لماذا عُمان؟

لماذا عُمان؟
(أ ب)

ربما كان الإعلان عن زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، لسلطنة عمان مفاجئا، ولكن من المؤكد أن الزيارة ليست طارئة ولم تأت من فراغ، وإنما تأتي في سياق علاقات سرية وعلنية بين إسرائيل وعمان تعود إلى عدة عقود.

ولم يسجل نتنياهو بذلك "فتحا" إسرائيليا جديدا في العلاقات الدبلوماسية كما دأب على التصريح بذلك مؤخرا، حيث أن العلاقات بين إسرائيل والسلطنة ليست جديدة، فقد بدأت في عهد السلطان قابوس بن سعيد، الذي نفذ انقلابا عام 1970 ضد والده سعيد بن تيمور، وتسلم السلطة منذ ذلك الحين، ليكون الأقدم بين الزعماء العرب.

وفي حينه اضطر قابوس لمواجهة التمرد في ظفار على حدود اليمن، قادته الجبهة الشعبية لتحرير عمان والتي تأسست بواسطة الفرع المحلي لحركة القوميين العرب، وأطلق على التمرد في حينه "ثورة ظفار"، ولكن قابوس تلقى مساعدة بريطانية، بواسطة جيش مرتزقة، ومساعدة إيرانية في عهد الشاه لقمع الثورة عام 1976. ولاحقا تعكرت العلاقات بين عمان وإيران في أعقاب الثورة الإيرانية.

وعن هذه العلاقات، كتب البروفيسور إيلي بوديه هو محاضر في كلية دراسات الإسلام والشرق الأوسط في الجامعة العبرية، ويعمل حاليا على دراسة حول "العلاقات السرية بين إسرائيل ودول المنطقة"، في صحيفة "هآرتس"، أن إسرائيل لم تكن هناك أثناء ثورة ظفار، ولم يتضح دورها في المساعدة، إلا أنه يبدو أنه شمل تقديم المشورة والإرشاد، وربما التزويد بالسلاح أيضا.

وعدا عن حقيقة أن إسرائيل تبحث عن حليف في الشرق الأوسط العربي، فإن لعمان أهمية من الناحية الجغرافية والإستراتيجية، فهي تتحكم بمدخل الخليج العربي، ومضائق هرمز من الجانب العربي. وكانت هناك أهمية كبيرة بالنسبة لها للعلاقات التي بدأت مع قابوس في سبعينيات القرن الماضي، ولا تزال مستمرة، وذلك لأنه وضع البنى التحتية للعلاقات التي تطورت بين الطرفين في سنوات التسعينيات.

وكانت عمان قد دعمت اتفاقية "كامب ديفيد" بين إسرائيل ومصر في أيلول/سبتمبر 1978، وكانت إحدى ثلاث دول، إلى جانب السودان والمغرب، التي رفضت قطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر بعد التوقيع على الاتفاقية.

وبدءا من العام 1980، فإن رجل الموساد نحيك نافوت، ممثل الموساد في إيران في عهد الشاه، دأب على الاجتماع بقابوس على أوقات متقاربة، وتركزت الاجتماعات حول المصالح المشتركة للطرفين، وبضمنها "الخشية من توسع النفوذ والتسلح السوفيتيين في الشرق الأوسط، والثورة في إيران، والدفع بعملية السلام".

ويضيف بوديه أن نقطة التحول في علاقات إسرائيل – عمان، بدأت بعد مؤتمر مدريد، والتوقيع على اتفاقية أوسلو، والتوقيع على اتفاقية مع الأردن، إضافة إلى اتصالات غير رسمية بين الطرفين في أروقة الأمم المتحدة.

وفي شباط/فبراير من العام 1994، اجتمع نائب وزير الخارجية الإسرائيلية في حينه، يوسي بيلين، سرا مع مسؤول عماني كبير لمناقشة العلاقات ببين الطرفين. وقادت تلك الاتصالات، وغيرها، إلى قرار عمان، في نيسان/أبريل عام 1994، استضافة اللقاء الخامس في العاصمة مسقط لمجموعة العمل التي عملت على قضية المياه، في المحادثات الثنائية في إطار أوسلو.

ولم يكن دور ومشاركة عمان في مجموعة العمل سريا، ولكن الاتصالات السرية بين بيلين ووزير خارجية عمان، يوسف بن علوي، كانت بهدف تمهيد الأرضية للقاء رئيس الحكومة في حينه، يتسحاك رابين، مع السلطان قابوس، والذي جرى في السابع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر عام 1994، أي بعد شهرين من توقيع اتفاقية السلام بين رابين والملك حسين. وكان ذلك اللقاء الرسمي والمعلن الأول بين زعيم إسرائيلي وحاكم عربي في منطقة الخليج.

ورغم أن اللقاء عرّض عمان لانتقادات واسعة في العالم العربي، إلا أن العلاقات مع إسرائيل ظلت متواصلة من وراء الكواليس، ولكن رغم ذلك، فقد كشف النقاب عن عدة اجتماعات علنية، بينها لقاء وزير الخارجية الإسرائيلي، شمعون بيرس، ونظيره العماني، بن علوي، في واشنطن في حزيران/يونيو 1995، ومشاركة بن علوي في جنازة رابين، والتوقيع في كانون الثاني/يناير عام 1996 على اتفاقية بين إسرائيل وعمان على إقامة "مكاتب تمثيل تجارية".

وفي نيسان/أبريل عام 1996، وصل بيرس إلى عمان، حيت تمت استضافته في القصر الصيفي للسلطان في صلالة. ورافق بيرس عدد من رجال الأعمال بهدف الدفع بعلاقات اقتصادية بين الطرفين. وفي حينه أصر مستشار بيرس، آفي غيل، على استقبال بيرس في عرض عسكري على وقع نشيد "هتكفا".

وفي عام 1999، اجتمع وزير الخارجية الإسرائيلي، دافيد ليفي، مع بن علوي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، في فترة باتت فيها اللقاءات بين ممثلين إسرائيليين ودبلوماسيين من دول عربية خلال الجمعية العامة السنوية عادية.

واضطرت عمان إلى إغلاق الممثلية الإسرائيلية في مطلع سنوات الألفين، نتيجة لأبعاد اندلاع الانتفاضة الثانية على الرأي العام العربي. وفي العام 2008، اجتمعت وزيرة الخارجية الإسرائيلية، تسيبي ليفني، مع وزير الخارجية بن علوي في الدوحة.

ولفت بوديه إلى أن المشروع الأهم بين إسرائيل وعمان كان إقامة مركز الأبحاث الشرق أوسطي لتحلية المياه (Middle East Desalination Research Center, MEDRC)، والذي افتتح عام 1997. وكان المشروع نتيجة لمحادثات مجموعة العمل الثنائية التي تناولت المياه والبيئة، وتم تمويله من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وعمان وإسرائيل.

وفي ظل هذا المشروع، تمكنت إسرائيل وعمان من إقامة علاقات سرية سياسية، كما تمكن ممثلون إسرائيليون من الاجتماع مع ممثلي دول عربية، وخاصة الدول الخليجية، والتي لم يكن لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

ورغم إغلاق الممثلية التجارية في عمان، بعد الانتفاضة الثانية، إلا أن مركز تحلية المياه واصل العمل. وبحسب بوديه، فإن المشروع أتاح إجراء اتصالات سياسية مع عمان، ومع دول أخرى في الخليج. وكانت وثائق ويكيليكس قد أشارت إلى علاقات بين إسرائيل وعمان ودول أخرى في الخليج، في تلك الفترة، والتي تركزت حول التعاون المحتمل في ظل "التهديدات النووية الإيرانية".

وبالنتيجة، فإن زيارة نتنياهو لعمان تشير إلى تجدد العلاقات الرسمية لما أسماه الكاتب "رومانسيات قديمة". وبحسبه، فإن جاهزية عمان لإبراز أمر اللقاء يشير إلى "جرأة وثقة بالنفس"، خاصة في الوقت الذي لا يزال الطريق مسدودا بين إسرائيل والفلسطينيين. كما يشير في هذا السياق إلى أن زيارة الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، إلى عمان، قبل نتنياهو بعدة أيام، تنطوي على سبب محدد.

ويضيف أن السبب الحقيقي سوف يتضح قريبا، ولكن يمكن التخمين بأن الحديث عن وساطة عمانية بين إسرائيل والفلسطينيين، أو وساطة عمانية بين إسرائيل وبين دولة لا تقيم معها علاقات، علنية أو سرية، مثل إيران أو سورية، كما أن إسرائيل تشكل عاملا يستطيع مساعدة عمان في التقرب من الولايات المتحدة والغرب عامة.