وقائع سيطرة اليمين على إسرائيل (3-4)/ أنطـوان شلحـت

وقائع سيطرة اليمين على إسرائيل (3-4)/ أنطـوان شلحـت

[نص الفصل الخاص بالمشهد السياسي الإسرائيلي الداخلي في "تقرير مدار الإستراتيجي 2011: المشهد الإسرائيلي 2010" والصادر مؤخرًا عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار]

 

هل إسرائيل ماضية

نحو الفاشية؟

 

في ضوء ما تقدّم كله دار في إسرائيل في أواخر العام 2010 سجال ساخن فيما إذا كانت سائرة نحو الفاشية أم أنها أصبحت دولة فاشية؟. وخصص الملحق الأسبوعي لصحيفة "يديعوت أحرونوت" حيزًا كبيرًا من عدده الصادر في 15 تشرين الأول 2010 لهذا الموضوع. ورأت الأغلبية العظمى من المفكرين والأكاديميين الذين استمزجت آراؤهم أن الوضع الراهن يشير إلى أن الدولة الإسرائيلية لم تصل إلى الفاشية وإنما هي تسير نحوها وبسرعة. والأدوات، الظاهرة للعيان، المستخدمة في ترسيخ التمييز والعنصرية ومعاداة الليبرالية، تتمثل في ما يلي: سنّ مجموعة قوانين (عنصرية)؛ تشكيل حركة فوقية لليمين الإسرائيلية، هي حركة "إم ترتسو"؛ تشكيل مؤسسات مثل "معهد الإستراتيجيا الصهيونية"، الذي يضم قادة المستوطنين وكبار الوزراء الإسرائيليين؛ أداء وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي يشارك الكثيرون من صحافييها في الحملة اليمينية على العرب والليبراليين اليهود، مثلما حدث في ملاحقة المسؤولين عن "الصندوق الجديد لإسرائيل".

وقالت عضو الكنيست السابقة وعميدة مدرسة الحكم والمجتمع في الكلية الأكاديمية تل أبيب- يافا، البروفسور نعومي حزان، إن "ما يمكن قوله بكل تأكيد هو أنه توجد حاليًا في إسرائيل توجهات فاشية مقلقة. والتعبير المركزي عنها يتمثل في عدم وجود جدل شعبي مفتوح وإنما عكس ذلك، فهناك قوى تعمل طوال الوقت على تقليصه. ويتحدثون عمن هو وطني أكثر وعمن هو وطني أقل. ولا يوجد جدل حول المضامين والأفكار وإنما عن الولاء والإخلاص (لإسرائيل)".

وأضافت أن "الدولة تمر بتغير جوهري، ولا أحد ينتبه إلى ذلك. فحملة انتخابية يكون شعارها ’لا مواطنة من دون ولاء’ (حملة أفيغدور ليبرمان) هي حملة عنصرية. وعندما تمر حملة كهذه مرور الكرام فإننا نصل بسهولة إلى تشريعات عنصرية... وعندما تتدهور الأمور لن يتمكن أحد من وقفها".

من جانبه اعتبر البروفسور روبرت فاكستون، الذي وصفته "يديعوت أحرونوت" بأنه من كبار الباحثين في موضوع الفاشية، أن تصاعد النزعات اليمينية والقومية المتطرفة في إسرائيل يأتي في إطار "ردات الفعل الإسرائيلية على الانتفاضتين (الفلسطينيتين)". واعتبر أن "الهوية القومية الإسرائيلية كانت مرتبطة بشكل وثيق جدا باحترام حقوق الإنسان... لكن هذا التوجه وهن لسببين: أولاً، التشدد في المواقف في مقابل التعنت الفلسطيني؛ ثانيًا، انتقال مركز الثقل بين السكان من اليهود الأوروبيين، الذين كانوا حاملي راية التراث الديمقراطي، إلى اليهود من شمال إفريقيا وأماكن أخرى في الشرق الأدنى الذين لا يبالون بهذا التراث". رغم ذلك إلا إنه يرى أن "نموذج الفاشية الذي من المحتمل أن ينشأ في إسرائيل هو نموذج الفاشية الدينية، إذ إن الفاشية الكلاسيكية تنفر من الدين وتتطلع إلى أحذ مكانه كمركز قوة وحيد".

