عقدة إخفاق إسرائيل بحرب أكتوبر: الموساد يتهم "أمان"

عقدة إخفاق إسرائيل بحرب أكتوبر: الموساد يتهم "أمان"
حرب أكتوبر 1973: القوات المصرية تعبر قناة السويس

بحلول يوم الغفران في كل عام، 'تتفتح جروح' الإسرائيليين مستذكرين حرب تشرين أو حرب أكتوبر، أو 'حرب يوم الغفران' كما يسمونها في إسرائيل، التي نشبت في 6 تشرين الأول/أكتوبر العام 1973. إذ يعتبر الإسرائيليون هذه الحرب 'إخفاقا كبيرا' و'صدمة' ما زالت تقض مضاجعهم، لأنهم فوجئوا بها ولم يتوقعوا مبادرة مصر وسورية إلى شنها.

وصدرت مئات المقالات وعشرات الكتب والأبحاث، على مدار الـ43 سنة الماضية، التي سعت إلى فهم كيفية حدوث هذه المفاجأة، التي توصف بأنها 'الإخفاق' بـ'أل' التعريف. إنها عقدة نفسية ما زالت ترافق إسرائيل. وفي السنوات الأخيرة جرت إماطة اللثام وإزالة السرية عن عدد من الوثائق وأجزاء من تقرير لجنة التحقيق الرسمية التي تشكلت في أعقاب 'الإخفاق' برئاسة رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية، شمعون أغرانات. لكن أجزاء من تقرير 'لجنة أغرانات' ما زال يخضع للسرية حتى اليوم. ويذكر أنه بعد أن وضعت الحرب أوزارها استقالت رئيس الحكومة الإسرائيلية، غولدا مئير، ورئيس أركان الجيش، دافيد إلعازار.

رئيس الموساد الأسبق، زامير

وترددت طوال هذه السنوات روايات عديدة في إسرائيل، رافقها تبادل اتهامات، ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، مشحونة بالغرائز والعواطف والمعسكرات، بين جنرالات تلك الحرب. و'حرب الجنرالات' هذه، دارت وما زالت تدور وتتمحور حول عدم قدرة إسرائيل على توقع والهجوم المفاجئ ضدها. فشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، المسؤولة عن وضع التقييمات القومية الإستراتيجية، برئاسة إيلي زاعيرا، عشية الحرب وخلالها، تتهم الموساد ورئيسه أثناء الحرب، تسفي زامير، بعدم توفير الإنذار، بينما يتهم الموساد وزامير 'أمان' وزاعيرا بتبنيهم مفهوم أن مصر لن تجرؤ على المبادرة إلى شن حرب ضد إسرائيل.

وبعد أن أحضر زامير 'المعلومة الذهبية'، قبل ساعات من نشوب الحرب، بعد لقائه في لندن مع أشرف مروان، صهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والمقرب من الرئيس الأسبق أنور السادات، بأن مصر ستشن هجوما في 6 تشرين الأول/أكتوبر، لم يقتنع ولم يستوعب 'أمان' هذا الإنذار. ولا يزال السجال دائرا حتى اليوم حول ما إذا كان مروان جاسوسا لإسرائيل، لمجرد طمعه بالمال، أم أنه جاسوس مزدوج، عمل بموجب خطة مصرية محنكة جرى بموجبها دفعه لأن يكون جاسوسا وتضليل الإسرائيليين.

توقيع اتفاقية سلام منفردة، كامب ديفيد 1978

وصدرت في السنوات الأخيرة عدة كتب حول هذه الحرب. أحدها صدر في العام 2011، بعنوان 'بعينين مفتوحتين – رئيس الموساد يحذر: فهل إسرائيل مصغية؟' من تأليف زامير نفسه. وسعى في هذا الكتاب إلى إثبات أن مروان كان جاسوسا إسرائيليا وتفنيد رواية زاعيرا و'أمان' حول الجاسوس المزدوج. وكتاب آخر، صدر في العام 2012، بعنوان '1973 – الطريق إلى الحرب' من تأليف الأكاديمي يغئال كيبنيس. ووفقا لهذين الكتابين، فإنه بعد توجهات السادات المتكررة إلى إسرائيل، عبر الولايات المتحدة، للتوصل إلى تسوية تستعيد مصر بموجبها شبه جزيرة سيناء، ورفض إسرائيل المطلق لهذه التوجهات، اتخذ السادات قرارا إستراتيجيا بشن حرب مفاجئة بهدف إنهائها من خلال إطلاق عملية سياسية، والتي قادت في النهاية، وبعد سنوات، إلى اتفاقية سلام منفرد بين مصر وإسرائيل.

مؤشرات لدى الموساد تنذر بالحرب

بحلول يوم الغفران غدا، نشر رئيس الموساد في الأعوام 1989 – 1996، شبتاي شافيط، مقالا مطولا في صحيفة 'يديعوت أحرونوت' اليوم الثلاثاء، عبر فيه عن دعمه لرواية زامير، بل أنه أشار إلى أن 'المعلومات التي جمعها الموساد، خلال السنوات التي سبقت الحرب، كان ينبغي تفسيرها كإنذار واضح للحرب'. والنظرية المركزية التي يطرحها شافيط الآن، هي أنه تم إقصاء الموساد عن صناعة القرار.

وبحسب هذه النظرية، فإن 'من يريد فهم خلفية حرب يوم الغفران، يتعين عليه أن يكون شاهدا على أن العلاقات بين (وزير الأمن أثناء الحرب موشيه) ديان وزامير كانت فاترة جدا، لأن زامير يعتبر مقربا أو تحت رعاية يغئال يدين، منافس ديان الأكبر. وكانت العلاقات فاترة لدرجة أن زامير لم يُدعَ أبدا للمداولات لدى وزير الأمن ديان. ورئيس أمان، اللواء إيلي زاعيرا، كان الصديق الودود لموشيه ديان، وكان يعده لتولي منصب رئيس هيئة الأركان العامة'.

شافيط

شافيط نفسه كان يتولى منصب رئيس دائرة العمليات في الموساد أثناء الحرب. وبحكم منصبه هذا كان مسؤولا عن الاتصالات مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية الأخرى، ومقربا من زامير، وحضر اجتماعات للحكومة والمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية.

ويفيد شافيط بأنه بعد تشكيل 'لجنة أغرانات'، أبلغت اللجنة زامير بأنه سيُستدعى للإدلاء بشهادة أمامها. وعلى أثر ذلك، شكل زامير طاقما مؤلفا من مندوبين عن وحدات الموساد المختلفة، برئاسة شافيط، مهمته استعراض مساهمة الموساد، من الناحية الاستخبارية، قبل حرب أكتوبر، وحصر ذلك في أربعة جوانب: النوايا الإستراتيجية المصرية والسورية، تعاظم قوة هاتين الدولتين، وصف مصادر المعلومات الاستخبارية لطبيعة الحرب المقبلة، والإنذارات التي زودها الموساد حول مواعيد يمكن أن تنشب فيها الحرب.

واستعرض شافيط في مقاله، اليوم، جزءًا من المعلومات حول مصر وأداء السادات، والتي وصلت إلى الموساد من خلال عملائه أو بواسطة أجهزة استخبارات أجنبية 'صديقة':

إحدى التقديرات لدى الموساد كانت أنه 'من أجل إخراج الصراع من الجمود'، فإن السادات يرى ضرورة نشوب حرب محدودة النطاق. 'وليس السادات وحده يتمسك بمفهوم سياسي إستراتيجي كهذا، وإنما وافقت عليها كل القيادة المصرية'. وبحسب شافيط، فإن الموساد توصل إلى هذا التقييم بعد حصوله على المعلومات الاستخبارية التالية:

*وصل الموساد تقرير من مصدر موثوق، في نيسان/أبريل العام 1971، جاء فيه أن مصر ستشن حربا محدودة من أجل التحقق من ردود فعل الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد أن يئست من إمكانية التوصل إلى حل سياسي.

