انخفاض نسب تجنيد الإسرائيليين: إلغاء نموذج "جيش الشعب" حتمي

انخفاض نسب تجنيد الإسرائيليين: إلغاء نموذج "جيش الشعب" حتمي
(Pixabay)

تظهر المعطيات أن نسبة التجنيد للجيش الإسرائيلي تنخفض باطراد، بمرور السنين، وسط نقاش دائر في إسرائيل حول الإبقاء على نموذج "جيش الشعب"، والتجنيد للخدمة النظامية، أو الانتقال إلى نموذج "الجيش المحترف". ولكلا النموذجين دلالاته على المجتمع الإسرائيلي في نواح عديدة.

وانخفضت نسبة المجندين بين الرجال اليهود من 77%، في العام 2005، إلى 69% في العام 2019. كذلك انخفضت نسبة المجندات اليهوديات من 59%، في العام 2005، إلى 56% في العام الحالي، وفقا لتقارير نشرتها صحيفة "ذي ماركر" اليوم، الأربعاء، وأمس، ورجحت أن سبب تراجع نسبة التجنيد مرتبط بأزمة قانون التجنيد، الذي يسمح عدم تعديله ببقاء الحريديين خارج الجيش، باستثناء نسب ضئيلة، فيما يشعر غير الحريديين، الذين يتجندون، بأنهم يتحملون عبئا أكبر، وبالتالي فإنه يوجد انعدام مساواة في تحمل الأعباء.

إضافة إلى ذلك، يسهم انخفاض نسبة اليهود غير الحريديين، أي علمانيين ومتدينين ومتدينين تقليديين وصهيونيين – متدينين، بانخفاض نسبة التجنيد، وأن هذا الاتجاه سيتعزز في المستقبل. وتدل المعطيات، على سبيل المثال، أن 50% من التلاميذ الذين دخلوا إلى الصف الأول الابتدائي، هذا الأسبوع، هم حريديون وعرب، وهما المجموعتان اللتان لا تتجندان.

ويعتبر خبراء وباحثون إسرائيليون، أن نموذج "جيش الشعب"، أي التجنيد الإلزامي، أفضل من نموذج "الجيش المحترف"، خاصة إذا كانت نسبة التجنيد أعلى من 55% - 60%. ويبدو أن نسب تجنيد الرجال والنساء اليهود الحالية تنسجم مع ذلك، لكن التقارير تشير إلى أنه في حال تم الأخذ بالحسبان الشريحة العمرية كلها لأبناء 18 عاما، أي سن التجنيد، في إسرائيل، بإضافة الشبان العرب في هذه السن، فإن نسبة التجنيد، في العام الحالي، تنخفض إلى 40% بين الرجال، وإلى 33% بين النساء.

ويعتقد هؤلاء الخبراء والباحثون أن نموذج "جيش الشعب" ملائم أكثر من النواحي الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية بالنسبة لإسرائيل، لأن تكلفته أقل قياسا بـ"الجيش المحترف"، الذي "ينبغي أن يكون حجمه كبيرا كي يكون قادرا على خوض حرب شاملة في أي وقت، لأنه بذلك سيستفيد الجيش الإسرائيلي من الثروة البشرية الأفضل". لكن الخبراء يشيرون إلى أن "نوعية القوات النظامية أعلى من نوعية القوات في الخدمة الدائمة، أي أن نوعية الذين يستمرون في الخدمة العسكرية الدائمة تتراجع".  

ويعتبرون أنه من الناحية الاجتماعية، نموذج "جيش الشعب" هو الأفضل أيضا، وأن "الروح التي يبثها نموذج جيش الشعب تعزز الروح الوطنية والتماثل مع الدولة والشعب، ويجعل أداء إسرائيل السياسي أكثر اعتدالا، لأن الجيش الإسرائيلي يمثل كافة الشرائح السكانية وهو مؤلف من ’أبنائنا جميعنا’". ويؤيد هذا التوجه تحالف واسع يجمع عسكريين وخبراء اقتصاديين وخبراء في العلوم السياسية أيضا.

رغم ذلك، تؤكد التقارير على أنه ليس بإمكان إسرائيل الاستمرار في نموذج "جيش الشعب" لسنوات طويلة، بسبب انخفاض متواصل في نسبة المجموعات السكانية التي يتجند أبناؤها للخدمة العسكرية. وفي هذه الأثناء، يتم إرجاء طرح حلول لهذا الوضع.

ومن الجهة الأخرى، يقول البروفيسور أفي بن بسات، الذي ترأس لجنة رسمية لبحث الموضوع، إن "ضباطا كبارا مثلوا أمام اللجنة، اعترفوا بوجود مشكلة في الجيش وتتعلق بوجود أعداد كبيرة من الجنود في الجبهة الداخلية ولا حاجة لهم. وهذا يثير قلقا في الجيش، لأنه ليس جيدا بالنسبة للجيش ولا للاقتصاد وجود جنود يشعرون بأنهم يهدرون وقتهم هباء". فالخدمة العسكرية تكلف الاقتصاد الإسرائيلي أموالا طائلة، كما أنها تمس بالإنتاجية، بسبب تأخر هؤلاء المجندين في الدخول إلى سوق العمل. وحسب تقديرات وزارة المالية، فإن هذا الوضع يؤدي إلى فقدان الاقتصاد الإسرائيلي 5% من الناتج، أي أكثر من 70 مليار شيكل سنويا. وفي هذا السياق، جرى طرح أفكار تتعلق بتقصير مدة الخدمة الإلزامية، كحل مرحلي. لكن الجيش الإسرائيلي متردد حيال تقصير مدة الخدمة الإلزامية بشكل كبير، خاصة في أعقاب حرب لبنان الثانية، عام 2006.

ويدور صراع كل عام بين الجيش ووزارة المالية، عشية إقرار الموازنة العامة الإسرائيلية، حول حجم ميزانية الأمن. وبعد أن وافق الجيش على تقصير مدة الخدمة الإلزامية للرجال من 36 إلى 32 شهرا، فإن وزارة المالية تطالب الجيش الآن بتقصير المدة أكثر، إلى 24 شهرا، أو 28 شهرا على الأقل، مقابل زيادة ميزانية الأمن.

إلا أن هذا الصراع، وحتى لو وافق الجيش على تقصير مدة الخدمة الإلزامية إلى أقل من 30 شهرا، فإنه ليس من شأن ذلك إنهاء النقاش حول "جيش الشعب" أو "الجيش المحترف".

وقال المستشار الاقتصادي السابق لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي، العميد آشير حداد، إن "تقديراتنا هي أن نسبة المجندين للجيش الإسرائيلي حتى العام 2060 ستتدهور إلى ما بين 25% و30%، وعندها لن يكون بالإمكان الحفاظ على مبدأ جيش الشعب والتجنيد الإلزامي". وأوصى بالحفاظ على نموذج "جيش الشعب"، والبدء بالاستعداد "للتنازل عن هذا النموذج، لأنه لا مفر من التنازل عنه، والانتقال إلى نموذج الجيش المحترف. وتقصير مدة الخدمة هي مرحلة مؤقتة هامة في الطريق إلى هناك، وتطوير مسارات خدمة وأجر ملائم يغري أبناء الشبيبة المؤهلة كي يختاروا الجيش، والاستعداد اجتماعيا وقوميا لتغيير وجه الدولة والمجتمع، ويبدو أن هذا أمر حتمي".