وتطرق رئيس "مركز هيرطمان" الحاخام الدكتور دانيئيل هيرطمان إلى تعديل قانون المواطنة. وقال لـ "يديعوت أحرونوت" إنه "لا توجد علاقة بين قسم الولاء واليهودية، وإنما بين قسم الولاء والحاجة إلى السيطرة. والجدل حول قانون الولاء يخلق وضعا فاسدا: بدلا من أن تستخدم اليهودية لانتقاد القومية، فإنها تحولت إلى أداة يتم الوصول عن طريقها إلى الفاشية".

وأشار المؤرخ البروفسور زئيف شطيرنهل إلى أن "المفهوم القاضي بأن لدينا حقوقا لا يكتسبها الآخرون هو وليد مباشر للاحتلال (في 1967). رغم ذلك فإن علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فأمور كهذه كانت موجودة في الثلاثينيات والأربعينيات أيضا (بين الحركات الصهيونية). والاعتقاد أنه لا يوجد للعرب حق في البلاد هو اعتقاد راسخ بشكل عميق في الفكر السياسي اليهودي". وشدّد على أن "اليمين المتطرف الإسرائيلي موجود في الطريق نحو الفاشية، وهو ليس ملزما بالوصول إلى هناك، لكنه في الطريق... وبالمناسبة فإن الأنظمة التي لم تعتبر فاشية في أميركا الجنوبية مثلا كانت أكثر وحشية ودموية من موسوليني" (الزعيم الفاشي الإيطالي).

ولخصت البروفسور نعومي حزان الجدل بشأن الفاشية في إسرائيل بالقول إنه "في البداية تمت مهاجمة العرب، لكنني لست عربيا فسكتّ. بعد ذلك هاجموا ناشطي حقوق الإنسان، لكنني لست كذلك فسكت. وبعد ذلك هاجموا الأكاديميين... وهكذا دواليك. وفي نهاية المطاف ستصل التهجمات إلينا جميعا، لكن الوقت سيكون متأخرا. ولن يتمكن أحد من النهوض والتحدث ورفع صوته من أجلنا. وهذه هي الفاشية بالضبط".

 

 

 

تحركات ومبادرات مضادة

 

كان أبرز تحرّك ضد الهجمة الحكومية على الحريات الديمقراطية هو مظاهرة تحت شعار "الفاشية لن تمر" جرت في تل أبيب يوم 15 كانون الثاني 2011 ووصفتها وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنها "أكبر تظاهرة للقوى الديمقراطية تشهدها إسرائيل منذ بضعة أعوام" (20)، وجاءت المبادرة إليها من طرف عدة قوى بينها الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وحزب ميرتس وجمعية حقوق المواطن، واشترك فيها أعضاء كنيست من حزب كاديما.

وبمبادرة من جمعية حقوق المواطن أطلقت أربع منظمات في إسرائيل، في أيلول 2010، مشروعًا اسمه "مشروع الديمقراطية" يهدف إلى أن "تشكِّل المحافظة على الديمقراطيّة فرصة كي تصبح القيم الكونيّة مصدرًا للتماثل المشترك من دون التنازل عن الهوية الفرديّة أو الدينيّة أو القوميّة أو الجندريّة أو الطبقيّة أو غيرها".

وهذه المنظمات هي: جمعية حقوق المواطن؛ أجندة- المركز الإسرائيلي للإستراتيجية الإعلامية؛ شتيل- خدمات دعم ومشورة لمنظمات التغيير الاجتماعي؛ سيكوي- الجمعية لدعم المساواة المدنية.

وجاء في بيان التعريف بهذا المشروع أنه يهدف إلى التذكير بما يلي: أن ثمّة قواعد في اللعبة الديمقراطيّة لا يمكن الاستهتار بها، وحريٌّ بنا ألا نعتبرها مفهومة ضمنيًّا؛ أن الفضاء الديمقراطيّ المفتوح هو مصلحة جليّة للجميع؛ أن بمقدورنا النضال من أجل الديمقراطيّة أمام هذه النزعات التي تتهدّدها، وعلينا تحمُّل مسؤوليّة هذا الأمر.

ووفقًا للبيان فإن من المتعارف عليه التمييز بين مفهومين أو بُعدين للديمقراطيّة: الديمقراطيّة الشكليّة والديمقراطيّة الجوهريّة. ويقتصر تعامل البعد الشكليّ على طرائق اتخاذ القرارات في الدولة؛ وبحسب المفهوم الشكليّ فإنّ الديمقراطيّة هي نظام يقترع فيه جميع المواطنين (من سن معيّنة) بحريّة، مرّة كل بضعة أعوام، ليختاروا ممثّليهم في السلطة؛ في الفترات الواقعة بين دورة انتخابات وأخرى يدير الممثلون شؤون الدولة بناء على حسم الأغلبيّة. وحكم الأغلبيّة هو القيمة العليا في الديمقراطيّة الشكليّة، المحدودة. أمّا حقوق الإنسان (ولا سيما تلك التي تخصّ الأقلّيّة)، فتتعلّق - إلى مدى بعيد- بحسن نيّة الأغلبيّة. لكن الحفاظ على المبادئ الشكليّة لوحدها لا يضمن وجود الديمقراطيّة الجوهريّة. لقد نما مفهوم الديمقراطيّة الجوهريّة وتَبَلْوَرَ من وجهة النظر القائلة إنّ الدولة قائمة من أجل الناس الذين يعيشون فيها، لا العكس. وتنصّ هذه الوجهة على أنّ القاعدة الأخلاقيّة للنظام الديمقراطيّ مرهونة بتحقيق قيم حقوق الإنسان والمواطن- من خلال الاعتراف بقيمة الإنسان وكرامته، وبكونه مخلوقًا حرًّا، وبالمساواة بين بني البشر، وبأنّ لكل إنسان حقوقًا أساسيّة، لكونه إنسانًا. ويتعامل المنهج الجوهريّ مع الذود عن حقوق الإنسان كعنصر أساسيّ في النظام الديمقراطيّ. وبحسب هذا التوجّه، فإنّ الصراعات بين الذَّوْد عن الحقوق وحسم الأغلبيّة هي تعبير طبيعيّ وجوهريّ عن عنصرين ديمقراطيّين حيويّين.

وذكرت صحيفة "معاريف" (12/1/2011) أنه يجري العمل منذ بضعة أشهر على إقامة حركة جديدة في صفوف اليسار الإسرائيلي تحمل اسم "المعسكر الديمقراطي". ويقف في طليعة المبادرين إلى إقامة هذه الحركة كل من رئيس الكنيست الأسبق أبراهام بورغ (من حزب العمل سابقًا) وعضو الكنيست دوف حنين (من الجبهة الديمقراطية) وعضو الكنيست السابق موسي راز (من حزب ميرتس). وقد التقى هؤلاء الثلاثة كثيرًا في الآونة الأخيرة وقالوا إن الهدف من لقاءاتهم هذه هو "إعادة الديمقراطية إلى إسرائيل".

وقال بورغ لصحيفة "معاريف" إن "الديمقراطية في إسرائيل أصبحت في خطر كبير، خاصة في ظل الهجوم الكاسح الأخير على أعضاء الكنيست اليساريين وعلى المنظمات اليسارية ومنظمات حقوق الإنسان وعلى المواطنين العرب، ولذا فإننا سنحاول أن نبني شبكة أمان سياسية تتصدى لأي عملية هجوم على الديمقراطية". ويؤكد بورغ أنه من السابق لأوانه الحديث عن إقامة حزب يساري جديد يخوض الانتخابات العامة في إسرائيل، لكنه يشير إلى أن هذا ربما يكون الهدف النهائي لهذه الحركة. ويدعي عضو الكنيست دوف حنين أن الهدف ليس إقامة حزب جديد، لكنه يقرّ أنه "في نهاية المطاف يمكن أن يٌقام إطار ثابت ودائم".

وترى مصادر قانونية مهنية أن قرار الكنيست القاضي بإقامة لجنة تحقيق لـ "كشف" الحقيقة وراء منظمات حقوق الإنسان في إسرائيل، إنما يهدف عمليا إلى طمس وإخفاء الحقيقة.  فالهدف الواضح، بل والمعلن لهذه اللجنة، هو تمكين الدولة من إخفاء معلومات لا ترغب في كشفها.  كما أن ما يسعى إليه المبادرون والمؤيدون للجنة التحقيق البرلمانية، هو ليس الحقيقة وإنما نزع شرعية المنظمات الحقوقية وإحباط قدرتها على العمل والنشاط، وعليه فإن نزع الشرعية هذا سيشكل رافعة لعمليات وإجراءات نزع الشرعية عن إسرائيل في العالم (21). وذلك في فترة تواجه فيها السياسة الخارجية الإسرائيلية أسوأ أزمة في تاريخها (22).

كذلك فإن الرئيس الإسرائيلي، شمعون بيريس، دعا إلى إلغاء اللجنة التي أقر الكنيست تشكيلها للتحقيق في مصادر تمويل منظمات حقوق الإنسان في إسرائيل، وحذر من أن التحقيق مع هذه المنظمات اليسارية سيلحق ضررًا بالديمقراطية الإسرائيلية.

ونقلت صحيفة "هآرتس (17/1/2011) عن بيريس قوله إن "تشكيل لجنة التحقيق البرلمانية للتدقيق في مصادر تمويل منظمات حقوق الإنسان واليسار تمس الديمقراطية الإسرائيلية ولا حاجة لها". ودعا بيريس، في رد على سؤال طرحته الصحيفة عليه، الكنيست إلى إلغاء الاقتراح بتشكيل اللجنة مشددا على أن "الديمقراطية الإسرائيلية يجب أن تشمل توزيع أدوار واضحا بين السلطات".

وقال بيريس إن "التحقيق مع جمعيات ومنظمات من اليسار وحتى اليمين يجب أن يبقى في يد جهاز تطبيق القانون، وهو جهاز مهني وموضوعي ويملك أدوات التحقيق المناسبة". واقتبس بيريس من أقوال رئيس الحكومة الإسرائيلية الأول، دافيد بن غوريون، بأنه ممنوع أن يكون السياسيون قضاة وممنوع أن يكون القضاة سياسيين. وأشار بيريس إلى أن العالم كله يعترف بإسهام منظمات حقوق الإنسان وثمة أهمية للسماح لها بالعمل بشكل حر طالما أنها لا تخرق القانون.

بالإضافة إلى ذلك قالت "هآرتس" إن بيريس عبر خلال محادثات مع مقربين منه مؤخرا عن قلقه الكبير من التطرف في تعامل جهات يمينية ودينية متطرفة إزاء الأقلية العربية. وأشار في هذا السياق إلى أن "الشعب اليهودي عانى من العنصرية أكثر من أي شعب آخر، ولذلك فإنه مطالب بإبداء تعامل نزيه مع غير اليهود ومع الأقلية التي تعيش بين ظهرانيه".

من ناحية أخرى، رأى كثير من الخبراء الإسرائيليين أن الحرب في غزة ساهمت في مزيد من التدهور في وضع الديمقراطية الإسرائيلية. 

وأعاد بعضهم إلى الأذهان حقيقة أن إسرائيل ليست ديمقراطية ليبرالية متجذرة، بل إنها ديمقراطية على المستوى الرسمي فقط، أي أنها ديمقراطية تتيح قدراً كافيا من حرية التعبير (المقيدة بواسطة الرقابة العسكرية)، وتتيح انتخابات عامة حرة (لكنها لا تخلو من الفساد)، غير أن هناك عددًا من الأمور والجوانب التي تميز الديمقراطيات الليبرالية الحقيقية لا وجود لها هنا مطلقًا.

ويقول البروفسور غابي شيفر، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس، إن الأمرين الأكثر أهمية غير المتوفرين في الديمقراطية الإسرائيلية هما:

(*) الأول، انعدام الوعي والإقرار بأن مصدر السيادة الحقيقية لا يتجسد في الكنيست والحكومة، وإنما في المواطنين. 

(*) الأمر الثاني، والذي يرتبط بالأول، هو عدم قدرة المواطنين على التأثير في السياسة المتبعة من قبل الحكومة والتي يوجهها ضباط الجيش والموظفون الحكوميون.  فهؤلاء يتحكمون عمليا في كل ما يحدث في إسرائيل.

وبرأيه فإن هناك على الأقل ثلاثة تأثيرات سلبية على الديمقراطية، عززتها الحرب الأخيرة (في غزة)، والتي يمكن تشخيصها بسهولة كبيرة.

