المخابرات الصهيونية: بدايات التجسس على العرب(3/4)../ د.محمود محارب

المخابرات الصهيونية: بدايات التجسس على العرب(3/4)../ د.محمود محارب

ساهمت مجموعة من العوامل إلى دفع رئيس "اللجنة الصهيونية" دافيد ايدر إغلاق "مكتب المعلومات" ووضع حد لنشاطه، كان أهمها:

أولاً: الصراع السياسي والمؤسساتي داخل مجتمع المستوطنين والمهاجرين الصهيونيين في فلسطين حول السياسة تجاه العرب وحول المؤسسة الصهيونية التي ينبغي أن تتولى مسؤولية متابعة "المسألة العربية".

ثانياً: النقص في الأموال في ظل تحمل "اللجنة الصهيونية" أعباء مالية جديدة، بسبب ازدياد الهجرة اليهودية إلى فلسطين وما يتطلبه ذلك من أموال لاستيعاب المستوطنين الجدد (34).

ثالثاً: إقرار مؤتمر سان ريمون انتداب بريطانيا على فلسطين وسقوط حكومة فيصل وابتعاد وايزمان وتوقفه عن ضخ المال إلى "مكتب المعلومات".

وفي العشرين من آب (أغسطس) 1920 أبلغ رئيس "اللجنة الصهيونية" في القدس دافيد ايدر قراره بإغلاق "مكتب المعلومات" إلى رئيس "مكتب المعلومات" شنيئرسون. وقد رفض شنيئرسون، في بادئ الأمر، قبول هذا القرار وطالب أن يستمر "مكتب المعلومات" في العمل إلى أن يتسنى له مقابلة وايزمان ليطلعه على أهمية استمرار وجود مؤسسة المخابرات. بيد أن دافيد ايدر، رئيس "اللجنة الصهيونية"، أصرَ على موقفه وأخبر شنيئرسون أن عليه إغلاق المكتب وإنهاء عمله وتسليم كل المواد التي بحوزة مكتب المعلومات والتي تراكمت خلال سنتي عمله إلى " اللجنة الصهيونية" في القدس(35).
في العام 1922 أنشأت "اللجنة القومية للمجلس الملي اليهودي في فلسطين" (هفاعد هليئومي ) مؤسسة تابعة لها أطلقت عليها اسم "السكرتاريا العربية" (همزكيروت هعرفيت) وتعني بـ "المسألة العربية" وبكل ما يتعلق بالسياسة الصهيونية والعمل الصهيوني المخابراتي تجاه العرب. وعينت حاييم كالفاريسكي رئيسا لـ"السكرتاريا العربية".

سعى كالفاريسكي إلى تجنيد دعم عربي للمشروع الصهيوني بواسطة تقديم الرشاوى والقروض. بيد أن انجازاته في هذا المجال كانت محدودة للغاية(36). لم تعمر "السكرتاريا العربية" طويلاً، ويعود ذلك لعدة أسباب أهمها النقص في المال والصراعات التي كانت دائرة بين المؤسستين "القوميتين" الناشطتين في مجتمع المهاجرين والمستوطنين اليهود في فلسطين وهما "اللجنة القومية" و"الإدارة الصهيونية" في القدس. وقد قاد هذان العاملان علاوة على إقرار نظام الانتداب البريطاني نهائياً على فلسطين في العام 1922 واستتباب الهدوء في فلسطين، إلى حل "السكرتاريا العربية" في العام 1923 (37).

في العام 1923 أسست الدائرة السياسية التابعة لـ"الإدارة الصهيونية" في القدس "المكتب العربي" (هلشكاه هعرفيت)، ليعنى بالمسألة العربية وبكل ما يتعلق بالعمل الصهيوني المخابراتي تجاه العرب. ترأس فريدرك كيش الدائرة السياسية لـ"الإدارة الصهيونية" في القدس منذ العام 1922 وحتى 1931. ولعل سيرة فريدريك الذاتية تظهر مدى وعمق التداخل والتحالف الصهيوني البريطاني. قبل رئاسته للدائرة السياسية "للإدارة الصهيونية" في القدس، خدم فريدريك كيش في الجيش البريطاني، واشترك أثناء خدمته هذه كضابط مخابرات في البعثة البريطانية لمحادثات مؤتمر السلام في الأعوام 1919-1921. وبعد استقالته من رئاسة الدائرة السياسية "للإدارة الصهيونية" في القدس بعدة سنوات عاد والتحق بالجيش البريطاني في العام 1939 وترقى إلى رتبة بريغادير، ولقي مصرعه في العام 1943 اثر صعوده على لغم في الأراضي التونسية أثناء الحرب العالمية الثانية(38).

عين فريدريك كيش، الذي لم يكن يتحدث العربية ولا العبرية، حاييم كالفاريسكي مديراً لـ "المكتب العربي". وقاد كل من فريدريك كيش وحايييم كالفاريسكي العمل المخابراتي والتجسس الصهيوني ضد العرب حتى العام 1931. اجتمعت في شخصية حاييم كالفاريسكي صفات عديدة ومثلت توجهات وسياسيات متعددة من المفيد الإشارة إليها.

ولد حاييم كالفاريسكي في بولندا في العام 1868 وهاجر إلى فلسطين واستوطن فيها في العام 1895. عمل كالفاريسكي مديراً للمستوطنات الصهيونية التي كان يدعمها البارون روتشيلد، فاكتسب خبرة كبيرة ليس فقط في إدارة المستوطنات وإنما أيضاً في كيفية الاستيلاء على الأراضي العربية، وخاصة في الجليل، وفي كيفية التعامل مع العرب وطرق خداعهم، فأكثر من الاختلاط بهم، فأجاد اللغة العربية، بحيث وصف في الأدبيات الصهيونية، لفترة طويلة، بالخبير الصهيوني شبه الوحيد بالمسألة العربية.

وكان كالفاريسكي عضواً في "المجلس الاستشاري لحكومة فلسطين"، الذي أنشأته سلطات الاحتلال البريطاني، في العامين 1920 و 1921. وأدار في السنوات 1923-1927 و 1929-1931 جهاز " "المكتب العربي" المختص بالتجسس على العرب. علاوة على ذلك كله كان كالفاريسكي من مؤسسي حركة "بريت شلوم" ( ميثاق سلام ) الصهيونية اليسارية، التي تأسست في العام 1925، ومن أهم محرري صحيفتها. ولعل كونه من مؤسسي حركة "بريت شلوم" التي كانت تدعو إلى تحقيق أهداف الصهيونية بالتفاهم مع العرب، لأن قادتها كانوا يشككون في مقدرة الصهيونية تحقيق أهدافها بالقوة ضد إرادة العرب، سهل عليه كثيراً في عمله المخابراتي التجسسي ضد العرب(39).

على أثر فرض الانتداب البريطاني على فلسطين في العام 1922 شهدت فلسطين في المرحلة الممتدة من 1923 وحتى 1928 هدوءاً في النضال الوطني الفلسطيني. تمحور عمل " المكتب العربي" برئاسة حاييم كالفاريسكي في هذه المرحلة في مراقبة ومتابعة النشاط الوطني الفلسطيني العام وفي محاولة الوقوف على تجاه تطورات الحركة الوطنية الفلسطينية. علاوة على نشاطه في فلسطين، تابع " المكتب العربي" الأوضاع في البلاد العربية المجاورة لفلسطين، وإن لم يكن بصورة منتظمة.

في عمله التجسسي استخدم "المكتب العربي" في العديد من الحالات صحافيين صهيونيين يعملون في صحف أجنبية، من أجل جمع المعلومات حول العرب. فعند اندلاع الثورة السورية في العام 1925 أرسل "المكتب العربي" الصحافي جرشون اجرونسكي (اغرون)، مراسل صحيفتي الغارديان البريطانية وكريستيان ساينس مونيتور الأميركية، مرتين إلى سورية. وخلال زيارته التقى غرشون أغرونسكي مع القيادات في سورية ثم قدم تقريراً مفصلاً إلى "المكتب العربي" والقيادة الصهيونية. (40)
(34) حول المصاعب المالية التي واجهت "اللجنة الصهيونية" في القدس انظر إلى رسالة ايدر إلى الادارة الصهيونية في لندن بتاريخ 13 آب (اغسطس) 1920 في ملف L3/289 ، في الأرشيف الصهيوني المركزي .

(35) يواف جيلبر شورشي هاحفتسيليت... مصدر سبق ذكره ص 39 .

(36) حول نشاطات وعمل "السكرثاريا العربية" انظر تقارير حاييم كالفاريسكي في ملف 4380 / S25 .

(37) يواف جيلبر شورشي هاحفتسيليت... مصدر شبق ذكره، ص53 .

(38) حول سيرة ونشاط فريدريك كيش راجع مذكراته:يومان ايرتسيسرائيلي، القدس:احياساف 1939 .

(39) للمزيد حول حياة ونشاط كالفاريسكي راجع كتاب يوسف هلير مبريت شلوم ليئحود ( من بريت شلوم إلى ايحود) القدس: الجامعة العبرية, 2003 .

(40) انظر تقرير اجرونسكي إلى كيش حول زيارته إلى سورية في 6 كانون الثاني (يناير) 1926، ملف 3847 / 25 S، الأرشيف الصهيوني المركزي.


نشرت أيضا في مجلة "المستقبل العربي" عدد 357 الصادرة في بيروت