كيف يَسْتملك الفنُّ التشكيلي الإسرائيلي التراثَ الفلسطيني / رحيلا مزراحي*

كيف يَسْتملك الفنُّ التشكيلي الإسرائيلي التراثَ الفلسطيني / رحيلا مزراحي*

قامت الحركةُ الصهيونية، وبعد ذلك دولةُ إسرائيل، بجهودٍ كبيرةٍ لربط ثقافة مهاجريها الأوروبيين بالتراث المحلّي، الذي هو جزءٌ لا يتجزّأ من تراث المنطقة العربية، وذلك في إطار ادّعاء "عودة شعب أصلي إلى وطنه بعد ألفيْ عام." ولذا تبنّت الحركةُ الصهيونيةُ عناصرَ مختلفةً، أصلُها في التراث الفلسطيني؛ أو أنها، بلغةٍ نقديةٍ ما، استملكتْها لمصلحتها.

عامَ 1992 جرى نقاشٌ بين جمهور الفنّ الكندي حول قضية استملاك ثقافةِ شعوبِ شماليّ أمريكا الأصلية، وبُحثتْ في إطاره مسائلُ عدّة مثل: "استخدام كاتبٍ ثقافةً ليست له،" "أيصحّ سردُ قصة الآخر؟،" "أتُمكن سرقةُ ثقافةٍ أخرى؟"... وعلى إثر هذا النقاش حَدّدتْ نقابةُ الكتّاب الكنديين الاستملاكَ الثقافي بقولها: "إنه أخذُ المِلْكِيّة الثقافية والتعبيرات أو النتاج الثقافي، والتاريخِ وطرقِ المعرفة، من ثقافةٍ أخرى، وتحقيقُ الأرباح على حساب الشعب الذي يَمْلك تلك الثقافةَ."1

منذ ثلاثينات القرن الماضي على الأقلّ،2 وثمة باحثون فلسطينيون يُنْجِزون كتاباتٍ تبحث في ظواهرَ ومميّزاتٍ تُشْبه ظواهرَ الخطاب الأكاديمي الغربي ومميّزاتِه في ما يخصّ قضيةَ "الاستملاك الثقافي": أيْ قضيةَ سلب التراث الفلسطيني. وهناك كتاباتٌ كثيرةٌ عن استيلاء الصهيونية وإسرائيل على التراث الفلسطيني،3 مثل مصادرة موادّ غذائية كالحمّص والفلافل وزيتِ الزيتون. كما تمّت مصادرةُ الأزياء، إذ ارتدى الصهاينةُ الأوائلُ ملابسَ فلسطينيةً، واستََخدمتْ شركةُ الطيران الإسرائيلية "إلعال" الثوبَ الفلسطينيَّ المطرَّزَ أساسًا لتصميم ملابسِ مضيفاتها.

إضافةً إلى ذلك تبنّى ملحّنون صهاينة عناصرَ موسيقيةً عربيةً: فأصبحت الدبكةُ جزءًا من الرقص الإسرائيلي الشعبي، بل من الرقص الذي يمثِّل إسرائيلَ في مناسباتٍ دولية. وثمة أدبياتٌ كثيرةٌ عن سلب المكتبات الفلسطينية (الكتب والمخطوطات)، وسرقةِ أرشيف الأفلام الفلسطيني، وسلبِ الآثار.

يبحث هذا المقال، المؤسَّسُ على بحثٍ أشمل، في ظواهر الاستملاك التي تحقّقتْ بواسطة الفنّ التشكيلي الإسرائيلي القانوني/الرسمي، كما تصنّفه المتاحفُ، وصالاتُ العرض، والأكاديميا الإسرائيلية، وكُتُبُ الفنّ التي تُصْدرها مؤسّسةُ الفنّ التشكيلي الإسرائيلي.

كما يبحث في أنماط الاستملاك الثقافي وأُسسه، من خلال أربع قضايا هي: استملاكُ المكان، واستملاكُ روايةٍ ورموزٍ وموتيفاتٍ وعناصرَ ثقافيةٍ، وتخزينُ معارض من إنتاج فنّانين فلسطينيين على يد خازنين إسرائيليين، ودراسةُ الأكاديميا الإسرائيلية لتاريخ الفنّ التشكيلي الفلسطيني وتأليفه وكتابته.
أخذ الفنُّ التشكيلي الإسرائيلي تنفيذَ مصادرة الأمكنة، وتجريدَها من وظيفتها المندرجة ضمن إطار التراث الفلسطيني، وتحويلَها واستملاكَها من أجل خدمة وظيفةٍ إسرائيلية. الحادثةُ الأبرزُ والأكثرُ بحثًًا ربما هي تحويلُ القرية الفلسطينية "عين حوض" إلى مستعمَرة الفنّانين الإسرائيليين "عين هود،" وذلك بعد تهجير سكّانها عبر التطهير العرقي لفلسطين عامَ 1948.

وقد بَحثتْ سوزان سليموفيتش منهجَ مصادرة قرية عين حوض بمضامينه كافةً: أسلوب البناء، والعناصر، وطُرق المعرفة، وتحويلها جميعِها ـ عبر وسائلَ مختلفةٍ ـ من أجل خدمة مستعمَرةِ فنّانين إسرائيليين، واستملاكِها بوصفها آثارًا من حياة الشعب اليهودي في عصورٍ قديمة، وذلك كجزءٍ من الرواية الصهيونية. كما حلَّلتْ سليموفيتش التهجينَ الذي قام به مرسيل يانكو ـ وهو من منشئي حركة "الدادا" الأوروبية الطليعية والحاصلُ على "جائزة إسرائيل" ـ بين أفكار حركة دادا وأفكار الحركة الصهيونية؛ وهما حركتان أوروبيتان بامتياز، تَسْكنان معًا، على نحوٍ متمِّمٍ، في القرية:

"مَنحت الصهيونيةُ حركةَ الدادا حياةً جديدةً، بعد ولادتها في زوريخ، من خلال تأكيد العناصر الملائمة؛ مثلاً من خلال الدعوة إلى العودة إلى عناصر أصلية في الفنّ البدائي، تتلاءم وتعظيمَ الفنّ المحلي، الأمرُ الذي استُخدم لإنتاج فنٍّ قوميّ، يهوديّ وإسرائيليّ. ونتيجةً لذلك، فإنّ تحويلَ فنٍّ وأسلوبِ بناءٍ فلسطينييْن وعربييْن، واستملاكَهما، انسجما تمامًا في عدة إستراتيجيات سياسية صهيونية جوهرية. وفي نظرة إلى الوراء، زََوّدتِ الدادا الصهيونيةََ بذريعةٍ ثقافيةٍ وفكرية، وبنوعٍ من التهكّم العبثي، وبغطاءٍ جماليّ، وظيفتُه حجبُ سلب الحقوق، الذي لا يمكن غفرانُه، عن كلِّ ما كانَ عربيّاً."4

سنستعرض تاليًا عمليتََي استملاكٍ إضافيتيْن، أكثرَ تعقيدًا وخفاءً، هما: مشروعُ يتسحاك دانتسيغر: زراعةُ غابةِ سنديانٍ كفضاء لإحياء ذكرى قتلى الوحدة الخاصة "إيغوز" [الجوز، بالعربية] في الجولان عام 1977؛ ومشروعُ ميخا أولمان "ميسير ـ ميتسير" عام 1972. والمشروعان ينتميان إلى مجال الفن البيئي.

