تطهير عرقي: بن غوريون خطط لتهجير 8 قرى بالجليل الأعلى

تطهير عرقي: بن غوريون خطط لتهجير 8 قرى بالجليل الأعلى

بعد مرور 70 عاما على وقوعها، ما زالت إسرائيل تخشى من الإفراج عن وثائق وصور تخص مجازر ارتكبت ومخططات تهجير نفذت أو تعطلت لسبب أو لآخر، بينها صور ووثائق تخص مجزرتي دير ياسين وكفر قاسم.

والغريب في الأمر أن تحجب سلطات الرقابة الإسرائيلية وثائق كانت مكشوفة وفي متناول الجمهور منذ فترة طويلة وحتى فترة قريبة. من تلك الوثائق رسالة سرية صادرة بتاريخ 04/12/1949، أي بعد نصف سنة على انتهاء المعارك في فلسطين، وهي موقعة من قبل مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية في حينه، والتر إيتان، مبعوثة إلى وزير الخارجية، موشيه شاريت، الموجود في نيويورك، يخبره فيها عن خطة لتهجير السكان العرب في فسوطة، ترشيحا، معليا، الجش، حرفيش  والريحانية، مجدل وزكريا، ( كما ورد في الخطة).

وتفيد الرسالة أن رئيس الحكومة، دافيد بن غوريون، قد صادق على "نقل" سكان هذه القرى بالقوة إلى أماكن أخرى، إلا أنه اشترط ذلك بموافقة وزير الخارجية، شاريت ووزير المالية، إليعزر كابلان، لأن تكلفة الخطة تصل إلى مليون ليرة بما يشمل إعادة توطين المهجرين في أماكن أخرى.

وتفيد رسالة إيتان أن الحديث يجري عن تهجير أكثر من عشرة آلاف عربي معظمهم من العرب المسيحيين، وبعضهم من العرب الدروز والشركس وذلك لـ"أسباب أمنية" إلى جهة غير معروفة.

المؤرخ آدم راز الذي كشف عن اختفاء الرسالة المذكورة من أرشيف الدولة، والذي يخوض معركة قضائية من أجل الإفراج عن وثائق وصور مجزرة كفر قاسم، يقول في مقال نشرته "هآرتس"، يوم أمس الجمعة، إنه من غير المعروف سبب عدم خروج مخطط التهجير المذكور إلى حيز التنفيذ، مشيرا إلى محاولات كثيرة جرت لـ"نقل" أعداد كبيرة من المواطنين العرب المسيحيين من أراضي الجليل إلى الأرجنتين والبرازيل، بينها "عملية يوحنان" والتي جرى التداول بها في سنوات 1952-1953.

الوثيقة

وتبلورت الخطة في الغرف المغلقة لمكتبي رئيس الحكومة بن غوريون، ووزير الخارجية شاريت، في حين تكشف وثائق وزارة الخارجية أن شاريت بالذات، الذي كان معروفا بمواقفه "المعتدلة" نسبيا، هو الذي شجع العملية رغم التخوف الذي كان سائدا من موقف الكنيسة عندما يتبين أن القسم الأكبر من المهجرين هم عرب مسيحيون.

وبحسب راز، فإن طلب بن غوريون موافقة شاريت على تنفيذ الخطة، تكشف طبيعة العلاقات بين الطرفين والتي كان لها آثر على العلاقات بين العرب واليهود. ففي حين طلب شاريت الاعتراف بالعرب الذين بقوا في البلاد كمواطنين متساوي الحقوق، فإن بن غوريون عارض ذلك، وطلب اعتبار العرب كـ"طابور خامس"، وهو ما يعتبر أحد الأسباب التي دفعته إلى تأييد بقاء الحكم العسكري على العرب حتى العام 1966.

وأشار إلى أن هذه الرسالة كانت محفوظة في أرشيف الدولة في ملف "ح ص – 29/2402" تحت عنوان "الأقليات – شؤون التنظيم، الدين، والسياسة تجاه الأقليات". وكان الملف مفتوحا للجمهور مدة 25 عاما، وحتى قبل نصف سنة. كما أرسل الأرشيف صورة منه عن طريق البريد الإلكتروني لكل من يطلب ذلك، وبضمنهم معهد "عكفوت" الذي يتناول إزالة القيود عن الباحثين المعنيين بالكشف عن التوثيق التاريخي.

