توفيرات العمال الفلسطينيين بإسرائيل: الاحتلال نهب مليارات الدولارات

توفيرات العمال الفلسطينيين بإسرائيل: الاحتلال نهب مليارات الدولارات
إحضار عمال فلسطينيين للعمل في مستوطنة "تقواع" (أ.ف.ب.)

تسيطر إسرائيل، كدولة احتلال، على الاقتصاد الفلسطيني وتؤثر عليه بشكل بالغ، لدرجة أن التقديرات تشير إلى أن 0.67 شاقل من كل شاقل واحد يدخله الإنسان الفلسطيني يصب في نهاية المطاف بأيدي إسرائيلية عامة أو خاصة. والسبب الأساسي في هذا الوضع هو أن الاحتلال الإسرائيلي منع بشكل منهجي تطور الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة على مدار الخمسين عاما الماضي.

منذ احتلال الضفة والقطاع، عام 1967، كان بإمكان الفلسطيني الدخول إلى مناطق 'الخط الأخضر' والعمل فيها. وكان العمل في إسرائيل أساسا مركزيا للاقتصاد الفلسطيني. وفي موازاة ذلك، وحتى التوقيع على اتفاق أوسلو، عام 1993، كانت إسرائيل المسيطرة الوحيدة على اقتصاد الضفة والقطاع. وانتقل جزء من المسؤولية الاقتصادية إلى السلطة الفلسطينية، بعد إقامتها في أعقاب اتفاق أوسلو، الذي وقعت عليه  إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، في أيلول، سبتمبر العام 1993.

لكن قبل ذلك، فرضت إسرائيل إغلاقا شاملا على الضفة والقطاع، في آذار/مارس 1993. ولا يزال هذا الإغلاق ساريا حتى يومنا هذا. ويعني هذا القرار الحكومي الإسرائيلي منع الفلسطينيين من الدخول إلى إسرائيل، إلا إذا كان بحوزته تصريحا بالدخول إلى إسرائيل. وحتى أولئك الذين يحملون تصاريح كهذه، لغرض العمل في إسرائيل والمستوطنات، يخوضون رحلة عذاب حتى وصولهم إلى مكان العمل، بالانتظار لساعات عند الحواجز، لغرض التفتيش الأمني والتدقيق في التصاريح والوثائق الشخصية. كما أن إصدار سلطات الاحتلال لتصاريح كهذه مرتبط بالوضع الأمني والتدقيق في ماضي طالب التصريح وحالته الشخصية. وهذه التصريح محدودة أصلا.

وأشار تقرير صدر في شباط/فبراير الماضي عن 'ماكرو – المركز للاقتصاد السياسي'، وهو جمعية إسرائيلية، فإن سياسة التصاريح الإسرائيلية هذه تؤثر بشكل بالغ على تراجع الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية، التي بلغت البطالة فيها في العام 2014  نسبة 17.3%. أما في قطاع غزة، الذي توقفت إسرائيل عن منح مواطنيه تصاريح عمل، في أعقاب خطة الانفصال وبعد ذلك في أعقاب الانتخابات التشريعية الفلسطينية، مطلع العام 2006، فإن نسبة البطالة بلغت 41% عام 2015.

ووفق تقديرات البنك الدولي، فإن نسبة الفقر بين الفلسطينيين بلغت 25% في العام 2014. ونسبة الفقر في القطاع هي أكثر من ضعفها في الضفة، 39% مقابل 16%. والفرق كبير أيضا فيما يتعلق بنسبة الفقر العميق، 7.8% في الضفة و21.1% في القطاع. وهذه النسبة هي 12.9% بين مجمل الفلسطينيين. وبحسب معطيات البنك الدولي للعام 2015، فإن 7.6% من الفلسطينيين في الضفة والقطاع يعيشون على أقل من 5.5 دولار (حوالي 21 شاقل) في اليوم. ووفقا لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأنروا)، فإنه في العام 2014 كان 27% من الفلسطينيين (16% في الضفة و47% في القطاع) يفتقرون للأمن الغذائي. و80% من الفلسطينيين في القطاع يعتمدون على تبرعات ونصف السكان يعتمدون على الأنروا في تزويدهم بالغذاء. 

