"واشنطن وفن الإيقاع" – راهن التعاطي الأمريكي مع المشروع النووي الإيراني

"واشنطن وفن الإيقاع" – راهن التعاطي الأمريكي مع المشروع النووي الإيراني

تحت عنوان "واشنطن وفن الإيقاع" رجح المعلق العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أليكس فيشمان، في تقرير نشر في الملحق الأسبوعي، رجح ذهاب واشنطن باتجاه خيار التفاوض مع إيران حول برنامجها النووي عوضا عن الخيار العسكري.

وأشار فيشمان، إلى أنه في الوقت الذي تقرع فيه إسرائيل طبول الحرب تسعى واشنطن، من وراء الكواليس، إلى إيجاد الطريق لاستئناف المفاوضات مع إيران، بل وإعادة تأهيلها للعودة إلى الأسرة الدولية، وأنها وجدت شريكا لهذه المفاوضات في إيران، والغريب أن هذا الشريك، وفق فيشمان، ليس سوى الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد.

قد يبدو ذلك ضربا من الجنون، يقول فيشمان، ولكن نجاد يبدو بعيون أمريكية الرجل الأكثر تعقلا والذي لديه استعداد لاستئناف التفاوض والتوصل إلى تسوية حول برنامج إيران النووي، في إيران اليوم، مقابل آية الله خامنئي، الذي ليس لديه أدنى استعداد للاستماع إلى أي حديث عن تسوية في هذا الموضوع. ولعل ذلك أحد أسباب الخلاف بين الرجلين وهو الخلاف الذي تحاول أمريكا حشر أقدامها فيه.

وهكذا، على حد قول فيشمان، فإنه في الوقت الذي يحتدم النقاش في إسرائيل بين من هم مع الضربة العسكرية ومن هم ضدها، ويكثر الحديث في التفاصيل والتوقيت، تعمل أمريكا من وراء الكواليس، بكل جد للإيقاع بأحمدي نجاد عبر إفهامه أنه يمتلك الفرصة الأخيرة للتفاوض والتفاهم حول المشروع النووي الأيراني، وهي فرصة تنتهي مع نهاية ربيع 2012، بعدها ستفلت أمريكا الرسن لإسرائيل لتنفيذ ضربة عسكرية.

الأمريكيون يقولون، إنهم لن يتواجدوا في العراق في ال 2012 ولذلك فإن الأجواء العراقية وما يحوم ويمر عبرها لا تقع ضمن سيطرتهم ولذلك هي خارج مسؤوليتهم، علما أن ذلك الكلام غير دقيق لأن ايران تعرف أن أمريكا ستترك في العراق مركزي مراقبة كبيرين، سيكونان رسميا تحت سيطرة عراقية ولكن من يشغلهما فعليا هم خبراء أمريكيون.

صحيح أن أوباما قال بعد صدور تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إنه لا يسقط أي خيار في التعامل مع الموضوع النووي الإيراني، أضيف لذلك الإعلان عن تزود الجيش الأمريكي بقنابل قادرة على اختراق الملاجئ من الطراز الأكثر تطورا، إلا أن الإغراء الذي تقترحه واشنطن على طهران، على حد قول فيشمان، يتعلق بتقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية حيث تحاول إيران التخفيف من وقع التقرير، من خلال إصدار قرار متوازن من مجلس مفوضي الوكالة المنعقد في فيينا والذي يمتلك صلاحية تحويل التقرير إلى مجلس الأمن.

الأمريكيون على استعداد للذهاب باتجاه إيران في هذا الشأن، إذا ما وافقت إيران العودة للمفاوضات والتزمت بثلاثة شروط، يقول فيشمان، الأول، هو وقف تخصيب اليورانيوم الذي تمتلكه حتى نسبة 20% والاكتفاء بنسبة 5% فقط، وذلك مقابل الحصول من دولة ثالثة على مطارق وقود لمفاعل بوشهر والشرط الثاني، أن تنقل إيران إلى دولة ثالثة كمية ال 80 كغم من اليورانيوم التي جرى تخصيبها حتى الآن بنسبة تفوق ال 20%، والشرط الثالث أن توقف إيران عمل المنشأة النووية التي أقامتها في فرارو (قم ) وحسب ،النيويورك تايمز، فإن المنشأة المذكورة هي إشارة حمراء بالنسبة لإسرائيل وسائر الدول الغربية، ليس لأنها أكثر تحصينا من سائر المنشآت فقط، بل لأن الإيرايين أقاموا هناك ثلاثة وحدات أساس تضم كل واحدة 164 دائرة طرد مركزية، وأنهم بدأوا بنقل اليورانيوم الذي تم تخصيبه حتى الان الى هناك.

