"صفقة الخضوع تعزز نظرية خيوط العنكبوت"..

"صفقة الخضوع تعزز نظرية خيوط العنكبوت"..

(نائل البرغوثي بعد 33 عاما من الأسر..)
 
كتب المحلل العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت" أن ما أسماها "صفقة الخضوع"، في إشارة إلى صفقة تبادل الأسرى، تعزز نظرية "خيوط العنكبوت" للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله.
 
وكتب رون بن يشاي أن الصفقة التي تم إطلاق سراح غلعاد شاليط فيها كان لا بد منها من الناحية السياسية الداخلية، وهي على ما يبدو معقولة من جهة المخاطر الأمنية التي تنطوي عليها، ولكنها بجوهرها وبمعناها الإستراتيجي تعتبر خضوعا.
 
ويضيف أن الصفقة تعتبر خضوعا من إسرائيل لابتزاز ما أسماه "جسم إرهابي إسلامي متطرف" كشف عن "البطن الرخوة" للمجتمع الإسرائيلي وضربها بها بقسوة وبتأن حتى نال مبتغاه. وأن إسرائيل لم تخضع فحسب، وإنما احتفلت بالإذلال في مهرجان مخز ساعد الجيش الإسرائيلي في إخراجه.
 
ويقول المحلل العسكري إن الخضوع ليست كلمة قاسية، وأحيانا لا بد منه في الحرب الطويلة الأمد ضد عدو يمتلك العزيمة والحافزية المتعصبة، ولكن الخضوع يظل محتملا طالما لم ينشئ وضعا لا رجعة عنه، أي طالما أن العملية لا تعرض وجود إسرائيل المادي، كدولة وشعب، للخطر، ويمكّن من الحفاظ على القوة والانتعاش تمهيدا للجولة القادمة التي تنطوي على احتمالات كبيرة بالنصر.
 
واعتبر بن يشاي "صفقة شاليط" خضوعا من هذا النوع المحتمل، وذلك بادعاء أن الجيش والشاباك لديهما الأدوات لمواجهة أبعادها الأمنية بنجاح، ولكونها تساعد إسرائيل في الحافظ على قوتها. وللدقة، بحسب الكاتب، فإنها تعزز حافزية الجيش، وليس المواطنين فحسب، بشكل عام للقتال ولمواجهة التهديدات انطلاقا من أن "التعهدات/التعاقدات المتبادلة" ليست كلمة فارغة في المجتمع الإسرائيلي، معتبرا أن "التعاقدات المتبادلة" ليست فقط بمعرفة أن الدولة والمواطنين سيبذلون جهدهم لتخليص مختطف أو أسير، وإنما الاعتراف الداخلي بأن كل فرد مهم.
 
ويضيف أن هذه الحقيقة مهمة جدا "لمستقبلنا ولمناعتنا القومية"، ولكنها جزء من الصورة الشاملة، حيث أن تقدير الوضع بصورة ذكية لما هو متوقع في المستقبل يجب أن يأخذ بالحسبان تأثير الصفقة وأبعادها على الجانب الآخر، وليس فقط على حركة حماس، وإنما على "أعداء إسرائيل"، بدءا من إيران وحزب الله، وانتهاء بمن وصفهم بـ"المتطرفين في وسط عرب 48".
 
ويكتب "إذا كان الحكم على الصفقة بموجب ردود الفعل، فيمكن الجزم بأنها عززت لدى الجهات المعادية لإسرائيل الإدراك بأن المجتمع الإسرائيلي يستطيع امتصاص الخسائر إلى حد معين، ولكنه غير قادر على مواجهة معضلات حسية ونفسية. فأي ممارسة للعنف والتي لا تستطيع إسرائيل توفير الرد العسكري ضدها تخلق في وسط المجتمع الإسرائيلي شعورا بالعجز والهستيريا، ولذلك فالعنف وسيلة ناجعة تؤدي مع مرور الوقت إلى خضوع تكتيكي، وربما إستراتيجي لليهود ودولتهم".
 
كما يقول بين يشاي إنه على أرض الواقع فإن "صفقة شاليط" عززت مجددا نظرية "خيوط العنكبوت" التي أطلقها حسن نصر الله، والتي "تتضمن أن المجتمع الإسرائيلي مماثل لخيوط العنكبوت، وبالتالي من السهل تمزيقه بواسطة إنزال خسائر وأضرار حسية به، من خلال استغلال سلم القيم الإنسانية للمجتمع الغربي الذي يجبر إسرائيل على لجم ردها، وبدون المواجهة المباشرة مع فائض القوة العسكرية للجيش. وبالنسبة لنا فإن انسحاب إسرائيل من الحزام الأمني في لبنان كان إثباتا لهذه النظرية، وحماس استخلصت النتائج ذاتها من الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة".
 
وبحسب هذه النظرية، يضيف بن يشاي، فإن كل أعمال الخطف مربحة ويجدر الاستمرار بها، سواء كان الحديث عن جثث أو إسرائيليين على قيد الحياة. وتأكيدا على ذلك، بحسب الكاتب، فإن الإنجاز الوحيد لحزب الله في حرب لبنان الثانية كانت صفقة التبادل التي أطلقت فيها إسرائيل سراح المئات، بما في ذلك "القاتل سمير قنطار"، مقابل جثتين.
 
ويتابع أن مثل هذا النوع من الصفقات، وبضمنها صفقة "إلحنان تننباوم"، تنطبع في الوعي كإنجاز وتؤكد للجماهير في الشارع العربي إلى "أي مدى يصدق الإسلامويون، سنة أو شيعة، في ادعائهم بأن إسرائيل تفهم لغة القوة فقط".
 
ويخلص المحلل العسكري إلى أنه بناء على ذلك فمن المفهوم ضمنا لماذا تعزز الصفقة قوة حركة حماس وطريق الكفاح المسلح الذي تتبناه، بشكل مواز لكونها تضعف أبا مازن الذي يتبنى النضال غير العنيف وإخضاع إسرائيل بواسطة الضغط الدولي. ويضيف أن انتصار حماس يجبر أبا مازن على التصلب في مواقفه، ويؤكد على الحاجة للدفع باتجاه المصالحة.
 
ويدعي الكاتب أن قيادة حركة حماس في قطاع غزة تميل الآن إلى التوصل إلى تسوية ما مع إسرائيل، مثلما يدعي بعض الخبراء، ولكن الأسرى الذين أطلق سراحهم إلى قطاع غزة لن يدعوها تبدي أي ليونة في الوقت القريب على الأقل. وبالنتيجة فإن الصفقة تبعد أي احتمال للتوصل إلى تسوية "إسرائيلية – فلسطينية" في المستقبل المنظور.
 
في المقابل، يعتبر بن يشاي أن هناك جوانب إيجابية في الصفقة بالنسبة لإسرائيل. فقد أدت إلى تحسن ملموس في العلاقات مع مصر، كما أن نجاح الوساطة المصرية قد أكد بشكل قاطع لكبار المسؤولين في المجلس العسكري الأعلى أن العلاقة مع إسرائيل ذات أهمية، وأن الاتفاق على الصفقة أفسح المجال أمام القيادة العسكرية المصرية بأن تثبت للشارعين المصري والعربي أن القاهرة قادرة ومدركة لكيفية الاهتمام بالمصالح "العربية – الفلسطينية"، وقادرة على إخضاع إسرائيل إذا اقتضت الضرورة.
 
كما يشير الكاتب إلى نقطة أخرى يعتبرها إيجابية بالنسبة لإسرائيل وهي إبعاد عشرات الأسرى إلى قطاع غزة أو دول أخرى، باعتبار أن ذلك يقلص المخاطر الأمنية التي يشكلونها من جهة، ومن جهة أخرى فإن ذلك بمثابة عقاب شديد لهم بسبب الانفصال عن العائلة والبلد، علاوة على كون الإبعاد يخلق مصاعب نفسية لا يستيطع الكثيرون التغلب عليها، باعتبار أن التجربة، بحسب الكاتب، تؤكد أن غالبية المبعدين يرون في ذلك نوعا من العزلة الاجتماعية المستمرة لفترة طويلة.
 
ويضيف المحلل العسكري أنه على إسرائيل الآن أن تستخلص العبر بسرعة من قضية شاليط، حيث أن التقديرات تشير إلى أن عملية الخطف القادمة على الطريق. وأن المغزى الأساسي هو أنه على إسرائيل أن تعمل فور وقوع عملية الخطف في ثلاثة اتجاهات في الوقت نفسه؛ الأول إقامة وتفعيل جهاز استخباري عملاني خاص مهمته الوحيدة تكون معالجة كافة جوانب إطلاق سراح المختطف أو المختطفين، بدءا من جمع المعلومات الاستخبارية حول مكان وجوده، مرورا بتوفير إمكانيات عملانية لإطلاق سراحه وانهاء بالمساندة بالمعلومات والاستشارة في المفاوضات، وأنه يجب تخصيص وسائل وعناصر من الجيش والشاباك والموساد لهذا الجهاز.
 
والمغزى الثاني فهو أنه على الجيش، وبمساعدة الأجهزة الاستخبارية، أن يقوم بعمليات تخلق ضغطا وأوراق مساومة مع المختطفين. ويشير في هذا السياق إلى أنه لو قام الجيش، فور اختطاف شاليط، بتقسيم قطاع غزة إلى ثلاثة أجزاء، والإعلان عن أن شرط الخروج هو إطلاق سراحه، لكانت المفاوضات أسهل وأسرع بكثير مع حركة حماس. وبدلا من ذلك دخل الجيش إلى قطاع غزة، ونفذ سلسلة من العمليات بدون هدف واضح، وفي نهاية المطاف لم يكن لها أي تأثير. كما يشير إلى أن شن هجمات موضعية ستؤدي إلى النتيجة المطلوبة لو كانت إسرائيل تستعد لها كما يجب ولا ترتدع من الهجمات الصاروخية، فمثل هذا النوع من العمليات لا يساعد إلى إطلاق سراح الجندي الأسير فقط، وإنما يزيد من قدرة الردع في مواجهة عملية الخطف التالية.
 
ويضيف الكاتب أنه على إسرائيل أن تضع خطوطا حمراء مسبقا بحيث لا تتجاوزها الحكومة، من خلال سن قوانين، مع التشديد على أن الخطوط الحمراء يجب أن تكون واقعية، وتأخذ بالحسبان السوابق التي نشأت في صفقات التبادل السابقة، ومشاعر المجتمع الإسرائيلي تجاه حياة أبنائه. ويشير في هذا السياق إلى أن وضع الخطوط الحمراء يجب أن يتم من خلال مناقشات عامة وعلنية وطويلة ومعمقة. أما المغزى الرابع فهو أنه على إسرائيل أن تلتزم بأقوالها وأفعالها. وبحسب الكاتب "إذا كان رئيس الحكومة يصرح بعد إطلاق سراح شاليط بأن الأسرى الذين يعودون إلى نشاطهم السابق سيتم استهدافهم، فإنه على رئيس الحكومة ومن يأتي بعده أن يلتزم بذلك.. ولا يوجد أي داع لأي كلمة إضافية".
 
ويخلص الكاتب نهاية إلى أنه" في حال قامت إسرائيل بخطوات عملية وحازمة لتحقيق واستخلاص العبر، وتثبت ذلك لعائلات المختطفين، فمن الممكن أن تمنع مستقبلا الحملات الإعلامية الضارة التي أطالت مدة أسر غلعاد شاليط ورفعت من ثمنه. ويصبح لا داعي لمهرجان الخضوع المخزي الذي ساعد فيه وفي إخراجه الجيش ومكتب رئيس الحكومة، باعتبار أن صفقة الخضوع يجب تقبلها بالعض على الشفتين والانضباط، كمن يوافق مضطرا على أمر سيء لا مناص منه.. فقط لدينا يتحول الإذلال إلى احتفال بدون الأخذ بعين الاعتبار كيف سيفسر ذلك في الجانب الآخر، وبالأضرار التي قد يسببها".