وُلد ماكس فيلهلم يتسحاك دانتسيغر عامَ 1916 في برلين، وهاجر إلى فلسطين عامَ 1923، وانضمّ سنة 1940 إلى قوات البالماح.5 درّس في التخنيون بحيفا، وفي بتسالئيل وعين هود، وحصل على "جائزة إسرائيل." وقد لخَّصَ مُردخاي عومر مشروعَ "زراعة غابة السنديان في الجولان" بالكلمات التالية: "كان ذلك بدايةَ علاقة، بدايةَ 'مقام' [يَستخدم دانتسيغر/عومر المصطلحَ العربيَّ للمكان المقدّس ــ ر.م.] للقتلى والأجيال القادمة على السواء."6 ومثلَ نشاطِ يانكو، تشير سارا برايتبيرغ ـ سيمل إلى العلاقة بين نشاط دانتسيغر، كمنتجِ ميثولوجيا إسرائيلية/صهيونية وكوسيطٍ بين الفنّانين الشباب، وطليعةِ الفنّ الأوروبي في حينه: "مكانتُه [أيْ دانتسيغر] لدى جيل الشباب في البلاد، كخالقِ ميثولوجيا، تذكّرنا شيئًا ما بمكانة الفنّان يوزف بويس، الذي عَرَفه، لدى جيل الشباب في ألمانيا."7

في حزيران عامَ 1967 احتلّت إسرائيلُ الجولانَ السوري الذي قطنه قبل ذلك نحو 130,000 نسمة عاشوا في عشرات القرى والضِّيَع. بعد الاحتلال بقي منهم 6400 نسمة موزّعين على خمس قرى فقط، إذ دَمّرتْ إسرائيلُ القرى التي احتلّتها وأقامت مكانَها مستعمراتٍ يهودية. وفي العام 1977 قام دانتسيغر بـ "تطهير" الجولان من عملية التطهير العرقي ومن تدميرِ القرى، وذلك بواسطة فنّه، وبواسطة أهالي الجنود المقتولين، وكذلك عبر تغطية المنطقة المنكوبة بالأشجار؛ وهي العملية التي استخدمها الـ "كيرين كيميت ليسرائيل" (الصندوقُ القومي الإسرائيلي) استعمالاً منهجيّاً لإخفاء بقايا القرى التي دمّرتْها إسرائيلُ بعد تطهيرها العرقي عامَ 1948. وقد تمّت عمليةُ إخفاء أطلال 1948 بواسطة شجر الصنوبر، الغريبِ عن المنطقة. ولكنْ مع دانتسيغر سنكون إزاء تغطيةٍ أكثرَ ذكاءً، بربطها بشجر السنديان، الذي هو جزءٌ من طبيعة المنطقة، وعنصرٌ من عناصر حضارتها.

وثمة مشروعٌ إضافيّ ذو موقع مركزيّ في تاريخ الفنّ التشكيلي الإسرائيلي، وهو "ميسر ـ ميتسر." فقد حَفر الفنّان الشابّ ميخا أولمان عام 1972 حفرتيْن متشابهتيْن: الأولى في القرية العربية "ميسِر" (وهو تشويهٌ إسرائيلي للاسم العربي "مَيْسَرَة")،8 والثانية في كيبوتس ميتسير. ثم نَقَلَ ترابَ الحفرة الأولى إلى الثانية، وبالعكس، وذلك بمساعدة شبابٍ من القرية والكيبوتس.

ارتبط ميخا أولمان، الذي حظي باعترافٍ دولي، مثل دانتسيغر، بطليعة الفنّ الأوروبي حينه؛ وهو الفنّ المفاهيمي, وفنّ الأرض. وفي المقابل ارتبط بالرواية الصهيونية عن الفلاّح اليهودي، وذلك في إطار مشروع الاستعمار الصهيوني: الكيبوتس.

والحال أنّ تبديلَ التراب بين القرية من جهة، والكيبوتس من جهة أخرى، يَرْمز في الكتابة النظرية إلى عملية تعايشٍ وسلام،9 ويعبِّر عن مذهبٍ سياسي صهيوني يدعو إلى "دولتين لشعبين" وإلى "السلام" مقابلَ الانسحاب من "المناطق المحتلّة" (أي: المحتلّة عامَ 1967). هذه تبدو عمليةَ تعايشٍ ساذجةً، لكنها تحوي فكرًا يتنكّر لرواية احتلال فلسطين عامَ 1948 ولمحوِ قراها ومدنها وتهجيرِ سكّانها. وعليه، فإنّ عمليةَ أولمان قد تكون المثالَ الأكثرَ إحكامًا بين الأمثلة الثلاثة المذكورة.

تصف الباحثة إيلاّ حبيبة شوحَطْ ظاهرةً شبيهةً في أفلام "الموجة الفلسطينية":10 فـ "مع أنّ هذه الأفلام تقترح صورًا متقدّمةً في تاريخ العرض الإسرائيلي للصراع، فإنّها تَعْمل ضمن إطار المقولات العامة للصهيونية." وتشير شوحَطْ إلى مضامين تلك الأفلام النقدية المزعومة التي تُمكِّن من تحصيل الدعم المالي الحكومي لها، وإلى حقيقة أنّ فنّاني السينما هم غالبًا من الأوساط الاجتماعية والأمكنة والأصول الإثنية التي يتمتّع بها أعضاءُ لجان الصناديق الحكومية، ولذلك لم يعدّوهم تهديدًا... بل إنّ لهم، في مسألة الصورة الذاتية، دورًا مهمّاً في نظر المؤسّسة الإسرائيلية، التي تمتصّ جزئيّاً دعمَ الغرب على أساس أنها نموذجُ "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط."11
الجَمل، الصبر، السنديان، الزيت، الغنم، الراعي: أهي حقًّاً ملْكيةٌ ثقافيةٌ فلسطينية؟

تؤكّد روزماري كُومب أنّ القرابة بين قضايا البيئة والثقافة/الحضارة والإقليم مركزيةٌ لفهم قضية الاستملاك الثقافي. وتشدِّد على أنّ اختزالها السطحيّ بمسألة العلامة التجارية، أو بمسألة حقّ النشر والتأليف، يَفشل في عرض جميع مستويات أطروحات الشعوب الأصلية بشأن الاستملاك الثقافي.

وتضيف كُومب أنه لكي نتمكّن من فهم هذه الأطروحات، فثمة حاجةٌ إلى فهم السياق التاريخي للعدوان الثقافي الذي مورس ضدّ الشعوب الأصلية في الماضي. ذلك أنّ ظواهرَ مثلَ احتلال الأرض، وقمعِ الطقوس الدينية، والحرمانِ من تكلّم اللغات الأمّ في الأماكن العامة، ومصادرةِ الآلات التراثية لوضعها في المتاحف، وتدميرِ المقابر، والقبضِ علىِ اللُّقى الأثرية، وتعريفِ تراث الشعب الأصلي على يد أنثروبولوجيين غرباء عنه، تشكّل جميعُها جزءًا جوهريّاً من عملية الاستملاك.12

تتّخذ ظاهرةُ استملاك رواية أو رموز أو موتيفات أو عناصر من التراث الفلسطيني تعبيرًا مباشرًا في الفنّ الصهيوني/ الإسرائيلي المبكّر عبر فنّانين مثل بوريس شاتس، مؤسِّسِِ بتسالئيل ("أكاديمية الفنون في القدس") وريؤوفين روبين (زليكوفيتس)، الذي كان أولَ سفير لإسرائيل في رومانيا، وكلاهما اعتاد ارتداءَ الملابس الفلسطينية... وعبر فنّانين آخرين رَسَموا صورةَ الفلسطيني، وبيتَه، ولباسَه، وآلاتِه، وموتيفاتٍ توراتيةً بصورته، وجعلوها أساسًا للثقافة الصهيونية.

بدأت المؤسسةُ الأكاديميةُ الإسرائيلية منذ التسعينيات تعترف بكلّ وضوح بالتطهير العرقي الذي مارستْه بحقّ أهل فلسطين عام 1948.13 كذلك يُقرّ علماءُ الآثار الإسرائيليون بلاعلميةِ علْمِ الآثار التوراتي (انظرْ كتابات إسرائيل فنكلشتاين، مديرِ كليّة الآثار في تل أبيب، وفيكتور سيغلمان).

كما أنّ مؤسّسة الفنّ التشكيلي الإسرائيلي بدأتْ هي الأخرى تعترف اعترافًا صريحًا باستراتيجية استملاك التراث الفلسطيني على يد الصهيونية. فلقد عَرض معرضُ "كاديما: الشرق في الفنّ التشكيلي الإسرائيلي،" الذي أقيم عامَ 1998 في متحف إسرائيل، ظاهرةَ الاستملاك بكلّ وضوح. وهو يفتخر بالاستخدام النقديّ لأدبيّات إدوارد سعيد ولمصطلح "الاستشراق." وكَتبتْ غراسيئيلا تراختنبرغ: "استُخدمتْ صورةُ العربي وسيلةً من وسائل إعادة 'الماضي اليهودي'؛ ذلك لأنّ العربي اعتُبر كمن حَفظ في تراثه عدةَ عاداتٍ عبريةٍ." وأراد المؤرّخ يعبتس14 تجنيدَ "الماضي اليهودي" كي يجدِّد بواسطته "الحاضرَ اليهودي".15. وكتب يغال تسلمونا: "إنّ إليعيزر بن ـ يهودا [مُحْيي اللغة العبرية] عَدَّ العربَ، والبدوَ على نحو خاصّ، من سلالة قدماء اليهود، وكذلك يهودَ اليمن واليهود الشرقيين، أبناءَ 'الاستيطان القديم'16، كأنهم حافظوا على أسلوب العيش من عصر التناخ (التوراة). لقد أصبحوا جميعًا إشاراتٍ فارغةً وشفّافة عُبِّئتْ بالمضامين الصهيونية حين حوّلتْهم إلى شخصياتٍ توراتية. ومن الجانب الصهيوني، تعبِّّر هذه النظرة عن الفكرة القائلة إنّ الأرض مُنحتْ لمستعمريها اليهود سلفًًا، وإنهم بقوة هذا المنطق يُمْكنهم استملاكُ المكان. أرضُ إسرائيل أصبحتْ نصّاً توراتيّاً. إنّ حقّ الملكية مُنِحَ من خلال التوراة [التناخ]."1718

إلاّ أنّ الباحثة سارا حينسكي، عبر تحليلها لنصّ معرض كاديما، تقول إنه ليس عمليةً نقديةً بتاتًا، بل استمرارٌ مباشرٌ لسياسة الاستعمار الصهيونية ذاتها: "فاستخدامُ مصطلح 'الاستشراق' كما صاغه المفكّر إدوارد سعيد، وكما تبنّاه ستالمونا، على ما يزعم، في سياق الفنّ التشكيلي الإسرائيلي، يُجْبر ستالمونا على الاعتراف ضمنيّاً بأنّ الفضاء السياسي ـ الثقافي في إسرائيل يؤسِّس شبكةَ علاقاتٍ استعمارية [...]. ورغم أنّ كاديما تفتخر بالعملية النقدية، باكتشاف الاستشراق الإسرائيلي وتفكيكه، فإنّ المعرضَ ذاتَه يعمل كتمثيلٍ استشراقيّ نموذجيّ [...]. إنه يَستخدم الفكرةَ الكولونياليةَ بشكلٍ جدليّ وذكيّ: يؤكّد غربويةَ المتفرِّج، من دون أن يمسّ بقاعدته الأخلاقية."19

أ ـ يتسحاك دانتسيغر والحركة الكنعانية. "الحركة الكنعانية" حركةٌ أقامها في نهاية الثلاثينات شعراء وفنّانون، بينهم دانتسيغر وأصدقاؤه من البالماح. يكتب الأديب شلومو شفا:

"لقد تساءلوا: كيف نَحْيا هنا والآن؟!، واستنتجوا أنّ علينا أولاً دمجَ الأرض الإسرائيلية في حياتنا وفنّنا وثقافتنا، وأنّ علينا إنجازَ قفزةٍ نوعيةٍ لكي نعيد إلى أنفسنا أولويةَ الحياة على هذه الأرض. يمكننا أن نرى في دانتسيغر الدليلَ إلى الإنتاج الفني الذي صاغه في صورة الإنتاج الفنّي القديم. لكنه لم يكتفِ بالأبطال القدماء ورموز الطقوس والعبادات، بل أضاف إليهم كلَّ ما بُنيَ وأُقيمَ وصيغَ في 'أرض إسرائيل': يهودي، بيزنطي، صليبي، عربي، وتركي أيضًا. كلّ هؤلاء هم هذه البلاد، كلُّهم لنا، عدنا إليهم، وإنْ كانوا للآخرين، بل وإنْ كانوا بعيدين جدّاً عن حضارتنا أيضًا. الآن هذا المكانُ هو مكانُنا، كلُّ ما كان فيه لنا، جزءٌ من ثقافتنا."20

في محاولة لمنح دانتسيغر وزملائه مكانةَ السكّان الأصليين، يَربط تسالمونا "الحركةَ الكنعانيةَ" وحركاتٍ مماثلةً بالعالم العربي، وبعودتها في أربعينيات القرن الماضي إلى حضاراتِ ما قبل الإسلام.21 ولكنّ واقع الأمر هو أنّ الحركات في العالم العربي أصليةٌ وتَنْبع من المنطقة؛ وأما الكنعانية ـ الصهيونية فخارجية، أيْ جزءٌ من الاستشراق والاستعمار الأوروبي.

كذلك يَزعم تسالمونا أنّ ارتباط دانتسيغر وزملائه بالكنعانية يشكّل "تأكيدَ الحاجة إلى التاريخ والحضارة القديمة للحيّز السامي من دون الوسيط العربي 'الأرض ـ إسرائيلي' الذي استُخدم حتى هذا الحين نموذجًا للتقليد وارتباطًا ممكنًا بالماضي البعيد."22 ويعلِّل الابتعادَ عن الرموز العربية في نهاية الثلاثينيات بأحداث البُراق أو مجزرة الخليل، كما يدّعي الصهاينة، قبل عشر سنين من نشوء الكنعانية.23 لكنّ ثمة إمكانيةً ثانيةً وهي أنّ عمليةَ محو العربي من الفضاء الثقافي ليست إلا إشارةً ورمزًا إلى تبلور الوعي الصهيوني باتجاه محو العربي من الفضاء الجغرافي، أي: التطهير العرقي الذي سينفَّذ في المستقبل.24

ب ـ مِنَشه كدِشمان: راعي الغنم. وُلد منشه كدشمان، الحائزُ جائزةَ إسرائيل، في تل أبيب عام 1932، حيث لايزال يعيش. كان راعيَ غنم في كيبوتسيْ معيان باروخ وكفوتسات يزراعيل بين عاميْ 1950 و1953.25 درس لدى رودي ليهمان في "عين ــ هود،" ولندن. ويتمحور مجملُ إنتاجه، تقريبًا، حول صورة الغنم والراعي. وهو يُعدّ فنّانًا غزيرَ الإنتاج، وجَمَعَ ثروةً طائلةً26 من وراء مشروعه، ألا وهو: رسمُ الغنم. وكجزءٍ من تمثيله الذاتي كفنّان، فقد تشبََّّهَ براعي غنم، واعتاد أن يَظهر بالعباءة الفلسطينية ممسكًا عصا الراعي بيده. هذا، وقد اشترك كَدِشمان في أفضل المعارض الدولية، وإنتاجُه معروضٌ في أهمّ المتاحف في كلّ أنحاء العالم.27

في ما يلي نصٌّ كَتَبه خازنُ المعارض الإيطالي پيير روستاني، يتيح للقارئ فرصةَ متابعة طريقة إدارة نشاط فنّانٍ تَدْعمه مؤسسةُ الفنّ التشكيلي الإسرائيلي، وكيفية استقبال الرأي العامّ الأجنبي لهذه العملية. فحين اشترك كدشمان في بينالي البندقية (1985)، التي أعدّها خازنُ المعارض الإسرائيلي أمنون برزيل، عَرضَ قطيعَ غنمٍ بوصفه مشروعَ فنٍّ بيئيّ. كان ذلك في أعقاب عمليةٍ ارتجاليةٍ للفنّان ولخازن المعارض، اللذيْن أسرعا قبل افتتاح المعرض إلى شراء غنمٍ إيطاليّ لهذا المشروع.

يقول روستاني: "يتأكد كلُّ مَن زار المعرض من نجاح كدشمان الكبير. فكلُّ نقّاد الفن [...] ذكّروني بأنّ كدشمان أحيا، كفنّان، فصلاً من التوراة." ويُطْلق روستاني على كدشمان لقبيْ "المبشِّر" و"المسيح." كدشمان نفسُه يؤكّد الأمرَ بالقول: "سُوقُ التماثيل البيئية الأميركي فَتحتْ أمامي أبوابَها، وكذلك المتاحفُ الأوروبية."28

أمامنا، إذن، مصادرةٌ لصورة من التراث الفلسطيني، هي صورةُ الغنم والراعي الذي يرتدي الملابسَ الفلسطينية ويحمل عصاه، وتحويلٌ سريعٌ للرمز التوراتي بواسطة الرواية الصهيونية عن الراعي في الكيبوتس، واستملاكُه في خدمة المؤسّسة الصهيونية في أنحاء العالم، ليمثّل تراثَ دولة إسرائيل. لكنّ ثمة عنصرًا إضافيّاً في حالة كدشمان هو تحويلُ الصورة المستملَكة بواسطة فنّه إلى بضاعةٍ رائجةٍ تدرّ عليه الأرباحَ الطائلة!