في العام 2015، بلغت نسبة المشاركة في قوة العمل بين الفلسطينيين 45.8%، أي حوالي 1.3 مليون عامل. بينما هذه النسبة في إسرائيل ترتفع إلى 64.1%. كذلك فإن نسبة البطالة مرتفعة وتصل 25.9%، أي 336.4 ألف عاطل عن العمل. وكانت نسبة البطالة في العام 2000 وقبل اندلاع الانتفاضة 14.3%، وهو مستوى لم يسجل مثله منذئذ. كل هذه المعطيات تدفع الفلسطينيين إلى البحث عن مصدر رزق في الوقت الذي تبذل فيه دولة الاحتلال كل ما بوسعها من أجل التضييق عليهم ومحاصرتهم وخنقهم وإضعافهم، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.  

أعمال قاسية

بلغ عدد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، من دون القدس الشرقية، في العام 2015، حوالي 4.8 مليون نسمة، بينهم 2.9 مليون في الضفة و1.9 مليون في القطاع. و57.2% منهم هم فوق سن 15 عاما. ومنذ اندلاع الانتفاضة الثانية، في العام 2000، تراجعت نسبة المشاركة في قوة العمل، وفي العام 2015 بلغت نسبة المشاركة في قوة العمل في الضفة هي 45.8% وفي القطاع 38%. 

عمال فلسطينيون ينتظرون عند حاجز عسكري (رويترز)

في العام 2015، بلغ عدد العمال الفلسطينيين في إسرائيل 83 ألفا وفي المستوطنات 22 ألفا. وتعني هذه المعطيات أن 11.7% من قوة العمل الفلسطينية يعملون في إسرائيل، وغالبيتهم الساحقة من الرجال.    

ويعمل العمال الفلسطينيون بالأساس في أعمال خطيرة وقاسية، يرفض الإسرائيليون العمل فيها: 63.6% يعملون في فرع البناء، 13% في الكسارات، 11.1% في الفنادق والمطاعم، 9.8% في الزراعة والصيد والأسماك. ووفقا لتقرير 'ماكرو'، فإنه خلال الأعوام 2011 و2015، كانت نسبة القتلى في فرع البناء بين العمال 'الأجانب'، الذي يشمل العمال الفلسطينيين، ضعف القتلى من العمال الإسرائيليين. ولقي 13 عامل بناء فلسطيني مصرعهم في أماكن عملهم خلال العام 2015. وهذا يعني أن نسبتهم هي 37% من بين العمال الذي قُتلوا بحوادث العمل في فرع البناء. وبحسب الجمعية الإسرائيلية 'الائتلاف لمكافحة حوادث البناء'، فإنه في العام 2016 قُتل 48 عاملا بينهم 21 فلسطينيا.

لكن العمل في إسرائيل، وفي المستوطنات أيضا، يعتبر مغريا بنظر الفلسطينيين، بسبب قلة الأعمال في الأراضي المحتلة وبالأساس بسبب الراتب المرتفع نسبيا. ويبلغ متوسط الأجر اليومي للعامل الفلسطيني في إسرائيل 187.5 شاقل، بينما هذا الأجر ينخفض في الضفة إلى 90.9 شاقل وإلى 63.9 شاقل في القطاع، وفقا لمعطيات دائرة الإحصاء الفلسطينية للعام 2015.

وتحدد الحكومة الإسرائيلية 'الحصص التشغيلية' لكل فرع، والتي بموجبها يتقرر عدد الفلسطينيين الذي ييحصلون على تصاريح عمل. وهذه 'الحصص' تُمنح لعدد قليل من الفروع الاقتصادية والتي يوجد فيها نقص بالعمال من إسرائيل، وهي البناء والزراعة والصناعة والخدمات. وبحسب تقرير 'ماكرو' فإنه في المستوطنات لا توجد 'حصص' تسري على تشغيل الفلسطينيين.

ووفقا لتقرير البنك المركزي الإسرائيلي، فإن 'للنسبة العالية من العمال الفلسطينيين في فرع البناء في إسرائيل أهمية كبيرة لفرع البناء كله'، وتبلغ نسبة الفلسطينيين فيه 15.3%. وتصدر سلطات الاحتلال تصاريح العمل للفلسطينيين من الضفة الغربية فقط، وتتراوح مدتها ما بين 3 إلى 6 أشهر. وتتحمل دائرة خاصة هي 'الدائرة لتشغيل الفلسطينيين'، في مديرية السكان والهجرة التابعة لوزارة الداخلية الإسرائيلية، المسؤولية عن مراقبة وتنظيم عمل الفلسطينيين في إسرائيل.

انتهاك الحقوق وسرقة المليارات

بحسب القانون الإسرائيلي، فإن توجد للعامل الفلسطيني حقوق وامتيازات اجتماعية، وينبغي أن يتلقى راتبا إجماليا وراتبا صافيا مثل أي عامل آخر في إسرائيل. ويعمل في سلطة السكان والهجرة 'قسم المدفوعات' المسؤول عن جمع وتحويل أجور العمال الفلسطينيين.

عمال فلسطينيون في إحدى ورش البناء الإسرائيلية (أ.ف.ب.)

وتقول نقابة العمال العامة الإسرائيلية (الهستدروت)، فإن الفلسطينيين الذين يتم تشغيلهم في فرع البناء لا يحظون بمساواة حقيقية رغم أن الاتفاقيات الجماعية وقانون حماية الأجر تلزم بذلك. إذ تلقي الدولة المسؤولية على المشغلين، وفي حالات كثيرة هم لا يطبقون الحقوق التي يستحقها العمال الفلسطينيون.  

والنظام المعمول به هو أن المشغل يحول شهريا الراتب الإجمالي الشهري والامتيازات الاجتماعية عن العامل الفلسطيني إلى 'دائرة المدفوعات' التي تصدر قسيمة راتب للعامل. وبعد ذلك تحول 'دائرة المدفوعات' الخصميات من الراتب إلى المؤسسات الإسرائيلية ذات العلاقة، مثل مصلحة الضرائب ومؤسسة التأمين الوطني و'صندوق التأمين الاجتماعي' في وزارة المالية. إضافة إلى ذلك، تحول الدائرة دفعات رواتب تقاعد إلى متقاعدين فلسطينيين وتقارير مالية دورية إلى وزارة المالية الإسرائيلية. 

ووفقا للباحث غاي موندليك، فإن إسرائيل تحول جزءا صغيرا فقط من الخصميات من الرواتب لتمويل مخصصات التأمين الوطني للعمال الفلسطينيين، بينما القسم الأكبر منها، حتى العام 1994، جرى تحويله إلى وزارة المالية الإسرائيلية لغرض تطوير الأراضي الفلسطينية. لكن ليس واضحا من تقارير الوزارة ما إذا كانت هذه الأموال استخدمت فعلا لمصلحة الفلسطينيين.

وأشار موندليك إلى أنه ليس جميع العمال يعون حقوقهم، التي تشمل حقوق التأمين الوطني والاشتراك بصناديق التقاعد التي يجب على المشغلين دفعها. وحتى أولئك الذين يعون حقوقهم لا يعرفون الجهات التي ينبغي التوجه إليها من أجل تطبيق هذه الحقوق. ونتيجة لذلك فإن أموالا طائلة لا تُحول إلى أيدي العمال الفلسطينيين وإنما إلى خزينة دولة الاحتلال.

وفي هذا السياق، وفيما تزعم دولة الاحتلال بأن السلطة الفلسطينية مدينة لها بأموال، وترفض أحيانا تحويل أموال الضرائب والجمارك التي تجبيها باسم السلطة الفلسطينية، بموجب اتفاق باريس من العام 2005، والتسبب بأزمة مالية خانقة، فإن إسرائيل تحتجز مليارات الدولارات التي هي من حق العمال الفلسطينيين ولا أحد يطالب بها أو يتحدث عنها.  

فقد أكد تقرير 'ماكرو' على أنه 'وفقا للتقديرات، تجمعت في صناديق وزارة المالية (الإسرائيلية)، في السنوات 1970 – 1994، مبالغ مالية كبيرة تعود لعمال فلسطينيين أجيرين. وبلغ مبلغ ضريبة المساواة، وهو خصم من رواتب عمال فلسطينيين أجيرين، 6.5 مليار دولار خلال هذه السنوات. وفيما يتعلق بالخصميات للتقاعد من رواتب العمال، فإن المبلغ الذي تراكم يزيد عن 10 مليارات دولار خلال الفترة المذكورة. وفي السنوات 2009 – 2013، تراكم في صناديق وزارة المالية حوالي 876 مليون شاقل تعود لعمال فلسطينيين ولم يتلقاها العمال أبدا'.      

ملف خلص | القدس عاصمتنا