تحت ستار العدوان الثلاثي: تعليمات بارتكاب المجازر في كافة قرى المثلث الجنوبي لتهجير السكان

تحت ستار العدوان الثلاثي: تعليمات بارتكاب المجازر في كافة قرى المثلث الجنوبي  لتهجير السكان

يكشف تقرير لصحيفة هآرتس يتضمن مقابلات مع ضباط وحدات وسرايا كتيبة حرس الحدود التي نفذت مجزرة كفر قاسم قبل ساعات من الهجوم الثلاثي على مصر عام 56 أن التعليمات صدرت لهم بارتكاب مجازر في كافة قرى المثلث الجنوبي، إلا أنهم لم ينفذوا التعليمات كما نفذها غبرئيل دهان ضابط وحدة كفر قاسم لأسباب مختلفة.

وكان التعليمات لقادة الوحدات والسرايا في المثلث الجنوبي واضحة: تقديم موعد حظر التجول في تلك القرى من التاسعة مساء إلى الخامسة بعد الظهر، وهو وقت عودة المزارعين إلى قراهم، وإطلاق النار على كل من يتجول خارج منزله بعد تلك الساعة دون التمييز بين رجل أو طفل أو امرأة أو مسن.

وإذا ما ربطنا ما كشف عنه الضباط في تقرير "هآرتس" مع ما كُشف عنه عام 2000 في كتاب «كفر قاسم أحداث وأسطورة» للصحفي روبيك روزنطال، والذي ألقى الضوء على بعض التفاصيل لخطة عسكرية إسرائيلية سرية ما زالت طي الكتمان تهدف إلى تهجير أهالي المثلث الجنوبي، نستنتج أن التعليمات بارتكاب المجازر في تلك القرى تتماشى مع تلك الخطة التي حملت اسم «الخلد (حيوان يحفر بالأرض)» وأن التعليمات بارتكاب المجازر في كفر قاسم والطيرة وجلجولية وكفر برا والطيبة وقلنسوة وبير السكة وإبطن كانت تهدف إلى تهجير السكان تحت ستار العدوان الثلاثي على مصر.

وكشف الكتاب المذكور أنه قبل أيام من الحرب بحثت في الجيش إمكانية شن هجوم على الأردن كعملية تمويه تخفي الهدف الحقيقي- وهو مهاجمة مصر في سيناء. وبأمر من رئيس هيئة الأركان العامة موشي ديان أعد الجيش خطة سرية تنفذ في الوقت المناسب "الخلد" لإخلاء السكان العرب من بيوتهم بالمثلث الصغير من كفر قاسم في الجنوب حتى قلنسوة في الشمال، وتجميعهم في معسكر اعتقال. وتردد في حرس الحدود أن وقت الحاجة – تغلق المعابر من القرى إلى داخل إسرائيل ويتم توجيه السكان إلى الشرق، إلى الضفة الغربية الواقعة تحت سيطرة الأردن.

في الساعة الواحدة ونصف من ظهر يوم 29-10-1956 وقبل ساعات من نقل كتيبة مظليين إلى ممر المتلا غرب سيناء جمع قائد كتيبة حرس الحدود المكلفة بتنفيذ المجازر، شموئيل ملينكي، ضباط الوحدات والسرايا لإبلاغهم بتعليمات القيادة. ويوضح ملينكي للضباط أن الحرب على الأبواب وأن الكتيبة ضمت إلى لواء في الجيش بقيادة عميد الاحتياط يسخار شيدمي، ومهمة الكتيبة فرض حظر التجول في ثماني قرى عربية ابتداء من الساعة الخامسة بعد الظهر وإطلاق النار على كل من يتواجد خارج بيته في ساعات حظر التجول. ويسأل يهودا فرانكنتل، قائد إحدى السريتين الذي أوكلت لوحداته تنفيذ المجازر في الطيبة وقلنسوة وبير السكة وإبطن وكفر برا، "ماذا نفعل مع الجرحى؟" فيجيب ملينكي – لن يكون هناك جرحى (أي الإجهاز على الجرحى). وحسب أحد قادة الوحدات قال لا ملينكي "لا تعالجوهم".

ويسأل أرييه منشز قائد وحدة الطيرة: وماذا بشأن النساء والأطفال؟ فيجيب ملينكي: حظر التجول يسري على الجميع بلا رحمة. ويسأل منشز مرة أخرى: ماذا بشأن العائدين من العمل؟ فيجيب ملينكي: الله يرحمهم كما قال قائد اللواء (شدمي).

وقال أرييه اسكندروني – نائب ملينكي في الاجتماع: القرويون في الحقول لا يعلمون بتقديم ساعة حظر التجول. فأسكنه ملينكي.

ويقول نمرود لمفرات، قائد وحدة كفر برا: ملينكي قال إننا سنفرض حظر تجول تام على القرى، ومن المفضل أن يكون في الليلة الأولى عدد كبير من القتلى في كل قرية، فذلك سيساعد في تنفيذ المهمة في الأيام المقبلة. ويتابع: لا أذكر الجملة بالتحديد، ولكن الحديث كان يدور عن عشرة قتلى في كل قرية.

ويقول التقرير إن فرانكينتال، قائد السرية المسؤولة عن الطيبة وقلنسوة وبير السكة وإبطن وكفر برا، ، خفف التعليمات على عاتقه ومنع بذلك توسع المجازر. فيما لم يشدد قائد السرية الأخرى، حاييم ليفي على التنفيذ وترك القرار لضباط الوحدات فتجنبوا التنفيذ بحذافيره إلا قائد وحدة كفر قاسم غبرئيل دهان، فففتح جنوده النار على كل السكان الذين عادوا بعد الساعة الخامسة وسقط 47 شهيدا إلى جانب عدد كبير من الجرحى.

وكان تحت إمرة قائد السرية –حاييم ليفي كل من: غبرئيل دهان ضابط وحدة كفر قاسم، ارييه منشز ضابط وحدة الطيرة، بنيامين كول ضابط وحدة جلجولية، نمرود لمفرات قائد وحدة كفر برا، وجميعهم تلقوا نفس التعليمات من مالينكي.

ويقول بنيامين كول الذي دافع باستماتة عن غبرئيل دهان في جلسات المحكمة وكان يؤيد ما قام به بشدة: في أكتوبر 56 كنت ضابط شعبة وتردد في ذلك الوقت أن حربا ستنشب وأنه سيتم توجيه ضربة للعرب في القرى الممتدة على طول الحدود مع الأردن لكي يهربو شرقا. ويوضح كول أن بالصدفة لم يصب أحد من السكان في المنطقة التي أوكلت إليه.

يذكر أن الضالعين في المجزرة حصلوا على تخفيض في مدة الحكم من قبل رئيس الأركان ثم منحوا عفوا تاما من قبل رئيس الدولة وخرجوا من السجن بعد أقل من سنة، بينما حكم على قائد اللواء شدمي بغرامة قرش واحد.