ج ـ يغآل تمَركين: شجر الزيتون. "حاوِلْ أن تحصلَ على شجرة زيتون من فلاّح": هكذا يشكو تمركين في كتابه الذي يوثِّق لتمثاله المصنوع من شجرة زيتون، والذي أَخفق في نصبه في القرية الفلسطينية عرابة. فلقد حاول هذا الفنّانُ عبثًًًا أن يَشْرح للفلاّحين "الجاهلين" أنّ الأمر يتعلّق بتمثالٍ فقط، وأنه لا ينوي سلبَ أرضهم. إلاّ أنّ تجربة الماضي عَلَّمتِ الفلاحَ الفلسطيني أنّ كلّ رمز يُستـملك سيصبح في نهاية المطاف ذريعةً لمصادرة الأرض.

وُلد يغآل تمركين (أو پيتر مارتين غريغور هاينريخ هلبيرغ) عامَ 1933 في ألمانيا. هاجر إلى فلسطين في طفولته، ودرس لدى رودي ليهمان في "عين هود،" وحصل على جائزة إسرائيل عام 2004. قبل النحت بالسنديان والزيتون، أنتج الأنصابَ التذكاريةَ للجيش الإسرائيلي، ونال سنةَ 1972 كتابَ شكرٍ وتقديرٍ من وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك، موشي ديان، على النُّصب الذي أقامه في الأراضي الفلسطينية التي احتلّتها إسرائيلُ لخمس سنوات خلت. في عام 1978 نَصَبَ تمثالاً ثانيًا في تلك الأراضي، وهو برجُ حمامٍ مشكّلٌ من حديدٍ وأسمنت، وذلك ضمن إطار عمليةٍ لليسار الصهيوني: أعضاء كيبوتس نيغبا، ونشطاء حركة "السلام الآن."29

للوهلة الأولى، يُعدّ تمركين جامعَ النقائض، من حيث إعجابُه بالمؤسّسة العسكرية من جهة، ونشاطُه "من أجل السلام" من جهة أخرى! فهل كان مهووسًا بالشخصيات العسكرية والسلاح، ثم تحوَّلَ إلى رجل سلام؟ في فيلم إيليا سليمان، "يدٌ إلهيةٌ" (2002)، يَظْهر جنديٌّ إسرائيلي يرتدي لباسًا عسكريّاً. لكنْ عند حصول عمليةٍ ما ينفتح قميصُه ليكشفَ عن قميصٍ آخرَ، أبيضَ، عليه شعارُ "السلام الآن"! هنا يَكْشف سليمان الجنديَّ المحتلَّ، بعكس سينمائيين آخرين تبنَّوْا طريقةَ التمثيل التي صاغها الإعلامُ الإسرائيلي، والتي تصوِّر الجنديَّ المحتلَّ كدرزيّ أو كيهوديّ شرقيّ من حرس الحدود.30 فسليمان يُظْهره شخصيةً يساريةً أشكينازيةً مزدوجةَ الوجوه: يمارس قمعَ الجمهور الفلسطيني، ويتظاهر في الوقت نفسه من أجل "السلام." وأيضًا: "كان إنتاج 'بيتسالئيل' الفنّي جزءًا لا يتجزّأ من آليةِ إعلامٍ صهيونية."
أ ـ دمجُ رسم الفنّان الفلسطيني الراحل عاصم31 أبو شقرة في معرض "مسارات ترحال." بدأت الهجرةُ القادمةُ من الاتحاد السوفيتي سابقًا مع انهيار النظام الاشتراكي، ونتيجةً للأزمة الاقتصادية الصعبة التي مرّ بها. فقد وصلتْ غالبيةُ المهاجرين في بداية التسعينات، حين ألغيت الإجراءاتُ ضدّ الهجرة إلى إسرائيل (وفي المقابل مُنعت الهجرةُ إلى الولايات المتحدة). كانت تلك هي السنوات الذهبية لكي تحسِّنَ إسرائيلُ "التوازنَ الديموغرافي" في مواجهة سكّان فلسطين الأصليين.32

في الفترة نفسها، وفي عام 1992 تحديدًا، نَظّم متحفُ إسرائيل معرضًا بعنوان: "مسارات ترحال: هجرة ورحلات وانتقالات في الفنّ التشكيلي الإسرائيلي المعاصر." وقد جُنّد لإنجاح هذا المعرض أفضلُ الفنّانين الإسرائيليين، الذين اعُتبروا حينَها "جبهةَ الفنّ المتقدّم،" وكان جلُّهم فنّانين حَظُوا بالاعتراف الدولي. أَعدّت المعرضَ الخازنةُ الشابةُ في حينه سريت شاپيرا، التي أصبحتْ بعد سنواتٍ قليلةٍ خازنةَ المعارض الرئيسة للفنّ التشكيلي الإسرائيلي في متحف إسرائيل.33

تَظهر في كتالوج المعرض لوحةُ الفنّان الفلسطيني الراحل عاصم أبو شقرة34 في لوحةٍ رسمها عام 1986، وفيها يبدو رجلٌ يجرّ بواسطة حبلٍ طائرةَ حربٍ صغيرةً تُشْبه لعبةً.35 لوحة أبو شقرة تَظْهر في فصل بعنوان: "وسائل النقل،" تفتتحه صورةٌ مأخوذةٌ من فيلم كلود لانتسمان "شوءاه" (المحرقة)، فيها قطارٌ وعنوانُ معسكر الإبادة "تريبلينكا."36 العلاقة بين إنتاج أبو شقرة وموضوع المعرض "ترحال وهجرة" تثير أسئلةً عدّة. بل إنّ مصطلح "هجرة،" وعلى خلفية الواقع المأساوي الفلسطيني، يصبح غزيرَ المعاني وذا تداعياتٍ مأساويةٍ لكلّ فلسطيني.

والسؤال الذي يَطرح نفسَه بحدّة: ما وظيفةُ ضمّ أبو شقرة إلى قلب المنظومة الإيديولوجية الصهيونية، في معرضٍ يَعْمل جزءًا من منظومةٍ مجنَّدةٍ لمساندة هجرة المهاجرين الأوروبيين إلى فلسطين، وإلى جانب لوحته صورةُ القطار إلى تريبلينكا؟

هنا لا بدّ من اقتراح مناحٍ محدّدةٍ للتفكير. أولاً: نفي علاقة الفنّان الفلسطيني بالرواية الفلسطينية، بل صهرُه في بوتقة الأتون الإسرائيلي. ثانيًا: المعرض جزءٌ من منظومةٍ تساند خطابَ "التهديد الديموغرافي" الذي هو خطابٌ عنصري؛ فضمُّ أبو شقرة يزيِّن هذا الخطابَ ويجعل المعرضَ تعبيرًا عمّا يسمّى بـ "تعدد الثقافات."37 ثالثًا: المعرض يدور حول فكر فكّ الارتباط بالأرض كما صاغه جيل دولوز وفيليكس غواتري. وها إنّ شاپيرا، بعد فرانتس روزنتسفايغ، تَرْبط هذا الفكرَ بمميّزات اليهودي، في كونه مهاجرًا بلا أرض.38 وهذه الحال إيجابيةٌٌ، ومطلوبةٌ، بل مثاليةٌ لليهودي، من الناحية الثقافية. أما من منظور الفلسطيني، فإنّ ذلك الفكر يُمْكنه أن يحوي معانيَ كارثيةً: كتهجيره من وطنه، وتحويلِه إلى مُهاجرٍ أو، بدقةٍ أكبر، إلى لاجئٍ ومُطارَدٍ في وطنه نفسِه.

وعلى الرغم من أنّ المعرض "مسارات ترحال" يفتخر بالعملية النقدية، أيْ بنقد الرواية الصهيونية ("لنَسْلِكَ أُعطي هذه الأرضَ،" التكوين: 15، 18) وتفكيكِها واقتراحِ فكرٍ بديلٍ هو التّرحال ("أتركْ بلادك،" هناك: 21، 1؛ شاپيرا، 1992، ص 65)، فإنه يعمل هو ذاته كتمثيلٍ صهيونيّ نموذجيّ، وينسجم مع الفضاء السياسي الثقافي الذي يساند "العلياه" في التسعينيات: أيْ يساند الهجرةَ الكثيفةَ لمليون أوروبي إلى فلسطين. إنّ المعرض يستخدم فكرة الهجرة من خلال استخدام المصطلح بشكلٍ جدليّ ومُحْكم: فيؤكّد الروايةَ الصهيونيةَ لدى المتلقّي من دون أن يمسّ بقاعدته الأخلاقية عبر استخدام عمل الفنّان الفلسطيني الراحل عاصم أبو شقرة.

ب ـ معارض إسرائيلية ـ فلسطينية مشتركة، من إعداد المعارض الإسرائيلية وتخزينها وبتمويلٍ أجنبيّ. في نهاية التسعينيات ومطلع القرن الحالي، أيْ في فترة مسيرة أوسلو، أُقيمَ عددٌ من المعارض الإسرائيلية ـ الفلسطينية المشتركة من إعداد المعارض الإسرائيلية وتخزينها، وبتمويلٍ أجنبي، وبمساعدة منظّماتٍ غيرِ حكومية مختلفة، جَمَعَتْ تمويلاً من أجل مشاريع مشتركة من صناديق أوروبية أو أميركية (بل إسرائيلية أيضًا). والحق أنّ نشاطًا من هذا النوع مَيّز غاليري "هينريخ بُلْ" و"هاجر" في يافا، اللذيْن أدارتهما، في نهاية التسعينات وبداية الألفين، خازنةُ المعارض، طال بن تسفي.

يكتب جيمس بتراس: "منذ مطلع الثمانينات أَدركتْ قطاعاتٌ أكبرُ من الطبقات الليبرالية الجديدة أنّ سياستَها عَمّقتِ استقطابَ المجتمع وقادت إلى حصولِ تململٍ واسع. وبدأ الساسة الليبراليون الجدد بتمويل استراتيجية موازية ـ من الأسفل ـ وتشجيع منظّماتٍ جماهيريةٍ تحمل إيديولوجيا 'ضدّ الدولة' بهدف العمل في أوساط طبقات تَحمل بذورَ صراعات، أو يُمْكنها أن تثيرَ صراعات، أو تعمل على خلق 'تماسكٍ اجتماعي'. تعتمد هذه المنظّماتُ ماليّاً على مصادر ليبرالية جديدة، كما أنّها منخرطةٌ في تنافسٍ مع الحركات الاجتماعية السياسية لكسب ولاء القادة المحلّيين والمجتمعات الناشطة. ومع مجيء التسعينيات أُطلق على هذه المنظّمات اسم 'المنظّمات غير الحكومية'، ووصل عددُها إلى الآلاف، وحصلتْ على ما يقارب أربعة بلايين دولار حيثما وُجدتْ في أربعة أرجاء الأرض."39

ويصف جوزيف مسعد40 آليّاتٍ شبيهةً مورستْ خلال مسيرة أوسلو ومحاولة إملاء حلٍّ سياسيّ وفقًا للمصالح الأميركية والأوروبية تكون إسرائيلُ راضيةً عنه بمساعدة خمس طبقات: الطبقة السياسية، وطبقة البوليس، والطبقة البيروقراطية، والطبقة التجارية، وطبقة المنظّمات غير الحكومية. والحال أنّ "المحفِّزات المالية المرتبطة بالانضمام إلى إحدى هذه الطبقات تَكفل ولاءَ الفلسطينيين للمسيرة."41

غاليري هينريخ بُل وهاجرْ، اللذان موّلهما الاتحادُ الأوروبي، و"صندوقُ هينريخ بُلْ" الألماني، و"مفعال هابايس" (مشروعُ اليانصيب الإسرائيلي)، مَنَحتْ منصّةً لمعارض فنّانين فلسطينيين وإسرائيليين أَنتجوا في الإطار الذي حدّده المموِّلون.42 وبهذا فقد مَكَّنتْ من ترقية هؤلاء الفنّانين في الحقل الفني المحلّي والعالمي.

وإذا عدنا إلى كلام روزماري كُومب، التي تؤكّد أنّ العلاقة بين قضايا البيئة، والثقافة/الحضارة، والإقليم، مركزيةٌ لفهم قضية الاستملاك الثقافي، فإنّ غاليري "هاجرْ" جزءٌ من منظومة أوسع لاقتحام الطبقة الإسرائيلية العليا والمتوسّطة لبلدة يافا العربية، في مقابل هدم البيوت وتهجيرِ سكّانها العرب ـ وأغلبُهم من لاجئي القرى المجاورة التي دمّرتْها إسرائيلُ عامَ 1948. غاليري "هاجرْ" أقيم في الوقت الذي أقيم فيه "مقهى يافا" و"المسرحُ العبري ـ العربي" اللذان يقدّمان خدماتهما للإسرائيليين الجدد القادمين إلى يافا. وبالرجوع مجدّدًا إلى ملاحظة كُومب بشأن تدمير المقابر بوصفه أحدَ مميّزات القمع الثقافي، فإنّ مقبرةَ يافا الإسلامية "طاسو" التي دُفن فيها الآلافُ من أهالي يافا، بعدما عانت تنكيلَ المؤسّسات وإهمالَها، بيعتْ في السوق الحرة إلى مقاولٍ خاصّ، يَسمح له بهدمها في أيّ وقتٍ يشاء، ويبني فوقها ما يشاء!43

مميِّزٌ إضافيٌّ تشير إليه كُومب، وهو تعريفُ تراث الشعب الأصلي على يد أنثروبولوجيين غرباء عن هذا التراث. ولبحث هذه القضية سأحتاج إلى تحليلٍ تفصيليّ لنصوص بن ـ تسفي، وكذلك غانيت أنكوري، اللتين سأتناول كتاباتهما في العمق في بحثٍ أشملَ ينظر أيضًا إلى المضامين النسوية.
القضية الرابعة والأخيرة التي سأبحثها هي ظاهرةٌ جديدةٌ نسبيّاً في مجال الفنّ التشكيلي، ألا وهي دراسةُ الأكاديمية الإسرائيلية لتاريخ الفنّ التشكيلي الفلسطيني، وتأليفه وكتابته، وذلك على خلفية القضية التي أثارها المؤرِّخُ والفنّانُ التشكيلي كمال بُلاّطة تجاه الأستاذة الدكتورة غانيت أنكوري من الجامعة العبرية. فبُلاّطة يقول إنّ أنكوري سَرقتْ من أبحاثه الفصولَ الثلاثةَ الأُولى من كتابها عن الفنّ التشكيلي الفلسطيني. وفي أعقاب هذه القضية نَشرتْ "رابطةُ الفنّانين التشكيليين في فلسطين" بيانًا عنوانُه: "هم لا يَسْرقون أرضَنا فقط، وإنما الدمَ والعرقَ والدموعَ أيضًا،" وهو بيانٌ يبحث مسألةَ حقوق الملْكية الفكرية في المناطق المستعمَرة، وكذلك مسائلَ أخلاقيةً في النشاط الأكاديمي.44

أثارت هذه القضية نقاشًا في الصحافة الفلسطينية المكتوبة والإلكترونية بالعربية والإنجليزية. وفي النهاية أَصدرت الرابطةُ ذلك البيانَ الذي تَدْعم فيه بلاّطة، وجاء فيه أنّ الفصول الثلاثة انتحالٌ وتشويهٌ للبحث في تاريخ الفنّ التشكيلي الفلسطيني، وأنّ "علينا أن ندرك أنّ عمليات تغطية الحقائق التي يقوم بها باحثون إسرائيليون، وتولّي الحديث بالنيابة عن الفلسطينيين، وتمريرَ رواياتٍ معدّلةٍ للمنطق الكولونيالي، تسعى اليوم إلى استملاك الإنتاج الفكري، في الوقت الذي تتابع فيه السلطاتُ الإسرائيليةُ الاستيلاءَ على ما تبقّى من أرض الوطن وطمرَ حقائقه التاريخية."

مدماكٌ مهمٌّ يغيب عن هذا السجال، وهو أنّ أُسس عملية الاستملاك هذه قد أُرْسِيَتْ سلفًا. ففي عام 1988 أَنجز كمال بلاّطة، بمشاركة يونا فيشر، معرضًا عنوانُه "هين إفشار"45 [قد يمكن]، يَجْمع أربعةً وعشرين من الفنّانين الإسرائيليين والفلسطينيين "الموحّدين في إرادتهم من أجل السلام" كما يقول كاتالوجُ المعرض. ولقد تنقّل المعرضُ في أرجاء الولايات المتحدة، وفي الجامعات على نحوٍ خاصّ.

