات الشمال (الهادئ حاليا) مهددة من جانب حزب الله؛ سديروت وبلدات غربي غزة تتعرض للقصف المتواصل والمتصاعد من قطاع غزة (صواريخ "قسام" و"غراد")".

ولدى انتقالها إلى الملف الإسرائيلي- الفلسطيني تشير الوثيقة إلى أن التشرذم في الساحة الفلسطينية الداخلية يصعب التحرك السياسي والأمني من جانب إسرائيل، وخاصة قدرتها (وكذلك مساعي المجتمع الدولي) على التوصل إلى تسوية نهائية ودائمة مع الفلسطينيين. وثمة من يرى في استيلاء حماس على قطاع غزة وفي التشرذم الفلسطيني تحولا دراماتيكيا وجوهريا لا يتيح بعد اليوم أي تسوية مع كيان فلسطيني واحد. إن رئيس الحكومة، وزيرة الخارجية ووزير الدفاع، لا يزالون يعتبرون رئيس السلطة الفلسطينية، أبو مازن، شريكا للمفاوضات ويفضلون خيار مواصلة الحوار السياسي. وثمة فرضية تقول إن البديل لمثل هذا الحوار سيكون استيلاء حماس على مناطق يهودا والسامرة (الضفة الغربية) أيضا، وهي نتيجة غير مرغوب فيها بالنسبة إلى إسرائيل. ومع ذلك، وفي ضوء التشرذم المذكور، ثمة شكوك كبيرة حول قدرة أي اتفاق مع السلطة الفلسطينية وحركة فتح على إنهاء الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين بصورة مطلقة.

هناك نقطتان يجدر التوقف عندهما فيما يتعلق بهذا الملف:

(*) الأولى- توكيد الوثيقة أن الحل الدائم بين إسرائيل والفلسطينيين قد يشمل أيضا مركب تبادل المناطق [الأراضي]. وبالإضافة إلى الأفكار والخطط المختلفة، التي عرضت في المؤتمرات السابقة في هذا المجال، ثمة مشروع آخر معروض يقضي بتبادل أراض شامل ومتعدد الأطراف بين الفلسطينيين وإسرائيل وجاراتها [مشروع أراد- بايغر]. و"تجزم" الوثيقة بأن البحث في خيارات كهذه "قد يولد أفكارا خلاقة أخرى في السعي نحو السلام".

(*) الثانية- مسألة القدس، إذ هناك توكيد على أن القدس لا تزال تشكل المسألة الأكثر مركزية وتعقيدا، والأكثر صعوبة للحل في مفاوضات الحل النهائي بين إسرائيل والفلسطينيين. وعلى أنه ينبغي مناقشة مسألة مصير القدس أيضا في إطار علاقات إسرائيل مع اليهود في الشتات.
وبموجبها فإنه في أية مفاوضات حول تسوية مستقبلية، "ينبغي على إسرائيل المطالبة بالسيادة الكاملة على القدس، ليس فقط لكونها العاصمة، أو بسبب العلاقة التاريخية غير القابلة للنقض أو التشكيك، بل أيضا بسبب الضرر المتوقع لنسيج هذه المدينة في حال تقسيم السيادة".
كما تؤكد أن للقدس، بالنسبة للشعب اليهودي كله، لا فقط بالنسبة لليهود مواطني إسرائيل، قيمة ودلالات رمزية، ثقافية ودينية عميقة. ومع ذلك، فإن موقع يهود الشتات فيما يتعلق بمسألة التنازلات في القدس في إطار مفاوضات الحل النهائي ليس واضحا. ورغم أن يهود الشتات لا يتمتعون بحق قانوني رسمي في المفاوضات، التي تجريها الحكومة السيادية في دولة إسرائيل، إلا أن موقفهم وحساسيتهم يحظيان بوزن نوعي هام ينبغي البحث فيه. هذا الاستنتاج يكتسب حدة أكبر على ضوء السيرورة الحاصلة بشكل متواز في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة. فالقدس تتحول إلى مركب أساس حاسم، ذي دور ديني وقومي يوحد من حوله حتى التيارات الإسلامية المتخاصمة. وفي الوقت نفسه، يلاحظ بين الإسرائيليين هبوط مستمر في مدى الارتباط بالقدس، في مدى الوعي بتاريخها ومكانتها المركزية بالنسبة إلى الشعب اليهودي.

ثمة محاور أخرى في الوثيقة، من قبيل محور التحديات الاقتصادية المستقبلية، وخاصة على خلفية عدم الاستقرار الاقتصادي دوليا، وأن الوجهات على الصعيد الدولي تضع إسرائيل أيضا أمام تحديات وتهديدات جديدة مترتبة على التأثيرات المتبادلة والمتشعبة بين الأزمات والتطورات في مجالات البيئة، الطاقة، الغذاء وأسواق المال، وأن النمو الاقتصادي لم يؤد إلى تحسين أوضاع المجتمع الإسرائيلي الذي تعصف به جملة من الأزمات الداخلية المتواصلة، التي بلغ بعضها ذرى جديدة، أولاها وأكثرها خطورة هي تلك التي تعصف بجهاز التعليم والثقافة في إسرائيل.

وهناك محور آخر يتعلق بازدياد مشاعر عدم الثقة الجدية بالمؤسسات السلطوية كافة، حيث حصل تراجع في مكانة الكنيست بين الجمهور، وبرز بشكل خاص التآكل والتراجع في مكانة المحكمة العليا. كما أنّ درجة الفساد المتفشي في الجهاز السياسي وفي المؤسسات العامة تستوجب اتخاذ إجراءات عملية حادة جدا من جانب سلطات فرض القانون وتطبيقه، من دون أية خشية أو محاباة.

وفي مجال العلاقات مع الفلسطينيين في الداخل تؤكد الوثيقة أنّ تحييد التوترات وتعزيز المساواة بين المواطنين العرب واليهود في إسرائيل هو تحد لم يعد من الممكن تجاهله، وهو يستوجب تحركا حازما من جانب المجتمع الإسرائيلي والمؤسسات السلطوية. ويبدو أن ما تقوم به الحكومة في هذا المجال ليس كافيا. وتضيف أن تكريس التمييز ليس من مصلحة إسرائيل، وعليها العمل بطريقة محسوبة لتحقيق المساواة، الفعلية والحقيقية، لجميع مواطنيها، عبر المحافظة على طابع الدولة اليهودي. ومن ثمّ تروّج لفكرة الخدمة الوطنية- المدنية، التي ترى فيها فرصة "لتحسين العلاقات بين العرب واليهود".

على صعيد العلاقات مع يهود الشتات، ترى الوثيقة أن هناك تعزيزًا لنزعات التباعد ما بينهم وبين اليهود سكان إسرائيل. وفي ثنايا ذلك، تضعف أيضا رابطة الإسرائيليين ويهود العالم بمدينة القدس. كما أن الاستقطاب الحاصل في إسرائيل بشأن الهوية اليهودية يشكل، هو أيضا، تهديدا على مستقبل الشعب اليهودي. ويسود في أوساط اليهود في العالم اتفاق على أن هذه المشكلات تتطلب معالجة فورية ملحة، إذ أن انعدام الرابطة المتينة بين اليهود في إسرائيل وبين يهود الشتات سيضع اليهود في العالم أمام مشكلات وجودية.

إن مردّ الاهتمام، الذي يبديه المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، بـ"مؤتمر هرتسليا" هو أنه، ومنذ انعقاده لأول مرّة في العام 2000، يستقطب اهتماماً واسعاً لدى مختلف الأوساط، المحلية والإقليمية والدولية، المهتمة والمتابعة للشأن الإسرائيلي. هذا الاهتمام ينبع أولاً من واقع ماهية وشمولية موضوعات التفكير الآني والإستراتيجي التي تتخلل وتسم أوراق العمل والمناقشات والأفكار والتوصيات التي يتم تداولها في أعمال المؤتمر ويصار إلى إجمالها في تلخيصات ووثائق تصدر عنه. وينبع ثانياً، وربما الأهم، من نوعية ومكانة الشخوص، سواء القائمين على المؤتمر أو المشاركين فعليا في أعماله. وعادة ما يكون في عداد هؤلاء رئيس الحكومة وكبار الوزراء ورؤساء وقادة المؤسسة العسكرية والأمنية والأكاديمية وغيرهم. وبهذا المعنى لا يزال مؤتمر هرتسليا بمثابة التئام لـ"العقل الجماعي الإستراتيجي المفكر" للدولة الإسرائيلية، علمًا أن هناك من بات يعتبر هذا المؤتمر منصة مهمة لإسماع الآراء، من دون قدرة فعلية على أن يملي أجندة عامة.

______________________________

(*) العدد رقم 44 من سلسلة "أوراق إسرائيلية"، الذي صدر مؤخرًا عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار. المقالة أعلاه هي نصّ تقديم هذه الورقة.