تحليل || بولندا وإسرائيل: اليمين يرفض الاعتراف بجرائمه

بولندا وإسرائيل: اليمين يرفض الاعتراف بجرائمه
ضحايا اللاسامية وضحايا الصهيونية (أ.ف.ب.)

إلغاء قمة فيشيغراد في القدس، التي كان مقررا عقدها غدا، الثلاثاء، بدعوة من رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، جاء بسبب العلاقة بين أنظمة يمينية متطرفة قوميا وتقمع الحريات وترفض الاعتراف بماضيها الإجرامي. ورغم أن نتنياهو ونظيره البولندي، ماتيوش مورافيتسكي، هما زعيمان يمينيان متطرفان قوميا، إلا أنهما لن يتحملا انتقاد أحدهما للآخر حول تاريخ إجرامي ودموي لأنظمة حكمت بلديهما.

يحكم كل واحدة من الدول التي تشكل مجموعة فيشيغراد في أوروبا الشرقية، وهي بولندا وهنغاريا والتشيك وسلوفاكيا، أحزاب وزعماء يمينيون متطرفون وشعبويون. وكونهم كذلك، فإنهم يصطدمون مع نظرائهم من أوروبا الغربية، الذين يعتبرون ليبراليون وتمارس أنظمتهم سياسة ديمقراطية تسمح بتوجيه انتقادات للحكومات وبنشاط منظمات حقوق الإنسان، بل وتدعمها، وتحاول استيعاب موجة الهجرة من الشرق الأوسط وأفريقيا، على عكس الأنظمة في دول فيشيغراد.

كذلك فإن الأنظمة في مجموعة فيشيغراد تتبع سياسة معادية للسامية، خلافا لحكومات دول أوروبا الغربية، التي تحارب هذه الظاهرة، رغم وجود نزعات كهذه لديها. ويهاجم رئيس الحكومة المجري، فيكتور أوربن، الملياردير الأميركي – اليهودي المجري الأصول، جورج سوروس، لأنه يموّل منظمات حقوق إنسان. كذلك يهاجم نتنياهو سوروس لأنه يمول منظمات حقوقية إسرائيلية أيضا.

ورغم أن الحكومة التشيكية مؤلفة من أحزاب وسطية، إلا أن الرئيس التشيكي، ميلوش زيمان، مؤيد متحمس للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ويعارض الهجرة بشدة ويطلق تصريحات معادية للمسلمين. وسلوفاكيا أيضا تمارس سياسة متشددة ضد الهجرة، وتتأثر سياستها الخارجية غالبا بمواقف دول فيشيغراد الأخرى.

ويصرح نتنياهو على الملأ بأنه يسعى من وراء إقامة علاقة قوية مع مجموعة فيشيغراد إلى ضرب قرارات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، التي يعتبرها نتنياهو منحازة ضد إسرائيل. إذ أن دستور الاتحاد الأوروبي ينص على وجوب اتخاذ القرارات بالإجماع، من دون معارضة أو امتناع. وقال نتنياهو "إنني معني بتوازن العلاقات غير الودية دائما للاتحاد الأوروبي مقابل إسرائيل. وأنا أفعل ذلك بواسطة اتصالات مع كتل داخل الاتحاد الأوروبي، دول أوروبا الشرقية".

وخلال قمة فيشيغراد السابقة، دعا نتنياهو زعماء هذه المجموعة إلى عقد قمتهم المقبلة في القدس، غدا وبعد غد. لكن تصريحه خلال مؤتمر وارسو "للسلام والأمن في الشرق الأوسط"، الأسبوع الماضي، بأن "البولنديين تعاونوا مع النازية"، قوبل بغضب شديد في بولندا، وأعلن مورافيتسكي أنه سيتغيب عن القمة في القدس، وأنه سيشارك فيها بدلا عنه وزير الخارجية، ياتسك شابوتوفيتش، ما اضطر نتنياهو إلى إصدار بيان توضيحي قال فيه إنه قصد "بولنديين تعاونوا مع النازية" وليس جميع "البولنديين".

لكن بالأمس، وبعد تعيينه قائما بأعمال وزير الخارجية الإسرائيلي، صرح الوزير يسرائيل كاتس، في مقابلة تلفزيونية أنه "أنا ابن ناجين من المحرقة، ونحن لن ننسى ولن نغفر، وكان هناك بولنديون كثيرون تعاونوا مع النازية. وقال يتسحاق شمير (رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق وإرهابي مدان) إن البولنديين رضيعوا العداء للسامية مع حليب أمهاتهم...". وإثر ذلك أعلنت بولندا عدم مشاركتها في قمة فيشيغراد في القدس، وأن تصريحات كاتس "عنصرية ومخجلة".

وفي أعقاب ذلك، أعلن رئيس الوزراء التشيكي، أندريه بابيش، إلغاء القمة، وبدلا منها ستعقد محادثات ثنائية بين نتنياهو وزعماء المجر والتشيك وسلوفاكيا.

والعبرة المستفادة من هذه الأزمة، إذا صح تسميتها كذلك، هي أن اليمين القومي المتطرف يرفض الاعتراف بجرائم الماضي، وهذا يسري على إسرائيل مثلما يسري على بولندا: البولنديون يرفضون الاعتراف بتعاونٍ، كامل أو جزئي، مع النازية إبان الحرب العالمية الثانية، والإسرائيليون يرفضون الاعتراف بجرائمهم إبان النكبة، وقبلها وبعدها. بينما ألمانيا، على سبيل المثال، اعترفت بجرائم النازية بحق اليهود وغير اليهود.

يشار إلى أنه في الأول من أمس، السبت، قالت المذيعة في القناة 13 الإسرائيلية، أوشرات كوتلير، على خلفية اعتداء جنود إسرائيليين بشكل وحشي على فلسطينيين، إنه "نرسل أبناءنا إلى الخدمة العسكرية، ليعودوا إلينا كحيوانات بشرية بسبب الاحتلال". لكن القيادة الإسرائيلية لم تتقبل انتقادا كهذا لجرائم الاحتلال المتواصلة منذ أكثر من خمسين عاما، وتعرضت كونلير لتهجمات من جانب اليمين خصوصا، والذين طالبوا بفصلها ومحاكمتها وما إلى ذلك.