وتُرجمتْ مقالةُ بلاّطة في هذا الكاتالوج، وهي بعنوان "فنّانون إسرائيليون وفلسطينيون أمام الغابات،"46 إلى العبرية وظهرتْ في مجلة كاف (10) في زاوية "محاور محلية،" وذلك بجوار مقالة غانيت أنكوري: "خلف الجدار: عن نقاط التماسّ بين فنّ فلسطيني ورسمٍ إسرائيلي مبكّر."47 ويلاحظ فيشر، محرّرُ المجلة، أنّ "محاور محلية" هي زاوية في كاف "مكرّسة للفن الإسرائيلي [...]. وفي حين أنّ مقال أنكوري قد تبلور خلال عمليةِ بحثٍ أكاديميّ بامتياز، فإنّ مقال بلاّطة يختلف في طبعه، ويختلط فيه البحثُ والتفسيرُ مع أبعادٍ دعائية."48 إذن، قبل ثمانية عشر عامًا من قضية أنكوري ـ بلاّطة، حَدّد فيشر بلاّطة وأربعةً وعشرين فنّانًا فلسطينيّاً بوصفهم فنّانين محلّيين، لا فنّانين فلسطينيين، وحَدّد كتابةَ بلاّطة بأنّها اختلاطٌ في "البحث والتفسير مع أبعاد دعائية" وليست كتابةً أكاديمية، وذلك على العكس من كتابات أنكوري "الأكاديمية."

وهكذا، فإنّ الأسس التي تمّ إرساؤها منذ زمنٍ بعيد تُمهِّد المسرحَ لمصادرة الرواية الفلسطينية عن فنّانٍ "محليّ" و"شبه ـ باحث،" بواسطة باحثةٍ "محلية،" ولتحديد كتابة بلاّطة بأنّها مادةٌ غيرُ أكاديمية، لا مرجع،49 ولتحديد أنكوري بأنّها باحثةٌ أكاديميةٌ رائدة!

الجدير ذكرُه أنّ أنكوري حظيتْ عام 2007 بجائزة پولونسكي للإبداع والابتكار في مجال الإنسانيات، وذلك عن كتابها: الفنّ الفلسطيني(!)

الخطف:50 عدة حواشٍ عن أنماط الاستملاك. في الحديث عن الاستملاك في كتالوج "كاديما" تُمكن ملاحظةُ الوضوح التامّ في الاعتراف51 بهذا الاستملاك. كما يلاحَظ الوضوحُ التامّ في الاعتراف بالتطهير العرقي في فلسطين، بما يَمْنح ـ من ثمَّ ـ وهمَ النقد الذاتي. والنمطُ الذي يتكرّر هو على الشكل التالي: تنفيذُ العملية العنيفة (استملاك ثقافي، تهجير سكّان، تدمير بلدات)، ثم إنكارُها مادامت هناك حاجةٌ إلى ذلك، وبعد اعترافٍ من شأنه أن يَمنح عمليةَ الاستملاك الغفرانَ والشرعيةَ، وقبولُ الوقائع التي أنتجتْها العملية.

في نظرة إلى الوراء، يمكن أن نَعتبر ارتداءَ الفنّان الصهيوني للباس الفلسطيني إشارةً إلى التطهير العرقي القادم ورمزًا له؛ أيْ أنّ ارتداء الفنّان الصهيوني اللباسَ الفلسطيني إشارةٌ إلى حذفِ الإنسان واستملاكِ ردائه وملْكِه وأرضِه. كذلك، يمكن أن نعتبر محوَ الحركة الكنعانية لشخصية العروبة من الفنّ الصهيوني وفضائه الثقافي، وهو ما حدث متزامنًا مع بداية التخطيط لتطهير فلسطين من سكّانها الأصليين، إشارةً إلى ما هو قادم: محوُ العربي من الحيّز الجغرافي؛ أي التطهيرُ العرقيُّ القادم.

يشير أمير مخّول في مقاله "لا لوم على تيدي كاتس، 'مكتشفِ النكبة' وناكرِها" إلى نمطِ استملاكٍ جديد، إذ يَسْتملك "مناضلون" إسرائيليون من أجل القضية الفلسطينية سرديةَ النكبة ويستمتعون بأرباحٍ مختلفةٍ وبإمكانية تغيير هذه السردية. يقول مخّول: "لا لوم على الباحث تيدي كاتس الذي بَحَثَ مجزرةَ الطنطورة وأَنكر (الأسبوعَ الفائت) استنتاجاتِ بحثه أمام المحكمة التي نظرتْ في الدعوة التي رفعها جنودُ وحدة إسكندروني التي ارتكبت المجزرةَ إيّاها عامَ النكبة. تيدي كاتس انتقل من موقع 'مكتشف المجازر' وباحث النكبة إلى مُنْكِرِها. إنّ تيدي كاتس [...] هو جزءٌ من المشروع الصهيوني، ومن إعادة إنتاج هذا المشروع: استفاد من كشف مجزرة الطنطورة، واليومَ يستفيد أكثرَ من إنكارها أمام الجهاز القضائي الإسرائيلي."

ويرى مخّول أنّ ذلك هو أيضًا شأنُ "المؤرّخين الجدد، الذين يتحدّثون عن النكبة كما لو أنهم اكتشفوها؛ فهم يتمتّعون بامتيازٍ في دولة إسرائيل، وعندما نتبنّى روايتهم يصبح هذا الامتيازُ تفوقًًا أخلاقيّاً."http://www.badil.org/Arabic-Web/ Publications/Press/2001/press02-01.htm. ويتفق معه كلٌّ من إلياس خوري، "من يسرق الثقافة؟" (القدس العربي، 82/2/6002)؛ ونجوان درويش، "كيف وصل الغزوُ الإسرائيلي إلى الفنّ في فلسطين؟" (الأخبار، 16/9/2006)." href="#footnote52_6aun3fi">52

والحق أنّ ظاهرة الاستخدام المزدوج والمحْكم لنصوصٍ نظريةٍ نقدية، كالتي تشير إليها سارا حينسكي في نصّ يغال تسالمونا، مدّعيةً أنها ليست عمليةً نقدية بتاتًا بل استمرارٌ للسياسة الاستعمارية الصهيونية ذاتها، ليست إلاّ نمطًا أوسعَ بكثير في الكتابة الإسرائيلية في مجال الفنّ التشكيلي. وهذا النمط يَظْهر مجدّدًا عند كتّاب آخرين: باستخدام أنكوري وتراختنبرغ مصطلحَ "الاستشراق" المستعارَ من إدوارد سعيد؛ وباستخدام شاپيرا مصطلحَ المستعارَ من دولوز وغواتري، ومصطلحَ "سيمولاكرا" المستعارَ من جان بودريار؛ وباستخدام بن تسفي وتراختنبرغ مصطلحَ "الحقل" المستعارَ بدوره من پيير بورديو.

ولكنّ الشخصية الأكثر إثارةً في سياق الاستملاك هو يونا فيشر، خازنُ المعارض والمنتِج والكاتب، وهو ذو علاقةٍ بإنتاج كلٍّ من دانتسيغر، وكدشمان، وتَمركين، وشاپيرا، وأنكوري، وبمتحف الآثار في الجولان أيضًا.53 والجدير ذكرُه أنّ فيشر شخصيةٌ مركزيةٌ في الفنّ التشكيلي الإسرائيلي، حصل على جائزة إسرائيل، وأنشأ مشروع "أرتقوكوس" الذي يستضيف شخصياتٍ عالميةً مركزيةً في مجال الفنّ التشكيلي لتسويق الفنّ الإسرائيلي في العالم.

بعد سليموفيتش، عَرف الفنُّ التشكيلي الإسرائيلي دائمًا الدمجَ بين مضامين صهيونية وطليعية في الفنّ العالمي الغربي: كالعلاقات بين ينكو والدادا، وبين دانتسيغر ويوزف بويس؛ والحضورِ الإسرائيلي الكثيف في معارض الدوكومنتا والبينالي الدولية؛ والعلاقاتِ الوثيقةِ بأفضل الغاليريات في نيويورك، وذلك بتدخّل وسطاء يهود أميركيين صهاينة ساعدوا كثيرًا في استيعاب المثقفين الغربيين ـ بمن فيهم أوساطُهم الطليعية ـ للرواية الصهيونية في العالم. أما الرواية الفلسطينية فتَغِيبُ عن البحث الأكاديمي الغربي الذي يتحدّث عن الاستملاك الثقافي، رغم ورود مؤلَّفات إدوارد سعيد مَصْدرًا في كلّ هذه الأدبيات تقريبًا.