التأثير الأول يتمثل في قبول العنف كوسيلة وحيدة لحل مشكلات اجتماعية وسياسية.  ونتيجة لدروس حرب لبنان الثانية الفاشلة (في صيف 2006)، وكذلك لأسباب أخرى، فقد أيد الزعماء الإسرائيليون كلهم استخدام الجيش الإسرائيلي بصورة عنيفة ضد غزة. وقال ضباط الجيش والجنود الذين أدلوا بمقابلات صحافية بعد الحرب، في معظمهم، وبصراحة، إن اللجوء إلى العنف كان الطريق الأسلم لإدارة الحرب. وقد قبلت الأكثرية المطلقة من المواطنين الإسرائيليين اليهود،  وبينهم السياسيون الكبار، هذا التوجه أو الموقف، والذي من شأنه فقط أن يدجج ويعزز العنف الذي يسم المجتمع الإسرائيلي منذ زمان طويل، ويشكل واحداً من أخطر الألغام الداخلية التي تهدد أي ديمقراطية ليبرالية حقيقية، والتي تحل فيها المشكلات من دون اللجوء إلى العنف. 

التأثير الخطر الثاني هو على مكانة الفلسطينيين في إسرائيل. فالمحاولة المتكررة لمنع الأحزاب الفلسطينية الإسرائيلية ومقارنة أنصارها بعناصر "حماس" بل والتلميح إلى تعاون تلك الأحزاب مع هذه الحركة، إنما يشير إلى تفاقم إضافي في هذا المجال. ولقد كانت مكانة هؤلاء الفلسطينيين هشة أصلاً، إذ إنهم عانوا من تمييز يتنافى مع أبسط المبادئ الديمقراطية. وازدادت مكانتهم سوءاً وتدهوراً في أعقاب الحرب في غزة، وهذه السيرورة ستؤدي مستقبلاً إلى مزيد من التدهور في الديمقراطية الإسرائيلية، الأمر الذي لا تدركه أكثرية الجمهور والساسة في إسرائيل.

هناك أمر ثالث من شأنه أن يفاقم أكثر من ثغرات وعيوب الديمقراطية الإسرائيلية، هو التطلع إلى "زعيم قوي" والذي عبر عن نفسه أيضاً في حملة الانتخابات التي جرت بعد الحرب الإسرائيلية في غزة.

وإن التطلع إلى مثل هذا الزعيم القوي والميل الشديد إلى ترك مهمة رسم السياسة واتخاذ القرارات في يده وأيدي مساعديه، وعدم الرغبة في استجلاء المسائل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمشاركة في عمليات صنع وتنفيذ السياسات؛ كل ذلك يتجلى بوضوح ليس فقط في مواقف الجمهور وإنما أيضاً في الحملات الانتخابية الأخيرة لكل من بنيامين نتنياهو وتسيبي ليفني وإيهود باراك وأفيغدور ليبرمان، والذين يؤمنون بشكل واضح بهذه التسوية غير الديمقراطية التي تعطى فيها قوة ونفوذ كبيران للزعيم الذي ينظر إليه كزعيم قوي. 

وعدا عن هذه المشكلات المركزية الثلاث، ثمة مشكلات أخرى تضر بالديمقراطية الإسرائيلية التي تراوح مكانها منذ زمن طويل.  ولكن يخيل أنه وخلافاً لنتائج الحروب التي جرت في أنحاء مختلفة من العالم، والتي أدت إلى تحولات ديمقراطية مدهشة (كما حصل في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية)، فإن الحرب الأخيرة في غزة أدت إلى مزيد من التدهور في مكانة إسرائيل في النظام العالمي، وعلى المدى البعيد في وضع الديمقراطية الإسرائيلية أيضاً، والتي تعاني من خلل وعيوب.

أمّا البروفسور يارون إزراحي فيعتقد أن إسرائيل ديمقراطية بنسبة 40 بالمئة فقط، وذلك لأن الأسس الديمقراطية الرسمية متوفرة، على غرار انتخابات حرة، تداول السلطة سلميًا من دون عنف (لغاية مقتل إسحق رابين، الذي شكل حدثاً قاسياً للغاية)، كما أن المحاكم مستقلة جداً، وهناك صحافة حرة.

والعوامل التي تحد من إمكان أن تكون إسرائيل ديمقراطية أكثر هي:

أولاً، طالما كانت إسرائيل دولة محتلة، ترسل مواطنيها وجنودها لقمع شعب بأكمله، فإنها لا تستطيع التحوّط بالشرعية التي يوفرها مصطلح "نظام ديمقراطي".

ثانيا، النظام الديمقراطي هو نظام تقيد فيه السياسة نفسها بواسطة دستور و/ أو ثقافة سياسية من ضبط النفس.  وهذان العاملان غير متوفرين في إسرائيل- لا دستور ولا ثقافة سياسية تقوم على ضبط النفس- وهما سمتان بارزتان للديمقراطية.  

ثالثاً، الأكثرية في إسرائيل هي أكثرية إثنية وليست أكثرية سياسية، وعلى الرغم من أنها يمكن أن تتبدل بين الانتخابات، إلا إنها تظل بصورة دائمة أكثرية إثنية، وهذا أمر غير ديمقراطي، كما أن هذا ليس وصفة نموذجية للديمقراطية (23).

 

حريق الكرمل

وما كشف عنه

 

انتهى العام 2010 بانشغال كبير بالحريق الهائل الذي اندلع في الكرمل يوم 2 كانون الأول 2010، وأسفر عن مقتل 43 شخصا بينهم 37 سجانا، كما أصيب عشرات الأشخاص الآخرين بحروق أو جراء استنشاق دخان الحريق. وأتت النيران على 50 ألف دونم من الغابات والأحراج ومناطق الرعي، وألحقت أضرارا بثلاث بلدات، وأدّت إلى احتراق أكثر من 5 ملايين شجرة، وأكثر من 74 مبنى بشكل كامل في كيبوتس "بيت أورن" وقرية الفنانين "عين هود" والمدرسة الداخلية "يمين أوراد"، فيما ألحقت أضرارًا كبيرة بـ 173 مبنى احترقت بشكل جزئي، وتم إجلاء عشرات آلاف الأشخاص من بيوتهم، بينهم 500 أسير فلسطيني في سجن الدامون، وجنود سجناء في سجن عسكري (سجن 6)، وسجناء جنائيون في سجن مدني، كما تم إخلاء معسكرين للجيش الإسرائيلي.

وفيما بدا الإسرائيليون مذهولين إزاء حجم الحريق، فإنهم ذُهلوا أكثر إزاء عجز السلطات المسؤولة عن إخماده، وإزاء النقص الهائل في الوسائل الكفيلة بذلك. ووصفت وسائل الإعلام الإسرائيلية هذا العجز بـ "الإخفاق" و"التقصير"، إلى درجة أن بعضها شبهه بإخفاق إسرائيل في حرب تشرين العام 1973. وتمت السيطرة على الحريق بفضل مساعدات مجموعة من الدول الأوروبية وكل من مصر والأردن والسلطة الفلسطينية وتركيا والولايات المتحدة، بعد أن استنجد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بها من خلال اتصالات مكثفة مع قادتها وطلب إرسال طائرات لإخماد النيران ومادة "رتادانت". ووصلت إلى إسرائيل، خلال أيام الحريق، طائرات لإخماد النيران، بينها طائرة "إليوشين" الروسية العملاقة التي تتسع إلى 42 ألف لتر من المياه، والطائرة الأميركية الأكبر من نوعها في العالم لإخماد الحرائق، "إيفرغرين سوبرتانكر"، وهي طائرة بوينغ 747 تم تحويلها إلى طائرة إخماد حرائق وقادرة على العمل في الليل وتتسع لـ 80 ألف لتر من الماء. كذلك وصلت إلى إسرائيل عشرات آلاف الأطنان من مادة "رتادانت" و500 رجل إطفاء من شتى أنحاء العالم.

ورأت جلّ التعليقات الإسرائيلية أن التقصير الحقيقي الذي كشف الحريق الكبير في الكرمل النقاب عنه كامن في إهمال خدمات الإطفاء والإنقاذ في إسرائيل، على الرغم من كونها ركنًا أساسيًا من أركان حماية الجبهة الداخلية. وفي ضوء هذا الإهمال فإن تلك الخدمات لا يمكنها أن تقوم بدورها في ساعات الطوارئ، وخصوصًا في حال وقوع مواجهة عسكرية مقبلة تكون مقرونة بإطلاق صواريخ على مناطق آهلة بالسكان المدنيين (24).

كما أشير إلى ما يلي:

 1- أن مراقب الدولة الإسرائيلية كان قد أصدر العام 2007، في ضوء وقائع حرب لبنان الثانية (صيف 2006)، تقريرًا يتعلق بأوضاع الجبهة الإسرائيلية الداخلية وطلب تنفيذه فورًا (وذلك نظرًا لعدم قيام لجنة فينوغراد التي تقصت وقائع تلك الحرب بدراسة أوضاع الجبهة الداخلية)، ومنذ ذلك الوقت طرأت تحسينات كثيرة على عمل خدمات الإسعاف الأولي وأقيمت "هيئة طوارئ وطنية" في وزارة الدفاع، غير أن خدمات الإطفاء والإنقاذ بقيت على حالها الرثّة؛

2- أن المسؤولين في وزارة الداخلية الإسرائيلية (المسؤولة عن خدمات الإطفاء والإنقاذ) يعتقدون أنه لا توجد أي ضرورة لبذل جهود كبيرة في تأهيل رجال الإطفاء، ولذا فإن تأهيلهم الأساس ظل متخلفًا جدًا عن التأهيل الذي يحصل عليه نظراؤهم في الدول المتطورة في العالم كافة. وبناء على ذلك فإن الدرس الأهم الذي يجب استخلاصه من الحريق في الكرمل هو "إنقاذ خدمات الإطفاء والإنقاذ من يد وزارة الداخلية على وجه السرعة" (25).

وذكرت صحيفة "هآرتس" أنها أجرت تحقيقا تبين منه أن الحكومات الإسرائيلية تتجاهل بشكل دائم قراراتها وتقارير مراقب الدولة وتوصيات لجان التحقيق في كل ما يتعلق بالاستعدادات لمواجهة كوارث كبيرة. وأضافت أن التحقيق في استعدادات الدولة للكوارث المختلفة، مثل وقوع هزة أرضية أو سقوط صاروخ في منشأة تحتوي على مواد خطيرة في منطقة خليج حيفا أو وقوع حادث طيران أو انتشار وباء، يظهر صورة كئيبة (26).

وجاء في تعليقات أخرى: بطبيعة الحال كان في إمكان إسرائيل أن تستنجد بزعماء دول أجنبية مثل اليونان وقبرص وروسيا وغيرها من أجل تقديم المساعدة لها لإخماد الحرائق التي اندلعت في جبل الكرمل، لكن لا بُدّ من تذكير المؤسسة السياسية الإسرائيلية أنه لا يمكنها الاستناد إلى معونة كهذه عندما يطلق أول صاروخ على سكانها المدنيين سواء من الشمال أو الجنوب، أو من بعيد أو قريب، وستكون عندها مطالبة بأن تواجه ذلك بوسائلها الخاصة وبالعتاد الذي حصلت عليه من الولايات المتحدة. في ضوء هذا فإن العبرة الأهم التي يتعين على أصحاب القرار استخلاصها في الوقت الحالي هي أنه يجدر بهم البحث سريعًا عن طرق لتحقيق اختراق سياسي مع الفلسطينيين، ومع سورية، ومع الدول العربية التي نطلق عليها صفة المعتدلة، ذلك بأنه بواسطة اختراق كهذا فقط يمكن أن نخمد الحريق الأكبر الذي من شأنه أن يلحق أضرارًا بسكان إسرائيل كافة. إن الامتحان الحقيقي الذي يقف نتنياهو أمامه الآن غير كامن في إقامة لجنة تحقيق لتقصي الإخفاقات التي كشفها الحريق الكبير في الكرمل فحسب، وإنما كامن أيضًا في اتخاذ القرارات الصائبة التي تحول دون وقوع حرائق أكبر، وتسفر عن تعزيز جهوزية المنظومات الحكومية المتعددة لمواجهة كل ما يترتب على اندلاع الأزمات (27).         

 

(يتبـع)

 

 

هوامش:

 

20) هآرتس 16/1/2011.

21) مقال كرافس وكريمنيتسر من المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، مصدر سبق ذكره.

22) إيتان هابر، يديعوت أحرونوت 25/4/2010.

23) مجلة "قضايا إسرائيلية"، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، العدد 39 - 40، شتاء 2011.

24) أليكس فيشمان، يديعوت أحرونوت 6/12/2010.

25) المصدر نفسه.

26) هآرتس 6/12/2010.

27) شمعون شيفر، يديعوت أحرونوت 5/12/2010.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018