كيف تحولت معاهدة السلام مع مصر الى وقف اطلاق ناريشوبه اطلاق نار متقطع

كيف تحولت معاهدة السلام مع مصر الى وقف اطلاق ناريشوبه اطلاق نار متقطع

لا تخفي الأوساط السياسية والأمنية في اسرائيل، قلقها على اتفاقية السلام مع مصر منذ انطلاق ثورة ينايرٌ، قلق هدأ من روعه مؤقتا ما بدا أنه امساك للعسكر بزمام الامور، ثم عاد وانطلق من جديد مع بروز نتائج المرحلة الاولى من الانتخابات التي بشرت بصعود الاسلاميين الى سدة السلطة وبقوة.


المحلل العسكري في صحيفة "هارتس"، عاموس هارئيل، تناول في تقريرنشره في موقع الصحيفة على الشبكة امس الجمعة، تضرر العلاقات الاسرائيلية المصرية حتى الان،في المجالات المختلفة واصفا الوضع الراهن بين الدولتين، بانه اشبه بحالة وقف اطلاق نار ستبقى في السيناريو المتفائل على حالها وتتحول في السيناريو المتشائم الى حرب فعلية.


وفي التفاصيل يقول هارئيل، ان السلام البارد الذي كان سائدا مع مصر قد تحول الى حالة وقف اطلاق نار غير شاملة، بل يتم خرقها احيانا بهجمات ارهابية في قلب الاراضي الاسرائيلية ولكن حتى هذا الوضع الذي يتم فيه تنسيق امني جزئي بين الطرفين، هو افضل بكثير من الحالة التي سادت حتى توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 ومن الصعب عدم التفكير بانه سيزداد تدهورا، عندما تنتقل السلطة من ايدي الجنرالات الى الأحزاب المدنية في ظل التأثير الكبير لحركة الاخوان المسلمين.


الضرر الذي اصاب علاقة البلدين لا يقتصر على المجال الأمني بل هو ملحوظ في سلسلة طويلة من المجالات، بينها التجارة والسياحة والعلاقات الدبلوماسية،وهو يعود حسب رأي هارئيل، احيانا الى الوضع الامني في سيناء واحيانا الى سياسة مصرية موجهة.
تجاريا يبدو واضحا في الأشهر الاخيرة تقلص بل تاكل التصدير المشترك الى الولايات المتحدة، ضمن اتفاقية "كويز" التي تمنح البضائع التي انتجت في الدولتين تخفيضات جمركية جدية.


يضاف الى ذلك ان تصدير الغاز من مصر الى اسرائيل متوقف كليا تقريبا، بعد ان سجل في نهاية تشرين ثاني المنصرم، الانفجار التاسع في خط الغاز الموصل الى اسرائيل، ناهيك عن عن ان وسائل الاعلام المصرية لاتنفك عن نشر التقارير، بخصوص صفقة الغاز المظلمة التي ابرمها حسني مبارك ومقربوه والتي تسمح لاسرائيل بشراء الغاز المصري بسعر بخس ويبدو ان المصريين يريدون فتح الاتفاقية بشكل يسمح لهم جباية ثمن اغلى بكثير من الثمن الحالي، مثلما حدث مؤخرا مع الاردن، ولكن في كل الأحوال فان اسرائيل لا يمكنها الاعتماد على الغاز المصري.


في مجال السياحة، يقول هارئيل، ان السياحة بين الدولتين متوقفة تقريبا فالسياح المصريين لا يأتون الى اسرائيل، اصلا، والسياحة الاسرائيلية الى القاهرة (باستثناء المواطنين العرب الذين يحملون الهوية الاسرائيلية) جفت هي الاخرى، خلال ثوان معدودات والفوضى التي تضرب سيناء فعلت ما لم تفعله سنوات طويلة من التفجيرات والانذارات، اذ تقتصر السياحة الى سيناء على عدد قليل من الاسرائيليين.

السفن الاسرائيلية مازال بامكانها العبور من قناة السويس ولكن ربما بشكل مؤقت فقط، فناهيك عن التشويش في حركة الملاحة في القناة عموما، بسبب اضراب العمال المصريين، الا ان الخطر الأكبر يكمن في تكرار ما حدث في نيسان الماضي، عندما اوقفت اسرائيل ارسالية صواريخ من طراز سي 704 من ايران الى قطاع غزة وما قد يسببه ذلك لحركة الملاحة اذا ما وصلت ارساليات مشابهة الى أيدي خلايا مسلحة في سيناء.


ويواصل هارئيل، رسم خطوط السيناريو المتشائم قائلا، ان اسرائيل ومصر ما زالتا تقيمان علاقات دبلوماسية وامنية، علما ان سفارة اسرائيل في القاهرة تم اغلاقها في أعقاب اقتحامها من قبل الجماهير الغاضبة ولا نعرف متى يتم افتتاحها مجددا والممثل الدبلوماسي الارفع في القاهرة، بغضاضة، هو نائب السفير بعد ان انهى السفير يتسحاق لبنون مهام منصبه ولم يتم استقبال بديله يعقوت اميتاي في القاهرة بعد، هارئيل، يستذكر انه عندما احتاجت اسرائيل المشير طنطاوي ليخلص طاقم سفارتها المحاصرة لم يجب على الهاتف الا بتدخل أمريكي.


المركب الامني الاكثر اهمية في اتفاقية السلام مع مصر، هو نزع سيناء من السلاح وبخصوصه يتساءل هارئيل، في ضوء التهديد الذي يمارس على المراقبين الدوليين من قبل العصابات المسلحة في سيناء، حيث تقوم بالهجمات على قواعدهم ووضع عبوات ناسفة، الأمر الذي اضطر الأمريكيين الى استخدام المروحيات على امل في تقليص المس بالقوافل، قبل بضعة اشهر قامت عصابة محلية بمهاجمة قاعدة عسكرية مصرية وقتلت ضابطين واصابت عشر اخرين، هجوم مماثل على مواقع المراقبين الدوليين سيقود الى انسحابهم خاصة وان مؤشرات العصبية اخذت تبدو عليهم في الاونة الاخيرة، على حد قول هارئيل.


بغض النظر عن كل ذلك، يجري في السنوات الاخيرة خرق فظ لاتفاق تقليص القوات وخاصة في السنة الاخيرة، فما بدأ عام 2005 اعقاب انسحاب اسرائيل من قطاع غزة، عندما طلبت اسرائيل من مصر مساعدتها في منع تهريب السلاح، عن طريق الأنفاق واشترطت الاخيرة تعزيز قواتها على امتداد الخط الحدودي وافتتاح قاعدة بحرية في العريش والسماح لها بالطيران بالمروحيات، غير المزودة بالصواريخ بمحاذاة الخط الحدودي.


ويواصل هارئيل، بعدها جاءت احداث ميدان التحرير وما اعقبها من فوضى دبت في سيناء، حيث طلبت مصر في اعقابها ادخال ست كتائب راجلة لفرض الأمن في سيناء واستجابت اسرائيل لطلبها.واليوم يوجد في سيناء وحدتين عسكريتين مصريتين زيادة على المسموح به في نطاق معاهدة السلام،علما ان زيادة القوات المصرية لم تسهم في تقليص الفوضى ومنع العمليات العسكرية من سيناء، كما ان وتيرة المتسللين الافارقة الى اسرائيل، يشير الى عدم القدرة وربما عدم الرغبة المصرية في معالجة الظاهرة.


افراغ اتفاقيات السلام من مضمونها، بسبب تزاوج سيناء وميدان التحريرله نتاج مقلقة على الوضع الامني الحدودي منها عملية 18 اب، عندما قامت خلية سيناوية مدربة جيدا (عملت حسب المعلومات الاستخبارية الاسرائيلي بتمويل وتوجيه فصائل فلسطينية) بقتل ثمانية اسرائيليين على شارع إيلات وهذه العملية تمثل "تحول استراتيجي" بالنسبة للحدود مع مصر، من حدود تعاني من عمليات جنائية وتهريب سلاح، الى حدود تحمل مخاطر جدية لعمليات عسكرية وفي مراحل متأخرة على اسرائيل الاخذ بالحسبان سيناريوهات اكثر صعوبة، من شأنها المس بحرية المناورة التي يتمتع بها الجيش الاسرائيلي في حالة التصعيد في قطاع غزة وتنذر بخطر حرب على المدى البعيد.


هارئيل، استنادا الى مصادر عسكرية واستخبارية يقول، ان التغيير الحاصل في مصر يعني ان اسرائيل لا يمكنها تكرار ما فعلته في غزة، خلال عملية الرصاص المصبوب وهي مطمئنة ان مصر ستقف مكتوفة اليدين، بل عليها توقع ان تمارس مصر ضغطا يصل حد التهديد بتحريك فرقة مسلحة الى سيناء، حتى لو كان ذلك مناقضا لاتفاقية السلام، لوقف العملية الاسرائيلية.


الجنرال يواف غالانط قال هذا الاسبوع، خلال محاضرة له في جامعة تل ابيب، ان قضم اتفاقية السلام قد يؤدي الى دخول قوات مصرية الى سيناء، مذكرا بان تركيز قوات من هذا القبيل شكل ذريعة لاندلاع حرب 67 .


رونين كوهن، احد كبار جهاز الاستخبارات العسكرية سابقا، توقع ان تزداد العمليات العسكرية من سيناء في السنوات القادمة وان تغض حكومة تابعة للاخوان المسلمين الطرف عن مثل هذه العمليات بشكل مقصود، مشيرا الى ان مصر لن تذهب باتجاه الصدام المباشر مع اسرائيل لأنها بحاجة الى المساعدة الأمريكية.


اتفاقية كامب ديفيد اسقطت مصر، بشكل نهائي تقريبا، من قائمة التهديدات التي يأخذها الجيش الاسرائيلي بعين الاعتبار، غالانط، ذكر بأنه في كل حرب شارك فيها الجيش المصري كانت الجبهة معه هي اخطر جبهة بالنسبة لاسرائيل ، واليوم ايضا، ما زال الجيش المصري يعد مليون جندي، نصفهم في الخدمة الالزامية، بالاضافة الى اربعة الاف دبابة والاف المدافع ومئتي طائرة من طراز اف 16 واكثر من 170سفينة حربية، ويقول انه حتى في أوقات السلام اجرى هذا الجيش مناورات سنوية كبيرة، وجهت ضد دولة مجهولة الهوية في الشرق، وليس ضد الجيران الذين يعانون من عدم استقرار في ليبيا والسودان.


في ضوء التغييرات المذكورة، يقول هارئيل، تعمل اسرائيل على بناء الجدار الحدودي على طول سيناء وحتى في الجانب الجنوبي من الحدود مع الأردن وتعزز قواتها على الحدود المصرية.


قائد الاركان بيني غنتس، قال لضباطه في اكثر من مناسبة،ولوا وجوهكم باتجاه الجنوب. هذا ليس اعلان حرب، يقول هارئيل، فاسرائيل موجودة في مأزق كونها يجب ان تستعد للسيناريو الاسوأ القادم من مصر وفي ذات الوقت ان لاتغضب القيادة المصرية الحالية وتساهم بالتالي في زيادة التوتر.


المشكلة الاساسية هي ان الجيش الإسرائيلي قد نسي اللغة المصرية، على حد تعبير هارئيل، ويتوجب عليه اليوم اعادة تعلمها من جديد على كل ما تعنيه من حرب الصحراء وتجديد جمع المعلومات الإستخبارية عن دولة ما زالت تعرف على انها دولة صديقة.


غالانط، وخلال سنواته الخمس التي قضاها في مهام قائد الجبهة الجنوبية، كان النذير الوحيد تقريبا، بشأن الخطر المصري وعملياته المتعلقة بالتفكير وجمع المعلومات بقيت منحصرة في مستوى قيادة الجبهة الجنوبية.


اما ضابط الاستخبارات السابق، رونين كوهن فيقول، ان الاعتقاد السائد كان ان الاستخبارات يمكنها توفير انذار مسبق قبل سنة اوسنتين من حدوث التحول، الا ان دومينو الربيع العربي انهار اسرع مما هو متوقع، مشيرا الى ان على اسرائيل اعتبار انهيار نظام مبارك بمثابة انذار استراتيجي بعيد المدى وان تستعد بما يستوجب ذلك.