القتل على حدود غزة.. أين اختفى "اليسار الإسرائيلي"؟

القتل على حدود غزة.. أين اختفى "اليسار الإسرائيلي"؟

الجدل الذي أثارته قضية اللاجئين الأفارقة في المجتمع الإسرائيلي، مقابل الصمت الذي قوبلت به المجزرة التي ارتكبها الحيش الإسرائيلي على حدود قطاع غزة، يشيران بوضوح إلى تغيير في الأجندة الداخلية للسياسة الإسرائيلية التي لم يعد الموضوع الفلسطيني وقضية الاحتلال في رأس سلم أولوياتها.

لقد بدت زعيمة حزب "ميرتس" الجديدة، تمار زاندبرغ، التي طالبت بتشكيل لجنة تحقيق في عمليات قتل المدنيين من قبل الجيش الإسرائيلي على حدود القطاع، كمن يغرد خارج السرب، فيما اضطر الإذاعي كوبي ميدان إلى الاعتذار عن قوله إنه "يخجل من كونه إسرائيليا".

المعارضة الإسرائيلية التي صمتت صمت القبور على عمليات القنص التي قام بها الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين العزل على الجدار الحدودي مع غزة، دبت فيها الحياة وبعد أيام فقط عندما تعلق الأمر بموضوع طالبي اللجوء الافارقة وتراجع رئيس الحكومة نتنياهو تحت ضغط اليمين المتطرف عن الاتفاق الخاص باستيعابهم. فقد ظهر فجأة وبالصوت والصورة زعماء حزب "العمل" و"يش عتيد" وغيرهم ينددون ويتهمون ويناكفون مثل أي معارضة سياسية عادية في دولة طبيعية، تنقسم فيها الآراء وتتضارب المواقف في عملية تسيير عجلة عربة الديمقراطية.

أحداث الجدار الحدودي مع غزة ليست المؤشر الوحيد على التغيير الحاصل في أجندة المجتمع الإسرائيلي، فقد اصطف اليمين واليسار الصهيوني مؤخرا في "مهرجان" تأييد قرار ترامب بالإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل واعتزامه نقل السفارة الأميركية إليها، ولم يحرك هذا "اليسار" إصبعا حيال انهيارعملية السلام مع الفلسطينيين وتدمير حل الدولتين وتمرير سياسة الضم الزاحف للضفة الغربية.

ومعلوم أن صمت "اليسار"، وغيابه الكامل فيما يتعلق بالموضوع الفلسطيني، هو نوع من المباركة الصامتة لنهج اليمين الصهيوني الديني المتطرف، الذي بات يحظى بإجماع الشارع الإسرائيلي من خلف سياسته الاستيطانية الفاشية، النافذة في مختلف دوائر التأثير وصنع القرار العسكري والسياسي في إسرائيل، وفي هذا السياق فإن تهديدات ليبرمان لزاندبرغ واتهامات نتنياهو لـ" الكيرن حداشا" إنما تندرج في عملية ملاحقة فلول "اليسار" المهزوم ومحاولات قطع دابره.

الحقوقي الإسرائيلي المعروف، بروفيسور مردخاي كرمينتسر، سوغ مطالبته بإجراء تحقيق في عمليات القتل التي قام بها الجيش الإسرائيلي على الشريط الحدودي مع غزة، بالاعتماد على موقف القضاء الدولي الذي يقضي بأن الحق الأساسي في الحياة يستوجب إجراء تحقيق عندما يتم استخدام قوة قاتلة من قبل من يعملون باسم الدولة، خارج قتل مقاتلين في الحرب، لمعرفة ما إذا كانت السلطات الحاكمة تصرفت بالاحترام المطلوب مع الحق في الحياة أم لا.

وفي السياق يرى كريمنتسر أن إجراء التحقيق بات أكثر الحاحا بالذات لأن وزير الأمن استخدم سلاح "يوم القيامة"، ضد من طالب بإجراء التحقيق، "ميرتس"، من خلال المطالبة بإخراجها من نطاق الدولة ونقلها إلى معسكر العدو. مشيرا إلى أن الفشل الكبير الذي مني به "المعسكر الليبرالي" بوقوفه إلى جانب ليبرمان في معارضة التحقيق، وأن هذا المعسكر عليه الاختيار فيما إذا كان ملتزما بقيم ليبرمان أو بالقانون الدولي والقيم الإنسانية لـ"إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية"، وعلى رأسها قدسية حياة الإنسان.

وكان صوت زاندبرغ، التي صرحت قبل أسابيع فقط أنها على استعداد للجلوس في حكومة واحدة مع ليبرمان، قد ابتلعته جلبة جنازير الدبابات وأصوات رصاص القناصة الذي ما زال يسقط المدنيين العزل على الحدود مع القطاع معلنا وفاة ما كان يسمى بمعسكر السلام الإسرائيلي.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018