العلاقات الإسرائيلية - الأوروبية: إدارة الأزمة دون حلها

العلاقات الإسرائيلية - الأوروبية: إدارة الأزمة دون حلها

توحي الحكومة الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، بأنها حلّت الأزمة في العلاقة بينها وبين الاتحاد الأوروبي، التي تصاعدت ووصلت ذروتها في أعقاب قرار الاتحاد بوسم منتجات المستوطنات. ويبدو أن إسرائيل تراجعت عن خطوات أعلنت عنها في أعقاب القرار الأوروبي، بينما لا يتوقع أن يغير الاتحاد من سياسته تجاه الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني ورؤيته لحل هذا الصراع.

وكان نتنياهو أعلن في 12 شباط الفائت أنه تحدث هاتفيا مع مفوضة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فدريكا موغيريني، وتقرر خلال المحادثة إنهاء الأزمة بين الجانبين، التي نشأت في أعقاب قرار وسم منتجات المستوطنات، في تشرين الثاني العام 2015. ويذكر أن إسرائيل ردت على القرار الأوروبي في حينه بوقف الحوار بينها وبين الاتحاد حول حل الصراع، وإعلان نتنياهو أنه سيجري 'إعادة تقييم' في ضلوع مؤسسات الاتحاد الأوروبي في 'العملية السياسية'.

وقال نتنياهو في أعقاب المحادثة مع موغيريني إنه سيتم استئناف الحوار مع الاتحاد الأوروبي، وأن الجانبين ينويان التوصل إلى تفاهمات تشمل خطوات متبادلة لإعادة العلاقات إلى 'مسارها السليم'.

وأبلغ مسؤولون في وزارة الخارجية الإسرائيلية مندوبة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي، هلغا شميدت، أن أحد شروط استئناف الحوار حول الموضوع الفلسطيني هو وجود 'أسلوب محترم وأكثر توازنا من جانب الاتحاد تجاه إسرائيل'، وادعوا أن 'قرار مجلس وزراء خارجية الاتحاد والقرار بوسم منتجات كان أحادي الجانب وعمليا هم تبنوا الرواية الفلسطينية. ولا يتم إجراء حوار بهذا الشكل'.

وتطرق إلى هذا الموضوع السفير الإسرائيلي السابق في ألمانيا ونائب مدير عام وزارة الخارجية السابق لشؤون شرق ووسط أوروبا والباحث حاليا في 'معهد أبحاث الأمن القومي' في جامعة تل أبيب، شمعون شتاين.

وأشار شتاين، في مقال تحليلي نشر في الموقع الالكتروني لمعهد الأبحاث، إلى أن إسرائيل تتوقع أن تحصل على 'مقابل' لقاء استعدادها لاستئناف الحوار مع الاتحاد الأوروبي حول الموضوع الفلسطيني. وشدد الدبلوماسي في تحليله على أنه يصعب معرفة طبيعة هذا 'المقابل' إلا أن طبيعته ستكون 'رمزية' و'غير ملزمة'، لأنه 'لا يوجد احتمال بأن يغير الاتحاد قراره المبدئي في موضوع وسم المنتجات أو حيال أي جانب آخر متعلق بالموضوع الفلسطيني'.

وتساءل شتاين حول المقصود بعبارة 'المسار السليم' وما إذا بالإمكان إعادة العلاقات إلى مسار كهذا في الظروف السياسية الحالية، وما مدى واقعية هذا الطرح الإسرائيلي قياسا بالمواقف الأساسية للاتحاد الأوروبي حيال القضية الفلسطينية عموما وموضوع المستوطنات خصوصا. ورجح شتاين أن المقصود ب'العودة إلى مسلول سليم' في العلاقات هو استمرار إدارة الأزمة وعدم تفاقمها.    

