الديمغرافيا في خدمة غايـة تأبـيـــد الدولة الصهيونية/ أنطـوان شلحـت

الديمغرافيا في خدمة غايـة تأبـيـــد الدولة الصهيونية/ أنطـوان شلحـت

 
 
(*) الكتاب: إسرائيل ديمغرافيًا 2010- 2030: في الطريق نحو دولة دينية.
(*) تأليف: يفغينيا بيستروف وأرنون سوفير (ترجمة: سليم سلامة).
(*) إصدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، تشرين الثاني 2011 (ضمن سلسلة "أوراق إسرائيلية"، العدد 55).
 
 
(*) يخوض مؤلفا هذه الدراسة في تحليل المخاطر التي من المتوقع أن تواجهها إسرائيل في غضون الأعوام العشرين المقبلة، وأساسًا تحت وطأة تحولات ديمغرافية تحدث فيها وكذلك من حولها، والتي تعتبر برأيهما تحولات سلبية، ولا تصب في مصلحتها على المدى البعيد.
 
وهما يؤكدان أنه سيكون بمقدور إسرائيل البقاء والاستمرار في الوجود فقط إذا ما توفرت فيها أغلبية يهودية صهيونية واضحة تعيش في منطقة جغرافية تسمح مقاساتها وحدودها بتحقيق سيادة الدولة والدفاع عنها، وإذا ما عمّ فيها مستوى معيشي يلائم مجتمعا غربيا. لكنهما في الوقت ذاته يشدّدان على أن تحقيق هذين الشرطين الضروريين لوجود "إسرائيل اليهودية الصهيونية" ليس أمرا مفروغا منه، ذلك بأن السيرورات الديمغرافية الجارية، بما في ذلك داخل إسرائيل ذاتها، تهدّد القدرة على تحقيقهما، ناهيك عن أن هذه السيرورات لا تحظى بالاهتمام المطلوب لدى الزعماء والساسة ودوائر صنع القرار.
 
ومن بين المشكلات العديدة التي يرى المؤلفان أنها ماثلة أمام إسرائيل، ثمة تركيز كبير على السيرورات الديمغرافية التالية:
·        الضغوط على إسرائيل من جانب الجيران، القريبين والبعيدين؛
·        العلاقات المتوترة بين اليهود وبين الشعب الفلسطيني في كل أنحاء "أرض إسرائيل" (فلسطين الانتدابية)؛
·        الاكتظاظ السكاني الذي يجعل إسرائيل الدولة الأكثر اكتظاظا في العالم الغربي؛
·        السيرورة التي تتحوّل إسرائيل من خلالها إلى دولة أكثر تديّنا؛
·        السيرورة التي بموجبها باتت إسرائيل تتجمع وتتكوّر أكثر فأكثر في داخل ما يسمى "دولة تل أبيب".
 
ووفقًا للتوقعات التي يوردانها فإن المتدينين اليهود- وأساسًا الحريديم- سوف يشكلون نسبة كبيرة بين السكان في إسرائيل في العام 2030، ما سيؤدي برأيهما إلى ثورة اقتصادية - اجتماعية - عسكرية - بيئية غير مسبوقة على الإطلاق.
 
وهذا الأمر وحده من شأنه لدى تضافره مع تحولات أخرى أن يفضي إلى واحد من ثلاثة احتمالات أو سيناريوهات:
 
أولاً، نظرًا إلى أن القيادة الإسرائيلية، على الأقل في غضون العقود القريبة المقبلة، لن تكون مختلفة كثيرًا عن تلك الموجودة الآن، فإن كل المخاطر والتهديدات التي تحدثا عنهاستبقى ماثلة وربما ستتعاظم. وبالتالي سيشهد المستقبل مزيدا من ضعف الديمقراطية في مقابل القوى الدينية المناوئة للديمقراطية، وتصاعد عجز الكنيست عن تأدية مهماته، واستفحال الفوضى المتحولة إلى قاعدة معيارية. وفي غياب القدرة على الحكم، ستتعاظم حركة الهجرة الداخلية في اتجاه منطقة تل أبيب لتفقد المناطق اليهودية البعيدة عن المركز (وسط البلد) وزنها الديمغرافي - الاقتصادي حتى الانهيار المزدوج، والذي يعني في قراءتهما انهيار الأطراف البعيدة عن المركز من جهة، وانهيار "دولة تل أبيب" من جهة أخرى.
 
ثانيًا، الجمهور العلماني (اليهودي) سيبقى في إسرائيل حتى العام 2030، وهو بالتأكيد لن يرضى بواقع الحياة الدينية الراديكالية، وسيواصل صراعه ضد الراديكالية الدينية مختبرا خطوات شتى لتغيير الوضع. لكن مهمته لن تكون سهلة في ضوء النزعات الديمغرافية المحتدمة. وستكون إحدى الطرق التي سيتم اختبارها هي تغيير طريقة الانتخابات العامة، ورفع نسبة الحسم في انتخابات الكنيست. وهذه الخطوة ربما تزيد، في ظروف معينة، من قوة الأحزاب الكبيرة، ما سيؤدي إلى نشوء ائتلافات حكومية أكثر ثباتا واستقرارا، وإلى تعزيز قدرة الحكومة على الحكم. وما يمكن توقعه هو أن تشكيل ائتلافات من دون القوى الدينية سيتيح لحكومة إسرائيل إمكان تغيير الوضع القائم، وإنجاز "ثورة علمانية" في جهاز التربية والتعليم، وسوق العمل، والخدمة العسكرية، وشبكة المواصلات وغيرها. ومع ذلك، لا بُد من تذكر أن النظام الديمقراطي في إسرائيل يعترف بحقيقة أن المجتمع الإسرائيلي اليهودي هو مجتمع متعدد الشروخ والتصدعات، ولذا فإن رأي الأغلبية لن يُفرض على الأقلية في حالات عديدة وعن سبق عمد. وعليه ثمة شك قوي في ما إذا كانت الخطوات الحادة، من قبيل تعزيز قوة رئيس الحكومة على نحو دراماتيكي، أو تغيير طريقة الحكم إلى نظام رئاسي، ستملك القدرة على حل مشكلات المجتمع المستعصية من دون تعميق الشروخ، ومن دون دفع قوى راديكالية إلى ممارسات أكثر تطرفا. وعلى أي حال، فإن من شأن ائتلاف علماني تشارك فيه كل الأحزاب العلمانية فقط أن يتمكن، فعليا، من تكوين أغلبية قادرة على اتخاذ القرارات في الاتجاه المطلوب. غير أن ائتلافًا كهذا يمكن تشكيله شريطة إنهاء الصراع اليهودي - الإسرائيلي فقط، الأمر الذي يتيح إمكان تقديم القضايا الاجتماعية على القضايا الأمنية.
 
ثالثًا، على فرض استمرار حالة القدرة على الحكم في إسرائيل على ما هي عليه الآن (حالة التلاشي)، وعدم قيام ائتلاف علماني، فإن ما كان هو ما سيبقى، أي أن الصراع الإسرائيلي - العربي سيستمر، وبناء عليه سيبقى الأمن في رأس سلم الأولويات الوطنية. كذلك فإن المجتمع الحريدي سيزداد اتساعا، ويتفاقم الفقر، إذ إنه بالرغم عن كون هذا الجمهور حكيما جدا، إلا إنه لن يكون من السهل دمج أبنائه في عالم التكنولوجيا والحداثة. في المقابل يرى المؤلفان أن هذا الجمهور منضبط للغاية، وفي مقدوره النهوض بمشاريع قومية نسي العلمانيون، منذ زمن بعيد، كيفية إنجازها. لا بل إنه في موازاة التخاذل العلماني، ربما يبدي المتدينون جميعا إصرارا قوميا - مدنيا، وعسكريا أيضا، فيقدمون ردا على ما يحدث في الجانب الآخر من المتراس - الإسلام المتطرف- في سنوات الثلاثين من القرن الحالي. وبما أن كثيرين من العلمانيين سيهجرون البلد، في إطار هذا السيناريو، فإن الباقين سيضطرون إلى القبول بنمط حياة دينية وبأنظمة دينية. والاكتظاظ السكاني الشديد، والعنف المستفحل، وثقافة الـسكن التي تميز الحريديم، لن تشكل عوامل داعمة لجودة البيئة، وللمتنزهات الخضراء، ولمنهج التخطيط القومي المنظم. والجيش الإسرائيلي سيبقى على حاله، لكن مع مزيد من القبعات الدينية. فالطيارون سيكونون حريديم، وكذا المقاتلون في الوحدات الميدانية، وفي شتى المنشآت والمراكز الاستخباراتية. وفي جميع الأحوال، فإن "الديمقراطية الفوضوية" السائدة في إسرائيل منذ بضعة عقود تقف على شفا تغيرات عميقة.
 
ومن بين هذه الاحتمالات الثلاثة يؤكد المؤلفان أن هذا الأخير هو الأكثر احتمالا لأن يتحقق. ومن الجليّ أنه إذا ما دفعت القيادة الدينية شعب إسرائيل في اتجاه الإقدام على ضم مناطق يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وقطاع غزة، فإن الأمور ستعود إلى الاحتمال الأول والأشدّ فظاعة، وفحواه الانهيار التام، والذي يعني بلغتهما "بلوغ الحلم الصهيوني نهايته المأساوية، وتفرّق شعب إسرائيل في الشتات مرة أخرى، ليواجه من جديد لاسامية قاسية، وبوغرومات، وخطر الذوبان (وسط شعوب أخرى)، وستغدو الصهيونية مجرّد فصل قصير آخر في تاريخ إسرائيل والأمم".  
 
في واقع الأمر تمثل الطروحات المعروضة في هذه الدراسة الجانب الأهم من السجال الذي دار ويدور في إسرائيل في شأن التحولات الديمغرافية وتوقعاتها المستقبلية وإحالاتها السياسية المرتبطة بوضع إسرائيل والمنطقة برمتها.
 
ومعروف أن المتساجلين، حسبما يلمح مؤلفا هذه الدراسة أيضًا، منقسمون إلى فئتين رئيستين:
 
الفئة الأولى تقول إن إسرائيل لا تواجه "مشكلة" ديمغرافية، ولم يسبق أن وُجدت مشكلة من هذا القبيل، والمهم أن شيئًا من ذلك لن يظهر في المستقبل أيضًا، وعليه فلا مبرّر إطلاقًا للتفكير بحلول سياسية، على شاكلة "الانفصال" الذي تمّ في العام 2005 عن قطاع غزة، فيما يتعلق بمنطقة الضفة الغربية. ولا بُدّ من الإشارة هنا إلى أن هذا السجال احتدم كثيرًا عقب إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق إيهود أولمرت عما عرف باسم "خطة التجميع" (أو الانطواء)، وقبل أن تتسبب الحرب على لبنان في صيف 2006 بإسقاطها من جدول الأعمال.
 
أمّا الفئة الثانية والتي ينتمي المؤلفان إليها، فتقول بوجود مشكلة كهذه من المتوقع أن تتفاقم في المستقبل، ولذا فإنها تستلزم التقدّم بحلول سياسية للصراع تضع في صلبها "غاية الحفاظ على الطابع اليهودي الصهيوني لإسرائيل".
 
ومن الواضح أن هذا السجال لا يدور على الأرقام فقط، وإنما أيضًا بل وأساسًا بين من يعتقد أن ثمة مشكلة ديمغرافية صعبة ومهددة لـ "إسرائيل اليهودية الصهيونية"، وبين من يدعي أن المستقبل الديمغرافي سيظل لمصلحة "إسرائيل اليهودية الصهيونية" على الدوام.
 
وبطبيعة الحال ثمة لهذا السجال تأثيرات وتداعيات سياسية واسعة النطاق، ولا سيما بشأن السؤال المتعلق فيما إذا كانت ثمة حاجة إلى "الاحتفاظ" بالضفة الغربية، أو أنه يمكن التنازل عنها، كما يتبيّن من هذه الدراسة أيضًا.
 
وما يتعيّن علينا أن نلاحظه، بالعطف على ما تقدّم كله، هو أن ثمة قاسمًا مشتركًا يجمع بين الفئتين المتساجلتين يتجاوز الخلاف الحادّ في ظاهره بشأن الأرقام، وتداعياتها على السياسة المطلوب اتخاذها إزاء الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. ويتمثل هذا القاسم المشترك في غاية الحفاظ على الطابع اليهودي- الصهيوني لإسرائيل إلى الأبد.
 
وفي ضوء ذلك تبقى حقوق الشعب العربي الفلسطيني في أرضه ووطنه مرهونة بهذه الغاية أولاً ودائمًا، سواء من وجهة نظر المؤيدين للانفصال الجغرافي عن مناطق فلسطينية أخرى، أو بالنسبة إلى المعارضين لهذا الانفصال.
 
ولعله من نافل القول إنّ ضرورة الانفصال عن العرب الفلسطينيين باتت منذ عدة أعوام تقف في صلب شبه إجماع جديد يسود الرأي العام الإسرائيلي، لكن من غير تحميل النفس "عناء" توفير حلّ عادل للقضية الفلسطينية، أي من غير الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود حزيران 1967، ومن غير القدس، وطبعًا من غير حقّ العودة للاجئين. وبالتالي على هذه الأمور كافة أن تبقى معلقة على "أفـق سياسيّ مجهول"!.