*معلومات استخبارية وصلت الموساد، عبارة عن أقوال أدلى بها السادات خلال لقاء مع القيادة السوفييتية، في تشرين الثاني/نوفمبر العام 1971، اعتبر فيها أن الوضع جيد بالنسبة لأميركا وإسرائيل، وأنه 'لا مفر من تحريك المشكلة وإثارة اهتمام العالم بها، من أجل حل سلمي، بواسطة عملية عسكرية محدودة'.

*معلومة استخبارية ثالثة تتعلق بتصريحات للسادات في موسكو، في شباط/فبراير العام 1972، تحدث فيها عن 'وجوب تنفيذ عملية عسكرية محدودة في النصف الثاني من العام 1972'.

*رسالة بعثها السادات إلى الرئيس السوفييتي، ليونيد بريجينيف، في كانون الثاني/يناير العام 1973، وكتب فيها أنه 'تزداد قناعتنا بأنه طالما لا تقتنع إسرائيل بقدرتنا على الوقوف أمام قواتها، وهزمها وتغيير الوضع العسكري، فإنها لن توافق على الانسحاب من أراضينا المحتلة'.

*مصدر 'موثوق' يبلغ إلموساد، في نيسان/أبريل العام 1973، بأنه لا يوجد حل في الأفق وأن السادات جاد في نيته استئناف القتال في الفترة القريبة من أجل الخروج من الجمود، علما أن احتمالات النجاح ضئيلة في شن الحرب، وثمة احتمال لأن يفقد الرئيس المصري منصبه بحال الفشل. 'هذه خطوة تعبر عن يأس'.

*مذكرة حول تخطيط السياسة المصرية للعام 1072/3، قدمها للسادات مستشاره لشؤون الأمن القومي، حافظ إسماعيل، أشارت إلى وجوب تصحيح العلاقات مع الاتحاد السوفييتي من أجل ضمان التزود بالسلاح، وتنفيذ حملة سياسية للحصول على دعم وإجراء اتصالات مع الولايات المتحدة. وفي موازاة ذلك إجراء اتصالات مع الدول العربية من أجل دفعها إلى ممارسة ضغوط على المصالح الغربية وما إلى ذلك.

السادات في سيناء، تشرين الأول/أكتوبر 1973

وأضاف شافيط أن الموساد جمع معلومات استخبارية حول تسلح الجيشين المصري والسوري استعدادا للحرب، وأنه خلال العامين 1972 1973، زود الموساد معلومات كثيرة، حصل عليها من عملائه، لصحافيين حول تسلح مصر وسورية وسد الفجوات من أجل شن حرب.

ووفقا لشافيط، فإن معلومات استخبارية كثيرة جمعها الموساد لم تحظَ بتعامل لائق من جانب 'أمان'، وبينها أن السادات أوشك على إنهاء مفاوضات مع الدول العربية المصدرة للنفط حول وقف تزويد الدول الغربية بالنفط فور بدء الحرب، وقرار مصر بفرض حصار على باب المندب وإغلاقه وتفخيخ مدخل خليج العقبة المؤدي إلى إيلات، أيضًا.

وأشار شافيط إلى أن الموساد أخذ بالحسبان أيضا تردد السادات في شن الحرب. إذ برأي الموساد، حدد السادات مواعيد لسن الحرب خلال السنوات الثلاث التي سبقت حرب أكتوبر ولم يفعل شيئا. وأشار أيضا إلى أن السادات تخوف من عدم الحصول على دعم سوفييتي كامل، خصوصا بما يتعلق بالأسلحة، بينما الولايات المتحدة لم تكن تريد حربا كهذه. لكن من الجهة الأخرى، فإن السادات احتفظ بتوقيت شن الحرب ولم يبح بذلك لأحد، سوى قبل أربعة أيام، عندما أبلغ القيادة المصرية وقيادة الجيش وسورية.      

وبعد أن حصل زامير على 'المعلومة الذهبية' من مروان، كتب في تقريره المشفّر إلى القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية أنه 'بحسب تقدير المصدر (أي مروان)، ورغم تردد السادات، فإن احتمالات شن هجوم هي 99.9%'.  

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018