إسرائيل وإعادة إعمار سورية: التخلي عن "لعبة صفرية النتيجة"

إسرائيل وإعادة إعمار سورية: التخلي عن "لعبة صفرية النتيجة"
دمار هائل في سورية (أرشيف - أ.ف.ب.)

تعتبر إسرائيل أنها تواجه معضلة فيما يتعلق بإعادة إعمار سورية المتوقع في السنوات المقبلة. وتتمثل هذه المعضلة بادعاء إسرائيل أنها تريد المساهمة في إعادة إعمار سورية، بدعم عربي وغربي، وإن كان ذلك بصورة غير مباشرة، شريطة إبعاد إيران عن سورية. ومن الجهة الأخرى، فإنه من دون مساعدة عربية وغربية في إعادة الإعمار، فإن استقرار سورية سيتقوض ويتزايد احتمال تجدد القتال ونمو تنظيمات إسلامية متطرفة، وإيران ستستغل وضعا كهذا من أجل تعميق تموضعها في سورية، وعندها سيزداد تعلق النظام السوري بإيران. وتناولت هذه "المعضلة" ورقة موقف نشرها "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب اليوم، الأربعاء.

وتطرقت الورقة إلى الوضع في سورية حاليا، مشيرة إلى أن النظام يسيطر على 70% من الأراضي السورية، وخاصة على ما يسمى بـ"العمود الفقري"، أي دمشق – حمص - حماة، بينما في منطقة حلب، العصب الاقتصادي قبل العام 2011، ورغم سيطرته العسكرية إلا أنه لا سيطرة مدنية له هناك، ولا سيطرة له بتاتا في منطقة إدلب، التي تجمعت فيها فصائل المعارضة المسلحة، كما أنه يوجد في المنطقة الكردية حكما ذاتيا. ولم يبدأ النظام بعد عملية إعادة إعمار يستفيد منها المواطنون السوريون، وفي المقابل يركز جهده على تحسين الوضع في المدن الخاضعة لسيطرته، ويهمل المناطق الواقعة خارجها. وتتردد أنباء مفادها أن النظام يزيد تأثيره بواسطة علاقاته مع رؤساء عصابات محلية.

دمشق اثناء غارة إسرائيلية، أول من أمس (أ.ب.)

ورغم تحسن وضع النظام في أعقاب التدخل العسكري الروسي والإيراني في سورية، إلا أنه لا يتوقع أن يتوقف عن استخدام القوة ضد المدنيين، معتبرا أنه بذلك يعمق سيطرته ويمنع انتفاضة مدنية. وفي هذا السياق، اعتبرت الورقة أن النظام سيتنازل عن مساعدات ودعم غربي في إطار إعادة الإعمار، في حال مطالبته بتبني اتجاهات ديمقراطية. ويشار إلى أن التقديرات بشأن تكلفة إعادة الإعمار في سورية يمكن أن تصل إلى 350 – 400 مليار دولار.

ويبدو أن النظام معني في عودة اللاجئين الذين نزحوا من سورية خلال سنوات الحرب. ويريد النظام بالأساس عودة المتمولين بينهم من أجل المساهمة في إعادة الإعمار. من جهة ثانية، يخشى النظام من جهات واسعة، في صفوف اللاجئين خصوصا وأيضا بين من بقوا في البلاد، تريد تغيير النظام، ما يضع عراقيل أمام عودة قسم كبير منهم.

روسيا وإيران

ليس متوقعا أن يغيّر النظام سياسته الداخلية، ويبدو أنه سيعزز حكمه الاستبدادي. وعلى الأرجح أن النظام سيحافظ على علاقاته الوثيقة مع روسيا وإيران، خاصة وأنه توجد مصلحة مشتركة لهذه الأطراف الثلاثة. فروسيا وإيران ما كانتا ستتدخلان بهذا الشكل في سورية لولا وجود مصلحة ذاتية بالغة الأهمية.

جندي روسي في سورية

ويدل أداء النظام على أنه يفضل حلفه مع روسيا، التي أنقذته من الانهيار، أكثر من حلفه مع إيران. ويخشى النظام تدخلا إيرانيا متزايدا في الشؤون السورية الداخلية. ولذلك، أودع النظام النفط السوري في عهدة روسيا. وبعد منح سورية إيران المسؤولية عن صناعة الفوسفات، غيّر توجهه وبات التدخل الروسي في هذه الصناعة متزايدا وبشكل كبير. وفي هذه الأثناء، لا تزال إيران مسيطرة على عمليات ترميم البنية التحتية الكهربائية في سورية، ما يمنحها إمكانية بقاءها هناك. بينما تقوم روسيا بإعادة بناء جيش النظام، من أجل مواصلة التأثير على النظام.

أوصت الورقة بأن تكون إسرائيل متيقظة حيال عملية إعادة بناء جيش النظام، بمساعدة روسيا وإيران، وأن هذه العملية ستكون سريعة، ووضع رد عسكري ضد الغارات الإسرائيلية المتكررة، وذلك حتى من دون إعادة إعمار الدولة أو قدرة النظام على الحكم بشكل كامل. ولفتت الورقة إلى أنه "حتى لو بقيت سورية والمجتمع السوري في ظل الدمار الحاصل جراء الحرب، فإن هذا الوضع لن يمنع بناء منظومة دفاعية جوية متطورة، ومنظومة صواريخ أرض – أرض وجيش بري كبير".

واعتبرت الورقة أن "سورية ستستمر في أن تشكل رافعة لتهديدات إستراتيجية (تجاه إسرائيل)، وبينها نشر صواريخ أرض – أرض دقيقة إلى جانب منظومات تجسس إيرانية وتواجد قوات إيرانية وأخرى موالية لإيران، مثل قوة قدس (الحرس الثوري) وحزب الله ومليشيات شيعية، في الأراضي السورية وبالقرب من الحدود مع إسرائيل" في الجولان المحتل.

رئيس النظام بشار الأسد وخامنئي (أرشيف - أ.ف.ب.)

وأضافت الورقة أن "ضعف سورية يؤدي إلى نشوء تعلق بالقوى الخارجية المعادية لإسرائيل، وخاصة إيران. وكلما ازداد إسهام إيران في إعادة الإعمار، يمكن أن تستخدم إيران الحيز السوري من أجل ترسيخ بنية تحتية عسكرية لأمد طويل، ومن خلال استغلال موقف النظام الضعيف والديون لإيران، التي تراكمت أثناء الحرب. إلا أن ضعف إيران الاقتصادي سيقيد قدرتها على المساهمة في إعادة الإعمار".

إسرائيل وإعادة الإعمار

وادعت الورقة أن لإسرائيل مصلحة في إعادة الإعمار وإعادة بناء الدولة في سورية واستقرارها. "كلما كانت الحلبة السورية مستقرة أكثر ومتركزة على عمليات إعادة الإعمار، يتوقع أن تتقلص حرية عمل إيران... وهكذا تتراجع أيضا احتمالات إعادة صعود جهات جهادية – سلفية في الأراضي السورية. والأفضل أن يحكم سورية نظاما مركزيا وفعالا ويكون عنوانا للمسؤولية عن عمليات إعادة الإعمار وأيضا بكل ما يتعلق بالعمليات العسكرية أو الإرهابية من الأراضي السورية".

واعتبرت الورقة أن "بإمكان إسرائيل استغلال مصالحها المشتركة مع الدول العربية البراغماتية من أجل لجم التأثير الإيراني في المنطقة والمساعدة في إقامة قوة مهمات عربية ودولية لإعادة إعمار سورية. وبواسطة دول الخليج بإمكان إسرائيل أن تطرح رزم مساعدة متميزة، تستند إلى مواردها، سوية مع تكنولوجيا وخبرات إسرائيلية، على سبيل المثال في مواضيع التكنولوجيا المدنية وتطهير المياه والزراعة المتطورة، شريطة إبعاد تدخل إيران عن إعادة الإعمار وتأثيرها على هذه العملية".

وأوصت الورقة بأن تضع إسرائيل أربعة شروط في هذا السياق: لجم أية مبادرة إقليمية ودولية للبحث في انسحاب إسرائيل من هضبة الجولان السورية المحتلة؛ رصد موارد لإعادة إعمار جنوب سورية وهضبة الجولان المحررة، "وهي منطقة يتوقع أن يهملها النظام"؛ تقليص التأثير الإيراني وإبعاد القوى الموالية لها عن هضبة الجولان المحتلة؛ منح أفضلية لروسيا في تنفيذ مشاريع اقتصادية ترميمية ومن خلال تعهد لعدم إشراك إيران فيها.   

وأضافت الورقة أن "على إسرائيل العمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة في إطار شروط إعادة الإعمار"، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة تؤثر على الهيئات الاقتصادية الهامة في العالم، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ورجحت أن هذه المؤسسات الدولية ستؤثر بصورة أو بأخرى على موضوع إعادة الإعمار في سورية.

وخلصت الورقة إلى أنه أمام معضلة إسرائيل المذكورة أعلاه إزاء إعادة إعمار سورية، فإن "على إسرائيل أن تتبنى منظورا يقضي بالتدخل غير المباشر في عمليات إعادة الإعمار مع الدول العربية السنية أو دول غربية، حتى من دون تعهد بإبعاد التأثير الإيراني في سورية، أي التخلي عن مفهوم ’لعبة صفرية النتيجة’ مقابل إيران بخصوص تأثيرها في سورية".