وأضاف شتاين أن محاولات تسوية الأزمة في العلاقات الإسرائيلية – الأوروبية تعبر عن استعداد إسرائيل 'للنزول عن الشجرة' التي تسلقتها عندما عقبت على قرار وسم المنتجات. إذ إضافة إلى تعليق الحوار بين الجانبين، أطلق مسؤولون إسرائيليون تصريحات شديدة اللهجة، وقال نتنياهو إن 'على الاتحاد أن يخجل' وأن القرار يعبر عن 'نفاق وأخلاقيات مزدوجة'، وأن 'هناك أناس أكثر مما ينبغي يعيشون في الأراضي الأوروبية التي ذُبح فيها ستة ملايين يهودي ولم يتعلموا شيئا من ذلك'. واعتبرت وزير القضاء الإسرائيلية، أييليت شاكيد، أن قرار وسم المنتجات 'معاد لإسرائيل ولليهود'.

ورأى شتاين أنه تبلور إدراك في إسرائيل مفاده أن وقف الحوار مع الاتحاد الأوروبي لن يحل الأزمة، وقال نتنياهو إن 'خطوات الاتحاد الأوروبي مستمرة' بكل ما يتعلق بفرض عقوبات ضد المستوطنات وإبراز الفرق بين إسرائيل والأراضي المحتلة عام 1967.

ولفت شتاين إلى أنه خلافا لادعاء حكومة إسرائيل أن الهزة في دول الشرق الأوسط أدت إلى فقدان الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني لمركزيته، ولذلك على الاتحاد الأوروبي أن يركز جهوده على نزاعات من شأن حلها أن ينعكس على استقرار المنطقة وأمن أوروبا. لكن الاتحاد الأوروبي لا يزال متمسكا بحل الدولتين ولذلك يرى أن ثمة حاجة للحوار مع إسرائيل حول الموضوع الفلسطيني.

وكتب شتاين أنه 'بالاستناد إلى الإدراك أنه لا توجد إمكانية لتغيير موقف الاتحاد، يكتفي نتنياهو بالتعبير عن أمله بأنه مقابل استئناف الحوار، سيكون الاتحاد – إذا أراد التأثير على السياسة الإسرائيلية – أن يكون أداءه ’محترم أكثر’'.

وأضاف شتاين أن نتنياهو يعتبر أن مشكلة إسرائيل مع الاتحاد الأوروبي ليست مع الدول الأعضاء فيه وإنما مع جهاز الاتحاد، الذي لا ينتظر رأي أعضائه وإنما يبادر لخطوات، مثلما حدث في قرار وسم منتجات المستوطنات. واعتبر هذا الدبلوماسي أن انتقاد نتنياهو ل'جهاز بروكسل' يندمج في إطار ما يسمى 'روح العصر'، حيث يتزايد حجم الجماهير في أوروبا، وخاصة في وسطها وشرقها، الذين ينتقدون 'التأثير الزائد' ل'جهاز بركسل' على حياتهم ودولهم. ويرى نتنياهو في هذا السياق أنه كلما ازداد الانشقاق بين أعضاء الاتحاد الأوروبي فإن الوضع أفضل بالنسبة لإسرائيل وتتضاءل احتمالات اتخاذ قرارا ضد سياسة إسرائيل.

اقرأ أيضًا | المستوطنون يستهدفون سفير الاتحاد الأوروبي

وخلص شتاين إلى أن قرار الاتحاد الأوروبي بوسم منتجات المستوطنات لم يكن قرارا تقنيا كما حاول الاتحاد وصفه، وإنما غاية هذا القرار هي التمييز بين إسرائيل وبين الأراضي المحتلة عام 1967. وبنظر الاتحاد الأوروبي، فإن هذه الرؤية تمكنها من الحفاظ على فكرة حل الدولتين على قيد الحياة، ولذلك ليس مستبعدا ألا تأتي خطوات أوروبية أخرى في أعقاب وسم المنتجات. وبإمكان إسرائيل أن تعيد العلاقات بينها وبين الاتحاد إلى 'مسار سليم' في حال 'تخلت عن سياستها الحالية، التي تقدس الوضع القائم (أي الجمود)، وتدفع خطوات توضح أنها دعمها لحل الدولتين للشعبين ليس ضريبة كلامية. ويقدر أن احتمال حدوث ذلك اليوم ضئيل للغاية'.   

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة