من يقرر بالأحزاب الحريدية ولماذا لم ينسحبوا من الحكومة؟

من يقرر بالأحزاب الحريدية ولماذا لم ينسحبوا من الحكومة؟
ليتسمان ونتنياهو (أ.ف.ب)

اختلفت التوجهات في تحليل الخلاف الذي وقع بين الليكود والحريديم في الائتلاف الحاكم على خلفية "أزمة السبت"، والتي هددت بحل الائتلاف والذهاب إلى انتخابات مبكرة، وأفضت لاستقالة وزير الصحة وزعيم حزب "يهدوت هتوراة"، يعقوب ليتسمان، لكن دون الانسحاب من الائتلاف.

ورغم اختلاف التحليلات، إلا أن هناك حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن الأحزاب الحريدية حققت أكبر المكاسب خلال ولاية حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، عن طريق إلغاء قوانين وسن أخرى وتخصيص ميزانيات للوسط الحريدي على مختلف المستويات، ليخيل أن الخاسر الأكبر من حل الائتلاف سيكون الحريديم أنفسهم.

وبحسب المعطيات الرسمية، وصلت ميزانية التعليم الديني في المدارس الحريدية إلى أعلى مستوى، وبلغت 1.2 مليار شيكل، مقابل 673 مليون شيكل عام 2014، وهذه الميزانية الأعلى التي يحصل عليها الحريديم منذ قيام إسرائيل.

كذلك تمكنت أحزاب الحريديم من إلغاء قانون فرض تعليم المواضيع الأساسية (رياضيات، لغة إنجليزية وعلوم) في مدارسهم، والتركيز على التعليم الديني وتعليم التوراة، كذلك ضمان دخل ثابت من الدولة لطلاب المدارس التوراتية.

ومن القوانين والتعديلات التي صبت في مصلحة الشارع الحريدي، كان تعديل قانون التجنيد وإلغاء ما سمي بـ"المساواة بالعبء"، الذي بادر إليه وزير المالية السابق وزعيم حزب "ييش عتيد"، يائير لبيد، إذ تم إلغاء الإعفاء من التجنيد الإجباري وتغيير القوانين للتعامل مع رافضي الخدمة العسكرية من الحريديم.

وسببت بعض إنجازات الأحزاب الحريدية أزمة لنتنياهو، كما حدث عندما ألغيت بضغط من الحريديم "خطة باحة المبكى"، التي تقضي بإلغاء المساحة المخصصة لليهود من التيارين الإصلاحي والمحافظ، الذين يشكلون الغالبية العظمى من اليهود الأميركيين، في ساحة البراق، وتسبب إلغاء هذه الخطة بأزمة مع يهود أميركا لم يتمكن نتنياهو من حلها بعد.

هذه الإنجازات وغيرها وضعت الأحزاب الحريدية في خانة المستفيد الأكبر من الائتلاف الحكومي الحالي، وبطبيعة الحال سيكونون الخاسر الأكبر في حل تم حل الائتلاف والذهاب إلى انتخابات مبكرة.

وذهب بعض المحللين، وغالبيتهم ممن يعملون في وسائل الإعلام الحريدية، إلى الإيمان بأن نتنياهو يريد الذهاب لانتخابات مبكرة، لكنه لا يريد أن يتحمل مسؤوليتها، لذلك يلقيها على الأحزاب الحريدية، وهذا ما لم ينجح خلال "أزمة السبت"، إذ رفض أعضاء الكنيست الحريديم الانسحاب من الائتلاف بعد استقالة ليتسمان، وكان أول من رفض الانسحاب هو ليتسمان نفسه.

"الأدمور من غور"

جاءت استقالة ليتسمان كتصعيد صارخ حول مسألة العمل في سكك القطارات أيام السبت، إذ يحاول وزير الصحة وأعضاء الأحزاب الحريدية منذ زمن منع العمل أيام السبت في أنحاء البلاد، بما يتوافق مع نهجهم وعقيدتهم. وجاءت استقالة ليتسمان بالتنسيق مع "أدمور" (هي اختصار للكلمات: سيد ومعلم وحاخام) حسيدية غور التي ينتمي إليها ليتسمان. 

ويعلم الجميع في إسرائيل أن ليتسمان ليس صاحب القرار، ليس في موضوع الاستقالة فقط، بل في كل السياسات التي ينتهجها حزبه، بل هو مجرد واجهة وذراع "للأدمور من غور"، واسمه الحقيقي يعقوب أرييه إلتار. وباعتراف ليتسمان نفسه، الذي قال للقناة الإسرائيلية الثانية عن الاستقالة: "لم أفعل ذلك بمفردي، حذرنا الحكومة من أنه يجب وقف تدنيس السبت... استغرق الأمر بعض الوقت، ولكن الوقت قد حان للقول ‘هذا يكفي‘، وعندما أتلقى أمرا من حاخامات التوراة بالاستقالة، أستقيل على الفور".

وتعتبر غور الحسيدية (أو جماعة الورعين) الأكبر بين الحريديم، وسميت على اسم بلدة  غورا القريبة من مدينة وارسو عاصمة بولندا، ووفق الإحصائية في جهاز التعليم، تضم الحسيدية نحو 25 ألف تلميذ في مدارسها.

النفوذ والتأثير

يتمتع الأدمور من غور" بنفوذ كبير، ويتدخل في كل شؤون الحريديم، سواء السياسية أو الخدماتية وحتى مناهج التعليم، ويقول أحد أعضاء الحسيدية، رفض الكشف عن اسمه، لصحيفة "معاريف"، إنه "يستغل هذا النفوذ لنشر الفكر اليهودي والأفكار التي يعتنقها لدى الأطفال والشباب، وإحدى هذه الوسائل هي العضوية في الكنيست".

ويملك "أدمور من غور" ثروة طائلة تقدر بنحو 350 مليون شيكل، ويبقى بعيدًا عن الأضواء في أغلب الأحيان، لكنه يحرك الأمور من خلف الكواليس، وفي سجله الكثير من المعارك الرابحة التي خاضها، سواء في الكنيست عن طريق نوابه، أو عن طريق تجنيد أتباعه.

ويرى "الأدمور من غور" في "تدنيس قدسية السبت" أمرًا جللًا، ويحاربه بشتى الوسائل، ومن بينها كان إصدار أمر لأتباعه بمقاطعة عدد من الشركات والشبكات بسبب العمل يوم السبت، من بينها "ميغا" و"شيفاع شوك"، وأيضًا شركة الطيران الإسرائيلية "إل عال" بسبب تنظيمها رحلات أيام السبت.

وكان حزب "يهدوت هتوراة" قد انسحب من الائتلاف الحكومي الذي ترأسه إيهود باراك بسبب عمل شركة الكهرباء أيام السبت، وشكل انسحابهم المسمار الأول في نعش حكومة باراك في حينه.

الصحافة في خدمة الأيديولوجيا

تلعب الصحافة الحريدية دورًا مهمًا في خدمة الأيديولوجيا الحريدية، وتمنح الدعم المطلوب لأعضاء الكنيست الحريديم، ومعروف أنه في كل مواجهة أو أزمة، تتجند الصحافة الحريدية لتجييش الرأي العام لصالح الحريديم، وتحشيدهم إذا ما لزم الأمر.

وقال رئيس تحرير صحيفة "همشبحا"، يوسي إليتوف، وهي الصحيفة الأكثر انتشارًا في الوسط الحريدي، في لقاء مع القناة الثانية، إن "الصحيفة تستطيع صنع رأي عام مؤيد أو معارض في الشارع الحريدي لما يريده أعضاء الكنيست الحريديم، نحن نمنحهم الدعم الكامل لتحقيق مطالبنا وتوفير ما يريده مجامعنا، وننتقدهم في حال تهاونوا او قرروا عقد التسويات".

وذكر أن "السياسيين الحريديم أناس طيبون وجيدون في عملهم، لكنهم بشر في النهاية، عندما يتلكأون أو يخطئون يكون علينا أن نحذرهم ونوجههم وننير لهم الطريق، نحن هنا باسم الشعب".

وأكد أنه في أحيان عديدة يطلب السياسيون منه نشر مقالات وتقارير معينة "لتشكيل ضغط على جهات أخرى، في كثير من الأحيان تكون الحكومة، من أجل تحقيق هدف مشترك لنا جميعًا".

ويقول محرر موقع "بحدري حريديم"، ميني غيرا، المعروف بمناصرته الشديدة للمعارك ضد "تدنيس قدسية السبت" وقيادتها أحيانًا، إنه "لا اعلم لماذا يفاجؤون في الشارع العلماني من وقوع أزمات بشأن تدنيس السبت، من يتابع القضية أسبوعيًا يعلم أن الأمور تتجه لهذه النهاية".

وتابع غيرا: "بالنسبة لنا لم يكن مفاجئًا، لأنه في كل مرة يأتي ليتسمان إلى "الأدمور من غور" كان يتلقى التعليمات التي سيعمل بحسبها، صحيح أن الأدمور هو من يقرر، لكن ليتسمان هو من يعرض الأمور والحقائق أمامه".

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018