مستوطنون يهود من رومانيا في ترشيحا، 1949 (الأرشيف الصهيوني)

ومؤخرا، يضيف التقرير، أن الرسالة المذكورة، إضافة إلى ثماني صفحات كتبها وزير الأقليات الأول والأخير في إسرائيل، بيخور شالوم شطريت، أزيلت من الملف. ورغم أن أرشيف الدولة الملزم بالإشارة إلى ذلك، إلا أنه لا يفصل لماذا أزيلت الوثائق، ويكتفي بوضع ورقة بيضاء كتب عليها كلمة واحدة: "سري". وتذكر رسالة شطريت بمضمون تقرير "ريفتين"، الذي تناول إعدام العرب ونهبهم، والذي نشر عنه في ملحق صحيفة "هآرتس"، والتي حذر فيها شطريت من سرقة ونهب الممتلكات العربية من قبل الجيش والمواطنين.

وتساءل راز عن السبب الذي يدعو إلى فرض الرقابة بشكل مفاجئ، على وثائق من فترة إقامة الدولة، رغم أنها كانت مفتوحة للجمهور. وبحسبه "يبدو أن ممثلي الدولة المؤتمنين على نشر التوثيق التاريخي، لا يميزون بين القيود الضرورية على توثيق يمس بأمن الدولة، وبين القيود الزائدة على توثيق يمكن أن يحرجها".

توطين العرب المسيحيين بالأرجنتين والبرازيل

إلى ذلك، يكشف د.أريك أرييل في مقال نشرته "هآرتس"، في وقت سابق، رئيس لجنة الترانسفير التي انتدبتها الحكومة الإسرائيلية للتعامل مع قضايا اللاجئين، يوسيف فايتس، نقل إلى وزارة الخارجية في آذار/مارس 1952 تقريرا مفصلا حول إمكانية توطين عرب مسيحيين من الجليل الأعلى في الأرجنتين والبرازيل، وأشار إلى أن السلطات الأرجنتينية تشجع هجرة مزارعين إلى بلادها، مدعيا أن 35 عائلة من قرية الجش في الجليل الأعلى أبدت اهتماما بالخطة.

وشملت الخطة إقامة شركة مساهمة تتشكل من "غير اليهود"، يتألف رأسمالها الأولي من أموال ستوظفها "الكيرن كييمت" في الأرجنتين.

ويقول شاريت إنه إذا استدعت الحاجة يمكن عرض الخطة على أنها مبادرة من "عرب إسرائيل"، على غرار هجرة المسيحيين الموارنة من لبنان، والتي جرت في نفس الفترة، كما أصدر شاريت تعليماته بانه في حال كشفت العملية يجب الإنكار التام أنها عملية حكومية.

في آذار/مارس 1952 نقل شاريت رسالة لفايتس رئيس "لجنة الترانسفير"، أبلغه فيها مصادقة بن غوريون على "عملية يوحنان"، مشيرا إلى ضرورة الحفاظ على الموضوع بسرية تامة، وفي عام 1953 ألغيت الخطة بسبب  سحب الحكومة الأرجنتينية أيديها منها، كما يبدو.

ورغم إلغاء الخطة إلا أن محاولات التهجير لم تتوقف، حيث بقيت تشغل القسم الخاص بهذا الموضوع في وزارة الخارجية، كما جرت خلال تلك السنوات محاولات لتهجير فلسطينيين إلى ليبيا والصومال والمغرب وتونس، لم يخرج أي منها إلى حيز التنفيذ.

إلى ذلك، لن يكون من المستغرب أن الملفات التي تخشاها إسرائيل وترفض الإفراج عنها تتعلق بالمجازر والتهجير، بما هو قائم من علاقة عضوية بينهما، حيث تم استخدام المجازر في دير ياسين وكفر قاسم وغيرها لترويع الفلسطينيين وتهجيرهم من أرضهم، وإحلال مستوطنين يهود في أماكنهم، وتثبيت مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

 

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية