"مرحلة جديدة": ترامب "كابوس" نتنياهو

"مرحلة جديدة": ترامب "كابوس" نتنياهو
توضيحية (pixabay)

تعالت انتقادات في إسرائيل للسياسة العسكرية التي يمارسها رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، من خلال الهجمات المكثفة التي شنتها إسرائيل في العراق ولبنان وسورية، خلال فترة قصيرة. ووصلت هذه الانتقادات ذروتها بتقرير نشره أمس، الأربعاء، "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، الذي يعتبر أهم معهد أبحاث إسرائيلي.

وجاء في التقرير، الذي كتبه مدير المعهد ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق، عاموس يدلين، والباحث في المعهد أساف أوريون، وهو ضباط كبير سابق في شعبة التخطيط في الجيش، أنه "في النقطة الزمنية الحالية، يبدو أنه من أجل السماح باستمرار الرد الحازم والفعال على منظومة أذرع إيران القتالية، ينبغي تبريد الأمور قليلا والعودة إلى المبادئ التي تم اختبارها (للعقيدة العسكرية الإسرائيلية التي تسمى) المعركة بين حربين، حتى الآن، ودمج صحيح بين وتيرة العمليات، وخفض مستوى التصريحات والنشر، من خلال أخذ الشركاء والظروف الإستراتيجية بعين الاعتبار. وذلك، من أجل خدمة الغايات الأساسية للمعركة: إبعاد الحرب، منع التصعيد، ردع العدو من مهاجمة إسرائيل وإبطاء تعاظم قوته من أجل عرقلة زيادة خطورة التهديد. والظروف والجبهات الجديدة تستوجب توازنا معقدا أكثر بين مخاطر المعركة وفرصها قياسا بالسنوات الأخيرة في سورية. لقد بدأت مرحلة جديدة".  

"المعركة بين حربين" هي وصف إسرائيل للعمليات العسكرية التي نفذتها ضد في سورية، وموجهة بالأساس ضد إيران وحزب الله، بادعاء أن وجودهما ومحاولة إيران التموضع وإحضار ميليشيات موالية لها إلى سورية، يشكل خطرا على إسرائيل. ووسعت إسرائيل هذه العقيدة العسكرية لتمتد إلى العراق، من خلال التفجيرات التي وقعت، في الأسابيع الأخيرة، في معسكرات، بادعاء أن ميليشيات "الحشد الشعبي"، الموالية لإيران، تخزن أسلحة وصواريخ فيها ويمكن أن تستخدم ضد إسرائيل. كذلك شملت العقيدة الإسرائيلية تفجير طائرتين مسيرتين في الضاحية الجنوبية لبيروت، استهدفتا آلة لتحسين دقة الصواريخ، حسب تسريبات إسرائيلية، وغارة على موقع لحزب الله في قرية عقربا في سورية أسفرت عن مقتل عنصرين من الحزب وآخر إيراني. ورافق كل ذلك تصريحات أطلقها نتنياهو، بأن إسرائيل ستستهدف إيران وأذرعها في كل مكان، بما في ذلك في العراق.  

الموقع الذي استهدفته إسرائيل في الضاحية الجنوبية (أ.ب.)

"تسريبات استفزازية قد تقود للتصعيد"

تدعي إسرائيل أن توسيع "المعركة بين حربين" لتشمل إيران جاء إثر فشل الحكومة العراقية والولايات المتحدة في منع نشاط إيران في العراق. ووصف تقرير المعهد هذا التطور بأنه "تغيير هام". وأضاف أنه على الرغم من أن هذا التطور لم يلق اهتماما في إسرائيل، بسبب عدم وجود تبعات سياسية وملموسة للقرار الإسرائيلي بهذا الخصوص، إلا أن المعهد حذر من أن هذا الوضع سيتغير.

واعتبر يدلين وأوريون أن الهجوم في الضاحية الجنوبية لبيروت أهم بكثير من الهجمات في سورية والعراق، لأن الرئيس ورئيس الحكومة اللبنانيين وصفا الهجوم بأنه "إعلان حرب"، إلى جانب خطاب أمين عام حزب الله، الذي شدد على خطورة الهجوم في الضاحية، كونه يخرق "قواعد اللعبة" بعد حرب لبنان الثانية، بأن تمتنع إسرائيل عن شن هجمات ضد الحزب، وقتل عنصرين من الحزب في سورية في الليلة نفسها.

ولفت المعهد إلى أن المبدأ الأساسي في "المعركة بين حربين"، منذ وضعها، هو الامتناع عن التصعيد وإدارة العمليات دون أن تؤدي إلى حرب، "وذلك بواسطة تقليص الشعور بوجود حاجة ملحة لدى العدو بالقياد برد فعل تصعيدي". لكن "تواصل الأحداث في العراق (أربعة تفجيرات) حرك رد فعل شعبي وسياسي، زاد التوتر بين الحكومة العراقية والقوات الأميركية في العراق. ولأن تفاصيل المعلومات الاستخبارية والعسكرية التي كانت في أساس القرار الإسرائيلي لم تُنشر، فإنه بالإمكان التكهن فقط أن القرار بتنفيذ جميع العمليات في الشهر الأخير، يعبر عن تفضيل ضربات متراكمة بوتيرة عالية، حتى بوجود خطورة أعلى بالتصعيد. وهذا تجاوز في تاريخ المعركة بين حربين حتى الآن".  

سليماني قائد "فيلق القدس" (أ.ب.)

وانتقد يدلين وأوريون تصريحات نتنياهو ونشر صور لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي أثناء مداولات عسكرية، "والتغريدات المستفزة للمتحدث باسم الجيش ضد قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، والتي تتجاوز المطلوب والمتبع... وربما كانت غاية التسريبات (حول الهجوم بالضاحية الجنوبية) تفسير منطق الهجوم وأهميته، لكنها تزيد أيضا حرج حزب الله، وربما تدفعه إلى الرد".  

وأضافا أنه "في هذا الإطار، يرجح أن إسرائيل تقدر أن مخاطر الحرب في أعقاب هذه الهجمات ليست كبيرة، لأنه في الوضع الحالي سيفضل حزب الله وإيران الامتناع عن تصعيد واسع... وفي السياق السياسي الداخلي والخارجي، فإن العمليات الأخيرة للمعركة بين حربين تظهر جرأة وإصرار وقدرة رئيس الحكومة على اتخاذ قرارات ضد التهديد الإيراني، والاستعداد لمواجهة مخاطر. وفيما مرشحي الأحزاب في الانتخابات يتنافسون بينهم على من بإمكانه توفير ’أمن’ أكبر، فإن هالة العمليات ضد إيران ربما ستساعد رئيس الحكومة، الذي يواجه انتقادات من اليمين واليسار على رد ’ضعيف’ جدا لتحديات الإرهاب من غزة ويهودا والسامرة (الضفة الغربية). وحتى لو تم اتخاذ القرارات بشأن هذه العمليات من دون أية اعتبارات حزبية، فإن التصريحات التي رافقتها مغروسة جدا في المجال الحزبي" أي الدعاية الانتخابية.  

ولفت تقرير المعهد إلى احتمال بدء مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول الاتفاق النووي، والتي تتعارض مع سياسة نتنياهو. "من الجائز أنه إلى جانب ضرب قدراتهم، فإن تصعيد الضغوط الهجومية ضد إيران وشركائها غايتها دفعهم إلى رد سريع قد تمس باحتمالات فتح حوار بين إيران والولايات المتحدة. وفي المستوى الإيراني الداخلي، ليس واضحا إذا كانت الضربات التي يتلقاها قاسم سليماني وأذرعه تعزز قوة مؤيدي الخط المتشدد في القيادة، أم أنها تضعفه". ورأى يدلين وأوريون أن "عمليات المعركة بين حربين تقود إلى مساري توتر: الأول، توتر محتمل مقابل الرئيس ترامب في الموضوع النووي الإيراني، والذي قد يرى بعمليات إسرائيل عرقلة متعمدة لجهوده في دفع مفاوضات. وفي الثاني، فإن التوتر اندلع، حسب تقارير منشورة، بين إسرائيل والمؤسسة الأمنية الأميركية، وخاصة القيادة الوسطى للجيش الأميركي، على ضوء المخاطر التي يرونها بالعمليات الإسرائيلية في العراق على قواتهم في المنطقة والعلاقات مع الحكومة العراقية".

كابوس نتنياهو

في السياق الذي خلص إليه تقرير المعهد أعلاه، رأى المحلل السياسي في موقع "ألمونيتور" بالعبرية، بن كسبيت، أمس، أن "الكابوس الحقيقي الذي يواجهه بنيامين نتنياهو ليس في طهران أو بيروت وإنما في واشنطن". والأنباء حول لقاء محتمل بين ترامب والرئيس الإيراني، حسن روحاني، بوساطة فرنسية، "هي أسوأ الأنباء التي وصلت إلى نتنياهو، باستثناء ملفاته الجنائية".

نتنياهو (أ.ب.)

وأضاف كسبيت أن إسرائيل لا تمارس التجسس في الولايات المتحدة منذ قضية الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد، إلا أنها تحاول فهم السياسة الأميركية، وتحليل خطوات الإدارة، وتأثير الكونغرس والسيناريوهات المختلفة المتعلقة بخطوات أميركية مستقبلية. "أفضل الأدمغة منشغلة في هذه التحليلات، التي أهميتها للأمن القومي الإسرائيلي مرتفعة جدا. والآن، أفضل الأدمغة يجدون أنفسهم عاجزين أمام الواقع. فأن تتنبأ ترامب أصعب من إدراك سر الخليقة".  

وحسب كسبيت، فإنه في إسرائيل حللوا انسحاب ترامب من الاتفاق النووي على أنه إنجاز كبير، "لكن أضافوا نجمة تحذير حمراء بارزة: لا يمكن التنبؤ كيف سيتصرف ترامب لاحقا. هل سيصمد أمام الضغط الذي يمارسه هو على إيران؟ كيف سيتصرف عندما يرفع الإيرانيون هجم الرهان؟ هل هو قادر على فقدان الاهتمام بسرعة بالأمر وإهماله فجأة، مثلما فعل مع كوريا الشمالية؟ وكانت الإجابة إيجابية. نعم، الرئيس قادر على فعل ذلك، وهو قادر على فعل أي شيء".

وأضاف كسبيت أن نتنياهو أجرى محادثات هاتفية مكثفة جدا مع مستشاره السابق والسفير الحالي في واشنطن، رون ديرمر. "ديرمر هو أيضا المبعوث إلى ولايات ’حزام التوراة’ الأميركية وخاصة مجتمع الإنجيليين، الداعم لإسرائيل. ومهمته الحالية هي الاهتمام بأن يفهم الرئيس، من دون أن يقول ذلك أي إسرائيلي له، أن خطوات معينة في الموضوع الإيراني قد تسبب لقاعدته الإنجيلية ألا تهرول إلى صناديق الاقتراع في العام المقبل (انتخابات الرئاسة)".  

وأشار كسبيت إلى أن الأنباء الأولية حول احتمال بدء مفاوضات أميركية – إيرانية، أثارت الرعب في إسرائيل. "ورغم أن ترامب لم يتراجع بعد، لكن احتمال تراجعه بات واقعيا. ومن شأن تراجع رئاسي أن يجعل سياسة نتنياهو كلها ضد النووي الإيراني تنهار. وهذا آخر شيء يريد نتنياهو حصوله عشية انتخابات الكنيست. وهو لا يزال مقتنعا أنه قادر على مناورة الرئيس قبل حملة 2020. والسؤال هو ما هي قناعات الرئيس".