النقاش حول الاستملاك الثقافي أو سرقة التراث متطوّر جدّاً في الأدبيات العربية، الفلسطينية خاصة، منذ ثلاثينات القرن الماضي على الأقلّ، مثل مؤلّفات توفيق كنعان في فلسطين ومحمود شاكر في مصر. وهذا النقاش لم يبدأ في التطور في الأكاديميا الغربية إلاّ في الثمانينيات فقط.


1. 1. Rosemary Coombe, The Properties of Culture and the Possession of Identity: Postcolonial Struggle and the Legal Imagination, in Borrowed Power, ed. by Bruce Ziff and Pratima V. Rao (New Jersey: Rutgers University Press, 1997).
2. 2. أنظرْ كتاب توفيق كنعان، قضية عرب فلسطين (القدس، 1936)، ص 39. يكتب كنعان عن الرأي الصهيوني القائل إنّ مكانَ الأقصى هو مكانُ الهيكل، بحسب الموسوعة اليهودية التي ألّفها جوزيف يعكوبس في 1901 ــ 1906.
3. 3. أنظرْ مؤلَّفات توفيق كنعان، وشريف كنعانة، ومنعم حدّاد، وعبد العزيز أبو هدبا، وعوض سعود عوض، ومحمود السطوحي عبّاس، وشكري عرّاف، وعلي الخليلي؛ وشعرَ كلٍّ من محمود درويش، وسالم جبران، وسميح القاسم؛ وكتاباتِ معاصرين جدّاً أمثال: إلياس خوري ونجوان درويش. يجب القولُ إنّ الخطاب الفلسطيني في الكتب والمجلاّت هو جزءٌ بسيطٌ من خطابٍ أوسعَ يجد تعبيرَه في الصحافة اليومية والخطاب الشفهي. مثلاً سميحة خليل، في كلّ مناسبات "جمعية إنعاش الأسرة" التي أدارتها، كانت تَبْحث خطرَ محو التراث الفلسطيني وسلبِه على يد إسرائيل؛ أنظرْ: عبد العزيز أبو هدبا، "التعامل الصهيوني الميداني مع التراث الشعبي الفلسطيني،" التراث الشعبي الفلسطيني ـ جذور وتحديات (الطيبة: مركز إحياء التراث العربي، 1991)، ص 151.
4. 4. Susan Slyomovics, The Object of Memory: Arab and Jew Narrate the Palestinian Village (Philadephia, Pa: University of Pennsylvania Press, 1998)
5. 5. القوى الضاربة في الهاغانا هي التي قامت بالتطهير العرقي عام 1948
6. 6. مُردخاي عومر، يتسحاك دانتسيغر 1916 ــ 1977، متحف تل أبيب للفن التشكيلي والمتحف المفتوح، بستان الصناعة، تيفن، تل أبيب، 1986، ص 108
7. 7. سارا برايتبيرغ سيمل، "لأنّ الأمرَ قريبٌ جدّاً إليكَ،" فقر المادة في الفنّ التشكيلي الإسرائيلي (متحف تل أبيب للفن التشكيلي، 1986)، ص 21
8. 8. أنظرْ ما كتبه شكري عرّاف وعلي الخليلي وآخرون في قضية تشويه أسماء القرى والمدن.
9. 9. إضافةً إلى العلاقة بالصور: القبور، الآثار، خنادق القتال. أنظرْ: سَريت شَاپيرا، مسارات ترحال: هجرة، رحلات وانتقالات في الفن التشكيلي الإسرائيلي المعاصر [كتابة وخزانة: سَريت شَاپيرا]، متحف إسرائيل، القدس، 1991، ص 121؛ يغآل تسلمونا، ميخا أولمان 1980 ـ 1988، متحف إسرائيل، القدس، 1988، ص 6 ـ 8.
10. 10. "الموجة الفلسطينية" في السينما الإسرائيلية هي أفلامٌ تهتمّ بوضع الفلسطيني مثل: "خربة حزعة" لرام ليفي، "الطبق الفضيّ" لجاد نِئيمان، "خماسين" لدنيئيل فاكسمان، "وراء القضبان" لأوري باراباش، "جسر ضيّق جدّاً" لنيسيم دايان، "ابتسامة الجدي" لشمعون دوتان (بحسب دافيد غروسمان)، "إستير" لعموس غيتاي، "إصبعان من صيدا" لإيلي كوهين، والمنتِجُ هو الجيش الإسرائيلي! (تمّ إنتاجُ هذه الأفلام بين العاميْن 1978 و1986).
11. 11. إيلا حبيبة شوحط، السينما الإسرائيلية: تاريخ وإيديولوجيا (تل أبيب: بريروت، 1991)، ص 241 - 243
12. 12. Rosemary Coombe, The Cultural Life of Intellectual Properties: Authorship, Appropriation and the Law (Durham, NC: Duke University Press, 1998), p. 232
13. 13. انظرْ كتابَ بني موريس، نشأة قضية اللاجئين الفلسطينيين 1947 ــ 1949 (تل أبيب: عام عوفيد، 1991)
14. 14. هذا الرأي كان معروفًا لدى للفلسطينيين جيّدًا منذ ثلاثينات القرن الماضي. وعَرفوا أيضًا مؤلَّفات مستشرقين يدعمون الصهيونية مثل ستيث ثومپسون الأميركي، وماكس غرينفلد الذي أقام جمعيةَ الفلكلور اليهودي عامَ 1898، وباحثين صهاينة مثل دوف نوي ويوسف ميوحس وزييف يعبتس
15. 15. غراسيئيلا تراختنبيرغ، "الشرق والمجتمع الإسرائيلي،" كاديما: الشرق في الفنّ التشكيلي الإسرائيلي [خزانة: يغآل تسالمونا، تَمار مانور ـ فريدمان]، متحف إسرائيل، القدس، 1998، ص 36.
16. 16. "الاستيطان القديم" مصطلحٌ صهيونيّ يشير إلى الاستمرار بينه وبين "الاستيطان الجديد" الذي أنتجته الصهيونيةُ، وإلى محاولة استقاء شرعية الثاني من الأول
17. 17. يغال تسلمونا، "إلى الشرق. إلى الشرق؟ عن الشرق في الفن التشكيلي الإسرائيلي،" كاديما: الشرق في الفن التشكيلي الإسرائيلي [خزانة: يغال تسلمونا، تمار منور فريدمان]، متحف إسرائيل، القدس، 1998، ص 49 ــ 52
18. 18. يغال تسلمونا، "إلى الشرق. إلى الشرق؟ عن الشرق في الفن التشكيلي الإسرائيلي،" كاديما: الشرق في الفن التشكيلي الإسرائيلي [خزانة: يغال تسلمونا، تمار منور فريدمان]، متحف إسرائيل، القدس، 1998، ص 49 ــ 52
19. 19. ساره حينسكي، "عينان مغمضتان براحة: عن ظاهرة الأمهقية المكتسبة في حقل الفنّ التشكيلي الإسرائيلي،" ضمن: الكولونيالية وحالةُ ما بعد الكولونيالية، إعداد: يهودا شنهاب (القدس: معهد فان لير، 2004)، ص 259.
20. 20. شلومو شفا، "مكان تحت الشمس،" فن النحت في إسرائيل [إعداد: عموس كينان]، دار نشر المتحف المفتوح، تيفن، 1988، ص 20 ــ 21.
21. 21. تسالمونا، مصدر مذكور، ص 66
22. 22. هناك، مصدر مذكور، ص 16.
23. 23. تسالمونا يشير أيضًا إلى الثورة العربية
24. 24. قال دافيد بن غوريون، مخاطبًا اللجنةَ التنفيذيةَ للوكالة اليهودية، في حزيران/ يونيو 1938: "أنا أؤيّد الترحيلَ القسري، ولا أرى فيه شيئًا غير أخلاقي"؛ أنظرْ: إلان پاپيه، التطهير العرقي في فلسطين، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2007), ص 1. وقد انضمّ دانتسيغر عام 1940 إلى البالماح حين بدأتِ التحضيراتُ للتطهير العرقي لفلسطين، وأجروْا تدريباتٍ عسكرية لاحتلال قرى "ليست أوروبية" (إيلان پاپيه، ص 28)، وكذلك وَثّقوا ملفّاتٍ استخباراتيةً مفصّلةً عن القرى (هناك، ص 26 ـ 30)
