خطاب كيري وموت حل الدولتين

خطاب كيري وموت حل الدولتين
(رويترز)

انقسم المحللون في الصحف الإسرائيلية الصادرة اليوم، الخميس، حول الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أمس. قسم منهم اعتبر أن كيري محق وأن خطابه 'صهيوني' بامتياز، والقسم الآخر، اليميني، استهزأ بكيري وخطابه. لكن اللافت أن المحللين الذين اعتبروا أن كيري محق أكدوا أيضا على أن حل الدولتين مات، أو 'دخل في حالة جمود'، بحسب ناحوم برنياع في صحيفة 'يديعوت أحرونوت'.

وكتب برنياع أن 'حل الدولتين مات فعلا، أو أنه دخل في حالة جمود عميقة، وفقط بإمكان ظروف غير عادية، أو مأساة رهيبة أن تعيده إلى الحياة. وقد أقام كيري بالأمس نصبا تذكاريا لحل، ولم يقدم وصفة لحل'.

ورأى برنياع أنه 'مثل كثيرين قبله، يعيش كيري بشعور أن الاتفاق قاب قوسين أو أدنى، وكل ما يحتاج إليه الجانبين (الإسرائيلي والفلسطيني) هو مسار ملائم، مبادئ، معايير، وسيحل السلام'.

من جانبه، استغرب المراسل والمحلل السياسي في صحيفة 'هآرتس'، باراك رافيد، الهجوم على كيري، واصفا خطابه بأنه 'صهيوني'، لأنه يمثل مواقف إسرائيلية سابقة، وليست مواقف حكومة اليمين المتطرف الحالية.

وتبنى رافيد دعاية إسرائيلية خرقاء تزعم أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وكذلك الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، رفضا الموافقة على حل سلمي.

رغم ذلك أشار رافيد إلى أن كيري اعتبر أنه في نهاية أي تسوية فلسطينية – إسرائيلية يتعين على الفلسطينيين أن يعترفوا بإسرائيل على أنها 'دولة يهودية'.

واعتبر المحلل السياسي في صحيفة 'معاريف'، بن كسبيت، أن القرارات الأخيرة التي صادقت عليها مؤسسات الأمم المتحدة، مثل قرار اليونسكو أن حائط البراق هو منطقة محتلة والقرار 2334 الصادر عن مجلس الأمن مؤخرا، سببها نتنياهو والسياسة التي انتهجها بخصوص المناطق المحتلة، وخاصة محاولة سن 'قانون التسوية' لشرعنة الاستيطان.

واستهزأ بوعاز بيسموت، محلل الشؤون الدولية في صحيفة 'يسرائيل هيوم'، المقربة من نتنياهو، بكيري وخطابه. وكتب أن 'هذا كان خطابا لناشط في بتسيلم (المنظمة الحقوقية الإسرائيلية). خطاب لناشط حقوق إنسان صغير، حضرته إشراقة، وسعى لإشراك الجميع به: حدود العام 1967 مع تبادل أراضي والقدس عاصمة للدولتين. واو!!! عبقري!!! كيف لم نفكر بذلك من قبل'.

*الغرب يخسر إسرائيل!

بالكاد قال هؤلاء المحللون شيئا ذي معنى. فالغالبية الساحقة من الإسرائيليين تعارض أي انسحاب إسرائيلي من القدس المحتلة. وإذا تحدث كيري عن إقامة دولة فلسطينية مع تبادل أراضي، أي ضم إسرائيل الكتل الاستيطانية إليها، فإن الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين لا يتخيلون إمكانية إخلاء مستوطنات 'معزولة' تقع خارج الكتل الاستيطانية، ويسكنها قرابة 80 ألف مستوطن.

كذلك فإن الحديث عن حدود لإسرائيل تراعي أمنها، لا معنى له سوى مواصلة الاحتلال أو حصول الفلسطينيين على فتات دولة. كما أن الحديث عن أمن إسرائيل، وخاصة من جانب الإسرائيليين، يعني أن هذه الدولة تؤمن باستمرار عدوانيتها، كدولة احتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وادعى كيري أن المستوطنين 'بصدد' تحديد مصير إسرائيل. لكن الواقع يؤكد على أن المستوطنين، وتيار الصهيونية الدينية المتطرف والتيار الحريدي القومي على وجه التحديد، بات في مراكز صناعة القرار في الجيش، سواء في الحكومة أو الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى، الشرطة والشاباك والموساد. وهذان التياران ليسا موجودين في أحزاب يمينية هامشية، وإنما أنصارهما موجودون في حزب الليكود الحاكم، وبإمكانهم أن يقرروا هوية زعيم هذا الحزب.

الأهم من ذلك أن نتنياهو يعرف ماذا يريد وما الذي يفعله في سياق الصراع. فهو يرفض حل الدولتين، ويحمل أفكارا عنصرية متطرفة جدا، لدرجة أنه لا يرى وجودا فلسطينيا. ويذكر أن نتنياهو أرغم على تضمين عبارة حل الدولتين في 'خطاب بار إيلان'، عام 2009. فقبل ذلك بأربع سنوات قاد المعارضة في حزب الليكود لتفكيك المستوطنات في قطاع غزة.

وبالغ كيري كثيرا عندما قال إنه ما زال بالإمكان حل الصراع. فالرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، يتحدث عن نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وذلك بعد أن دمر نتنياهو كل الإمكانيات لحل الصراع. والمفارقة هي أنه حتى لو أراد نتنياهو حل الصراع، فإن الأجواء السياسية في إسرائيل متطرفة بشكل يمنعه من تشكيل حكومة تمضي باتجاه حل الدولتين.

وفي هذه الأيام، تحيي الأقلية العربية في إسرائيل ذكرى مرور 50 عاما على الحكم العسكري، الذي انتهى عمليا باحتلال العام 1967. وتنفذ إسرائيل في الأراضي المحتلة عام 67 نفس الممارسات التي نفذتها ضد الأقلية العربية داخل الخط الأخضر. وترى العقلية الإسرائيلية بصورة عامة أنه بالإمكان استمرار الاحتلال والحكم العسكري على الفلسطينيين إلى الأبد.

وبممارساتها، فرضت إسرائيل حل الدولة الواحدة. وهذا يعني أن الصراع الأكبر سيكون ديمغرافيا، وتظهر بوادره منذ الآن أن الفلسطينيين سيشكلون أغلبية مع مرور السنين. وربما هذه التوقعات هي التي تقلق كيري، عندما قال إن إسرائيل لا يمكنها أن تكون يهودية وديمقراطية في الوقت ذاته. ففي ظل الدولة الواحدة ذات الغالبية الفلسطينية ونظام التفرقة العنصرية، ستفقد أميركا، ومعها الغرب والشرق (الأوروبي) أيضا، حليفا وسوطا تستخدمه ضد أطراف كثيرة في المنطقة العربية.    

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018