نُخـب إسرائيلية نقدية تطرح سيناريوهات للمستقبل (3 – 4)/ أنطـوان شلحـت

نُخـب إسرائيلية نقدية تطرح سيناريوهات للمستقبل (3 – 4)/  أنطـوان شلحـت

(*) لدى متابعة ما تفكر به النخب الإسرائيلية المختلفة في الآونة الأخيرة، وهو ما بدأنا به في الحلقتين السابقتين، لا بُدّ من ملاحظة أن طابع المجتمع الذي ينبغي التطلع إلى بنائه في إسرائيل هو أيضًا مثار جدل يستقطب اهتمام النخب الأكاديمية الإسرائيلية، وخاصة النخب النقدية.

وبغية توضيح جوانب معينة لهذا الجدل، الآخذة في التبلور أكثر فأكثر في الفترة الأخيرة، نتوقف عند ما يقوله بعض هؤلاء.

نبدأ بالبروفسور نمرود ألوني، وهو نجل الوزيرة الإسرائيلية اليسارية السابقة شولاميت ألوني، ويعمل محاضرا كبيرًا في الفلسفة التربوية في كلية إعداد المعلمين "سمينار الكيبوتسات" في تل أبيب، ورئيسا لـ "معهد الفكر التربوي" ولـ "كتدرائية اليونيسكو للتربية الإنسانية"، كما أنه يشغل منصبي رئيس "مؤتمر تل أبيب للتربية المتقدمة" ومدير قسم آداب المهنة التربوية في "مركز آداب المهنة في القدس"، وقد وضع بضعة كتب ومؤلفات حول التعليم الإنساني والحواري، وعمل في السنوات الأخيرة أيضا في حقل الإرشاد التربوي في المدارس التجريبية وغيرها.

يؤكد ألوني، في دراسة جديدة اطلعنا أخيرًا على ملخص لها، أن إسرائيل تقف الآن أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تكون عنصرية أو متعددة الثقافات. ويتجلى هذا المفترق، على صعيد السياسة الداخلية، في نظرة أو موقف الأكثرية اليهودية تجاه الأقلية العربية، أمّا على الصعيد السياسي العام، فإنه يتجلى في الموقف إزاء مسألة دولتين لشعبين، إسرائيل وفلسطين.

وفي رأيه فإن أحد المحكات لمعرفة "من نحن، أي هوية نريدها لأنفسنا، وما الذي يتطلب تقديم كشف حساب حوله؟"، يتمثل في التمييز بين العنصرية والتعددية الثقافية. إن العنصرية، في رأيه، هي موقف يخلع على مجموعة سكانية محدّدة - على أساس العرق، الجنس، الدين، القومية أو الطائفة- صفات الدونية، التخلف أو ميول سيئة ومعيبة. والعنصرية كموقف تنبثق عنها في الغالب أيضاً العنصرية كسياسة: معاملة تقوم على التمييز، الفصل، القمع، الإذلال، أو المس المنهجي بالحقوق وبالفرص في توافر حياة إنسانية كاملة وكريمة. كما أن موقف أو مفهوم التعددية الثقافية يعترف أيضاً بالاختلاف والتمايز الكبير القائم بين سمات ومصالح المجموعات الثقافية، لكنه، وخلافاً للعنصرية، يلتزم بمنح سائر المجموعات الثقافية مساواة في الحقوق والفرص، ومن ضمن ذلك تنمية التقاليد والهويات الخاصة لكل مجموعة، طالما جرى الحفاظ على القواعد الأساس للنزاهة الديمقراطية والتعددية الثقافية.

وتعتبر إسرائيل، في عرفه، دولة متعددة الثقافات. وإن أحد أهم عناصر الاختلاف لدى مواطني إسرائيل يقوم على أساس قومي، بين الأكثرية اليهودية والأقلية العربية. وهناك عناصر اختلاف أخرى قائمة داخل المجموعة القومية اليهودية ذاتها، مثلاً بين الطوائف المختلفة، وبين العلمانيين والمتدينين أو المتدينين المتزمتين (الحريديم). كذلك أيضاً داخل الجمهور العربي، بين المسلمين والمسيحيين والدروز والشركس. ومن بين سائر المجالات والاختلافات البين ثقافية في إسرائيل، نجد أن الاختلاف القومي هو الذي يشكل فقط التحدي الذي يتطلب من المجتمع الإسرائيلي الحسم والاختيار بين العنصرية والتعددية الثقافية. في باقي الحالات كافتها يقضي الإجماع في المجتمع الإسرائيلي بأن التمايز البين ثقافي يجب أن لا يشكل عائقًا أمام معاملة متساوية للجميع، أما في المجال بين اليهود والعرب فنجد أن الموقف العنصري الذي يطعن في طبيعة وولاء العرب في إسرائيل، بل ويدعو إلى وجوب العمل على تقليص الحقوق والفرص المكفولة لهم كمواطنين، يكتسب شرعية أكثر فأكثر. إن الإدعاء المعلن ضد هؤلاء العرب يصر على أنهم جمهور معاد وغير موال لدولة إسرائيل، هذا بطبيعة الحال من وجهة نظر الأكثرية اليهودية التي تشخص مصلحتها مع مصلحة الدولة ("الدولة أنا"). وهذا الفهم له ما يبرره ما دام بقي مرتكزًا إلى تفسير معين لإسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وهو التفسير الذي يعطي مكوّن "اليهودية" وزنا أكبر من مكوّن الـ "ديمقراطية". لكن في المقابل، إذا أعطي وزن متساو لمكونّي اليهودية والديمقراطية، فإن دولة إسرائيل ستغدو عندئذٍ وطنا قوميا للشعب اليهودي وفي الوقت ذاته أيضا دولة جميع مواطنيها. ووفقا لهذا التفسير فإن الحق الزائد الوحيد للجمهور اليهودي يتمثل في "قانون العودة" المكفول بصورة أوتوماتيكية لليهود فقط، وذلك "لاعتبارات العدالة التاريخية والتفضيل التصحيحي"... وبحسب هذا التفسير أيضاً فإن دولة إسرائيل هي بيت ووطن مواطنيها العرب، بدرجة لا تقل عن مواطنيها اليهود. فضلا عن ذلك فإنه لا يمكن لأي ذي بصيرة واستقامة أخلاقية أن يفكر أو أن يتصور بأن الأقلية العربية في إسرائيل تستطيع التماثل مع فكرة الدولة اليهودية والديمقراطية. فأبناء هذه الأقلية لا يستطيعون أن ينشدوا بتأثر وحماسة النشيد الوطني الإسرائيلي، لسبب بسيط وهو أن (نشيد) "هتكفا" (الأمل) هو ليس أملهم على الإطلاق. والأنكى من ذلك هو ما يظهره بعض اليهود ممن هاجروا حديثا إلى البلد، من صفاقة وتبجح وفظاظة حين يشككون بوقاحة في مواطنة مواليد وسكان البلد العرب الأصليين، وفوق ذلك يطالبونهم بصك ولاء لفكرة الدولة اليهودية. بعبارة أخرى، طبيعي تمامًا أن يرغب المواطنون العرب في رؤية إسرائيل دولة متعددة الثقافات لجميع مواطنيها، كما من المنطقي والمنصف تمامًا أن يرغبوا في أن يكون لروايتهم الثقافية أيضاً تعبير مركزي ومحترم في المجتمع الإسرائيلي.
وكما في أي مجتمع ديمقراطي ومتعدد الثقافات، فإن المعيار الوحيد للولاء المدني هو المحافظة على القانون والتمسك بقواعد النزاهة الديمقراطية والتعددية الثقافية، والامتناع من القيام بأعمال عنف كوسيلة لدفع وتحقيق أهداف سياسية.

وهو يضيف: إن الذين يرون أنفسهم صهيونيين ويتماهون مع الموقف الذي طرحته أعلاه بشأن حق اليهود في وطن قومي في إطار دولة ذات سيادة، لا مفر من اعتبارهم عنصريين إذا كانوا ينكرون ما يطالبون به لأنفسهم على الشعب الآخر الذي يعيش معهم وإلى جانبهم- الشعب الفلسطيني. فإذا ما قبلنا بالحقائق المتمثلة في أن يكون وجود العرب الفلسطينيين مواطني إسرائيل في منزلة أقلية قومية وثقافية، من جهة، وأن هناك من جهة أخرى بضعة ملايين من الفلسطينيين الذي يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات يطالبون بحق تقرير المصير في إطار دولة ذات سيادة، فإن الإمكانيات المتاحة أمامنا تنحصر عندئذٍ في إمكانيتين لا ثالثة لهما: إما تطبيق حل "دولتين لشعبين"، إسرائيل وفلسطين، وإما تكريس الاحتلال ومن خلال ذلك تكريس مكانة الفلسطينيين في واقع من القمع والتمييز في إطار نظام فصل عنصري - أبرتهايد.

وهذا لا يعني برأيه أن إسرائيل ملزمة بانسحاب فوري من مناطق الضفة الغربية من دون اتفاقات أو تسويات تضمن السلام والأمن، لكن مجمل النشاطات التي تكرس واقع السيطرة العسكرية الإسرائيلية، وفي صلبها تعزيز وتوسيع الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية، ليس لها من وصف سوى رفض خيار دولتين لشعبين. من هنا فإن النظرة إلى الفلسطينيين كأناس دونيين ومتخلفين لا يستحقون التمتع بحقوق إنسانية كاملة كباقي الشعوب، تعني موقفا عنصريا.



لئن كان ألوني يتحدث بصيغة من شأنها أن تحيل إلى الاحتمالات في المستقبل المنظور أو ربما البعيد، فإن أكاديميًا إسرائيليًا نقديًا آخر، هو الدكتور نيف غوردون، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة بن غوريون في بئر السبع، يؤكد في مقال نشره في صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" الأميركية، في شهر آب الماضي، ودعا فيه إلى مقاطعة إسرائيل اقتصاديا، احتجاجا على استمرار الاحتلال والاستيطان، وعلى رفض حكومة إسرائيل تجميد الاستيطان، أنه يجب انتهاج إستراتيجيات نضالية غير عنيفة من أجل إنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية، واصفا النظام في إسرائيل بأنه نظام أبرتهايد، أو فصل عنصري، لأسباب كثيرة ليس أقلها خضوع الإسرائيليين إلى منظومة قوانين معينة، وخضوع الفلسطينيين إلى منظومة قوانين أخرى ومختلفة.

وفي دراسة أخرى نُشرت قبلاً في مجلة علم الاجتماع الإسرائيلي وظهرت ترجمتها العربية في العدد 35 من مجلة "قضايا إسرائيلية" الفصلية الصادرة حديثًا عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار في رام الله، يشير غوردون إلى أن تفحص تاريخ الاحتلال الإسرائيلي منذ سنة 1967 يكشف عن متغيرات حدثت في وسائل السيطرة التي مارستها إسرائيل في المناطق (المحتلة) على مرّ السنوات. وقد قبعت أسباب مختلفة في أساس هذه المتغيرات، لكن ما يدعيه هو أن الظواهر الجانبية والتناقضات الناجمة عن استخدام وسائل السيطرة المختلفة شكلت قوة مركزية أدت إليها. فمن جهة، استخدمت إسرائيل طائفة متنوعة من الأجهزة والآليات والأساليب بهدف تطبيع الاحتلال وقمع الهوية الوطنية الفلسطينية وتفكيك المجتمع الفلسطيني. ومن جهة أخرى، فإن الكثير من وسائل السيطرة أفرزت ظواهر جانبية وتناقضات ساهمت بالذات في تعزيز الهوية الوطنية والوحدة الفلسطينية. ويستدل من هذا التحليل التاريخي أن وسائل السيطرة ذاتها أدّت دورًا مهما في تشكل وبلورة المقاومة، التي صاغت بدورها سياسة إسرائيل الاحتلالية، والتي انبثقت عنها قراراتها في نقل التأكيد من أحد أنواع القوة إلى نوع آخر. وهذه الظواهر الجانبية والتناقضات أدت في مرحلة معينة إلى تغيير عميق أكثر أفضى إلى استبدال المبدأ الموجه للاحتلال، من مبدأ الاستعمار إلى مبدأ الفصل. ويقصد بـ "مبدأ الاستعمار" ذلك الشكل من السلطة أو الحكم، الذي يحاول المحتل بواسطته إدارة حياة الخاضعين للاحتلال وفي الوقت ذاته استغلال موارد المنطقة المحتلة. فالقوى الاستعمارية لا تحتل عادة الأراضي من أجل السيطرة على المجموعات السكانية المحلية، ولكنها تضطر في النهاية إلى إدارة حياة السكان للتسهيل على نفسها في مهمة استغلال الموارد. وبعد حرب "الأيام الستة" (حرب حزيران 1967) أخذت إسرائيل على عاتقها المسؤولية عن مصير السكان الخاضعين للاحتلال، وشرعت في تفعيل المؤسسات المدنية المركزية التي تدار بواسطتها حياة المجتمعات العصرية. في المقابل بدأت (إسرائيل) باستغلال قوة العمل الرخيصة وبمصادرة الأراضي ومصادرة المياه الفلسطينية التي كانت أهم مصادر الطبيعة في المنطقة. كما أن التناقضات والظواهر الجانبية الناجمة عن وسائل السيطرة أفضت في مرحلة معينة إلى اندلاع الانتفاضة الأولى، والتي أدركت إسرائيل خلالها أن مبدأ الاستعمار لم يعد يصلح للاستخدام كمبدأ مبلور وموجه لسيطرتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، فشرعت في البحث عن مبدأ آخر يمكنها من مواصلة الاحتلال. وقد تبين أن التطلع إلى تطبيع الاحتلال وقمع الوطنية الفلسطينية، بمساعدة سلسلة من أجهزة وآليات الضبط المسنودة عند الضرورة بقوة الذراع، ليس واقعيًا. وبعد مرور بضع سنوات تبلورت سياسة واضحة، اعتمد بموجبها مبدأ الفصل. وخلافاً لمبدأ الاستعمار، الذي نوقش بصراحة في أحيان نادرة فقط، فقد نوقش مبدأ الفصل مرارًا وتكرارًا. ولعل العبارة التي تجسد هذا المبدأ الأخير، أكثر من أي شيء آخر هي عبارة "نحن هنا، هم هناك" المنسوبة إلى إيهود باراك، و"نحن" تعني الإسرائيليين (اليهود) بينما تعني "هم" الفلسطينيين، كما سنوضح في الحلقة المقبلة والأخيرة من هذه المتابعة.