25. 25. پيير روستاني، كَدشمان (تل أبيب: دار نشر غوتسمان، بمشاركة متحف تل أبيب للفن التشكيلي، 1996)، ص 34
26. 26. عدنا بن بورات، التي أدارت أعمالَ كدشمان بين السنوات 1995 ـ 2007، تدّعي أنّ ثروته "تقدَّر بعشرات ملايين الشواكل" نتيجةً لإنتاجه الفني. هذه الثروة ليست قليلًة لفنّان إسرائيلي! (دوريت غاباي، صحيفة معاريف، عدد 15 يناير 2008)
27. 27. عامَ 1967 فاز تمثالُه بالمرتبة الأولى في البينالي الدولي للفنّانين الشباب في باريس. وفي عام 1968 اشترك في الدوكومنتا الرابع في كاسل بألمانيا، وعامَ 1977 في الدوكومنتا السادس، وفي عام 1978 اشترك في بينالي البندقية، وفي عام 1985 في بينالي سان ـ پاولو. إنتاجُه معروضٌ في أهمّ المتاحف في كلّ أنحاء العالم، وعلى نحوٍ خاصّ في أوروبة والولايات المتحدة (موردخاي عومر في مقدِّمته لكتاب پيير روستاني، مصدر مذكور، ص 9)
28. 28. پيير روستاني، مصدر مذكور، ص 88.
29. 29. يغآل تَمركين، أشجار، حجارة وقماش في الريح (مسادا، غفعتايم، 1891)، ص 116 ـ 117.
30. 30. أنظر عشرات المقالات لجدعون ليفي في صحيفة هآرتس (منها الصادرة بتاريخ: 22/12/2005، 8/8/2003، 15/9/2007، 11/2/2007، 23/3/2006، 10/2/2004، 24/1/2007، 15/11/2005، وعشرات المقالات لعميره هاس في صحيفة هآرتس (منها المقالات من التواريخ: 4/3/2004، 27/3/2003، 10/1/2006، 9/3/2005، 27/3/2003، 6/3/2005، 8/11/2006، 16/1/2006). وكذلك الفيلم "حواجز" ليوؤاف شامير (2004) الذي فاز بعدة جوائز دولية، وأفلام كثيرة أخرى.
31. 31. اسم الفنّان الراحل هو عاصم أبو شقرة. لكنْ تمّ تشويشُه في الكتالوغ ليصبح: عصام أبو شقرة. تشويشُ اسم الفلسطينيين وقراهم ظاهرةٌ مألوفةٌ في الحياة الإسرائيلية. وهي تشير إلى معانٍ أخرى: سلْب الإنسان من إنسانيتهdehumanization))، وانعدام العلاقة بالمنطقة العربية ولغتها. أنظرْ أيضًا ملاحظة سابقة وردت في الهامش الأول من الصفحة الثالثة في هذه الدراسة
32. 32. أشير كوهين، اليهود وغير اليهود ـ الهوية اليهودية وتحدّي توسيع القومية اليهودية (جامعة بار إيلان، كيتير سفريم: معهد شَلوم هارتمان / كلية القانون، 2006)، ص 29، 42، 78، 149
33. 33. تلميذةُ خازن المعارض يونا فيشر، وخازنةُ المعرض عن مشروعه. سريت شاپيرا معروفة في أوروبة بوصفها مرجعًا مهمّاًً في الفنّ التشكيلي في الشرق الأوسط (تعرّفها مجلةMagazine 3 ، التي دَعَتْها لتكون خازنةَ معرضٍ، بالقول إنها تعدّ مرجعًا أساسيّاً عن الفنّ المعاصر في الشرق الأوسط). بالمناسبة: شاپيرا لا تقرأ أو تتحدّث اللغةَ العربية!
34. 34. كان غاليري "راب" الإسرائيلي قد أعطى المعرضَ هذه اللوحةَ بعد وفاة الفنّان
35. 35. شاپيرا، مصدر مذكور، ص 156.
36. 36. هناك، مصدر مذكور، ص 142
37. 37. "تعدد الثقافات" مصطلحٌ تستخدمه المؤسسةُ الصهيونيةُ بشكلٍ محْكمٍ وانتقائيّ؛ مثلاً: لقبول المهاجرين الجدد.
38. 38. هناك، مصدر مذكور، ص 58
39. 39. جيمس بتراس، "المنظمات غير الحكومية في أميركا اللاتينية،" كنعان، عدد 90، أيار 1998، ص 36 ــ 37. وبالإنكليزيةJames Petras, Imperialism and NGOs in Latin America, Monthly Review, December 1997)
40. 40. عن نقد "المنظمات غير الحكومية" أنظرْ: عادل سمارة (فلسطين)، رضوى عاشور (مصر)، وكلود جاكوين (جنوب إفريقية). المصادر في الصفحة الأخيرة من البحث
41. 41. جوزيف مسعد، Al-Ahram Weekly 18/6/2006
42. 42. مثال إضافي هو دارُ النشر "أندلس،" التي تَرجمتْ أدبًا فلسطينيّاً إلى العبرية بتمويلٍ من الاتحاد الأوروبي. وقد تمّ إغلاقُ دار النشر في تلك الفترة. (كانت الترجمات العربية ـ العبرية جزءًا من اتفاقات أوسلو؛ أنظرْ: حانا عميت ـ كوخافي، "ترجمات الأدب العربي إلى العبرية، خلفيتُها التاريخية ومميّزاتها،" 1999، ص 314)
43. 43. صادقت المحكمةُ العليا في نهاية يناير 2008 على صفقة بيع نصف مساحة المقبرة المسلمة "طاسو" في حيّ أبو كبير، جنوبيّ تل أبيب ـ يافا، لشركة استثمارية (إيتامار عنباري، صحيفة معاريف، 22/2/2008).
44. 44. رابطة الفنّانين التشكيليين الفلسطينيين، رام الله، تموز، 2006
45. 45. اقتباس من قصيدة حايم حيفير، شاعر البالماح
46. 46. عنوانُ قصةٍ للكاتب الإسرائيلي أ. ب. يهوشوع (كاف 10، 1990).
47. 47. مقال أنكوري يعطي انطباعًا بأنّ الرسم الفلسطيني تأثّر بالرسم الإسرائيلي المبكّر. وهذه الفكرة ضعيفة في ضوء حقيقة استملاك الرسم الإسرائيلي للتراث الفلسطيني
48. 48. يونا فيشر، "محاور محليّة" (مقدِّمة المحرِّر)، كاف 10، يوليو 1990، ص170
49. 49. نجوان درويش يكتب أنّ أنكوري تعاملتْ مع المصادر الفلسطينية (مصادر بُلاّطة) كأنها غير أكاديمية (جريدة الأخبار، "كيف وصل الغزوُ الإسرائيلي إلى الفنّ في فلسطين؟،" 16/9/2006).
50. 50. يقول موشيه دايان إنّ إسرائيل اعتادت "خطفَ الأرض." وهو خطفٌ عسكريٌّ بحت يتأسّس على المبدإ التوسّعي الذي دَرَجَتْ عليه إسرائيلُ، منذ نشأتها الأولى، من خلال "تغيير خطوط اتفاقيات وقف النار، بعمليات عسكرية أقلّ من الحرب؛ أيْ أن نَخْطف أيةَ قطعة أرض، ونسيطرَ عليها، حتى ييأسَ العدوُّ ويمنحَنا إيّاها"؛ علي الخليلي، من الورثة الرواة: من النكبة إلى الدولة (عكّا: الأسوار، 2001، ص 195). يبحث علي الخليلي هذا النمطَ في الفصل الخامس "الخطف" من كتابه. شلومو شفا يردّد المبدأَ نفسَه في حديثه عن دانتسيغر والكنعانية: "الآن هذا المكان هو مكاننا، وكلُّ ما كان فيه لنا."
51. 51. يقول ميشل فوكو: "أصبح الاعترافُ إحدى التقنيات الغربية الأكثر تقديرًا لإنتاج الحقيقة." أنظر: Michel Foucault, The History of Sexuality, Vol. 1: An Introduction (NY: Random House, 1978), p. 59
52. 52. أمير مخّول، بديل، المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، 03/02/2001، http://www.badil.org/Arabic-Web/ Publications/Press/2001/press02-01.htm. ويتفق معه كلٌّ من إلياس خوري، "من يسرق الثقافة؟" (القدس العربي، 82/2/6002)؛ ونجوان درويش، "كيف وصل الغزوُ الإسرائيلي إلى الفنّ في فلسطين؟" (الأخبار، 16/9/2006).
53. 53. فيشر، كاف، 9، 1989، ص 86 ـ 87