حسب "النيوورك تايمز" يمثل نجاح الإيرانيين في نقل قدراتهم النووية الى فرارو (قم ) بمثابة إغلاق الباب أمام توجيه ضربة جدية لمشروعهم النووي، لذلك فإن الشرط الثالث هو شرط حاسم.

مقابل استجابة إيران للشروط الأمريكية الثلاث ستعمل أمريكا على تجميد كافة العقوبات المفروضة على إيران.

المثير للاستغراب، على حد قول فيشمان، أن الاتصالات السرية التي أجريت مع طهران بهذا الخصوص، كشفت أن احمدي نجاد لن يرفض العودة إلى طاولة المفاوضات على أساس هذه الخطة، ويعزى ذلك إلى كونه يضع مسألة ضخ أموال في عروق الاقتصاد الإيراني مهمة الساعة بالنسبة لإيران.

فيشمان يقول، إن امريكا لن تسمح ولن تتسامح مع من يحاول إعاقة جهودها في هذا المضمار، وأن من يريد أن يتورط، على حد قوله، فليحاول ولذلك فإن الحديث عن ضربة جوية إسرائيلية في هذا الوقت غير مرجح وغير وارد، خاصة وأن أمريكا لم تستنفذ مسار العقوبات الاقتصادية ضد إيران وأهمها فرض حظر على البنك المركزي الإيراني وهي عقوبة ستعني أن إيران لن تستطيع جباية مداخيلها من صادرات النفط.

بموازاة الجزرة الأمريكية الممدودة إلى إيران، تستمر الحرب السرية والحرب النفسية وعرض العضلات المتبادل حيث جرى في نهاية أيلول/سبتمبر عرض للصواريخ الإيرانية، تحت عنوان "معرض الدفاع المقدس" عرضت خلاله صواريخ بالستية يتراوح مداها بين 800 كم و2000 كم ، المعروضات حملت تفاصيل عن مدى وزنة واقطار الصواريخ بحيث توفر على المهتمين عناء البحث والتنقيب، حسب ما يقول فيشمان.

كان ذلك عرضا لقوة، ما يسمى في إيران، بالرجل الثالثة للمشروع النووي الإيراني، الذي يقف على ثلاثة أرجل، الأولى إنتاج المادة المنشطرة، والثانية بناء الرأس النووي، والثالثة الصواريخ البالستية القادرة على حمل الرؤوس النووية.

فيشمان يعتقد، أن العرض أراد أن يبعث برسالة إلى العالم بأن إيران جاهزة. الرسالة استوعبت لدى من كان عليه استيعابها وجاء الرد، بعد أشهر قليلة، بالانفجار الذي أودى بحياة الجنرال حسن مقدم طهراني، الرجل الذي يقف عمليا من وراء الرجل الثالثة في مشروع إيران النووي.

هذا التفجير كان بمثابة كابوس بالنسبة للإيرانيين، ليس لأنه اتى على حياة مسؤول عسكري كبير، في موقع بالغ الحساسية فقط، بل لأنه بعث برسالة إلى المسؤولين عن المشروع النووي أن هناك من اخترق القلب من هذا المشروع وقتل من قتل هناك، ولا يعرف ماذا فعل أو ترك هناك أيضا.

ومع ذلك فإن مقتل الجنرال المذكور لن يقطع الرجل الثالثة، كما يقول فيشمان، ولكنه ترك شعورا بالانكشاف لدى قادة المشروع النووي الإيراني، انكشاف ظهورهم بشكل شخصي بعد اغتيال الجنرال وسلسلة تفجيرات سرية أخرى وتصفية علماء ذرة إيرانيين، والشعور بأن مشروعهم ذاته غير محصن من الاختراق والاقتحام وهو شعور، سيحول طالما بقي سائدا لدى طهران، من منعها من الانتقال إلى المرحلة الحاسمة في مشروعها وهي مرحلة إنتاج القنبلة وهي المرحلة التي وبالرغم من إعلان المهندسين الإيرانيين أكثر من مرة أنهم جاهزون إلى الانتقال اليها لم تعط بعد الأوامر بالانتقال اليها.

فيشمان، ينقل عن خبراء في الولايات المتحدة، الاعتقاد بأن القيادة لا تثق بمهندسيها وتخشى من فشل البرنامج النووي، فهي لا تعرف فيما إذا وكيف قام الشيطان الأكبر أو الأصغر، بإلحاق الأذى بالمشروع، وهذا الأمر يشغلهم أكثر من العقوبات وحتى أكثر من الضربة الجوية.

في واشنطن يعتقدون بإمكانية صيانة التخوفات والهواجس الإيرانية تلك، بضع سنوات أخرى وإعطاء فرصة لجولة أخرى من المفاوضات، هذا جوابهم لصيحات الحرب التي تنطلق من إسرائيل وهذه طريقتهم في سكب الماء البارد على من يحاول فرض عليهم أجندة لا يرغبون بها، على حد قول فيشمان.
 

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة