تطابق الحالة الاقتصادية والموقف السياسي في التصويت للكنيست

تطابق الحالة الاقتصادية والموقف السياسي في التصويت للكنيست
لافتات انتخابية لليكود و"كاحول لافان" (أ.ب.)

تشير نتائج جولة الانتخابات الثانية للكنيست، التي جرت في أيلول/سبتمبر الماضي، إلى وجود تطابق بين المدينة أو البلدة التي يقطن فيها الناخب وبين الحزب الذي حصل على صوت هذا الناخب، وذلك حسب تحليل نشره رئيس تحرير صحيفة "هآرتس"، ألوف بِن، اليوم الأحد، ورأى أن نتائج الانتخابات والتدريج الاقتصادي – الاجتماعي في إسرائيل يظهر تطابقا بارزا "بين حساب البنك وبطاقة الاقتراع".

واستنتج بن في تحليله، أن "الأغنياء يصوتون إلى كاحول لافان، الطبقة الوسطى تؤيد الليكود، والفقراء يتوزعون بين القائمة المشتركة والأحزاب الحريدية شاس ويهدوت هتوراة"، وأن هذه "أربع قبائل" تظهر الشروخ في المجتمع الإسرائيلي.

واعتبر بن كتلة الوسط – يمين "كاحول لافان"، برئاسة بيني غانتس، أنها تنتمي إلى "اليسار". وكتب أن "الأغنياء والعرب في كتلة اليسار، والحريديين والطبقة الوسطى في اليمين، والمواجهة بين المعسكرين تدور في الطبقة الوسطى – العليا. وأبرزت الانتخابات الأخيرة الانقسام القبلي، لأن الدولة تتمتع باستقرار أمني، سياسي واقتصادي، وتعززت قوة كلا الحزبين الأكبرين على حساب الأحزاب الصغيرة".

وأضاف أن القوائم التي تضعها دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية حول تدريج البلدات في إسرائيل، من الفقيرة إلى الغنية، تشير إلى أن "الانتخابات لا تدور حول ملفات الفساد لرئيس الحكومة (بنيامين نتنياهو)، وليس حول ضم غور الأردن، وحتى ليس حول التديين والعلمنة. وجميع هذه الصراعات هي مجرد أقنعة، يختبئ خلفها الصراع الطبقي والاقتصادي بين القبائل المتخاصمة".

ووفقا لبن، فإنه "يسهل إظهار أن المواقف السياسية تنبع أولا من مكانة وتطلعات الناخبين، وليس من شخصية وجاذبية وخبرة المرشحين"، وأنه "في طريقة الانتخابات الإسرائيلية النسبية، تحظى أصوات الأقلية بتمثيل أيضا"، خلافا للطريقة الأميركية والبريطانية، حيث "يأخذ الفائزون كل شيء" في مناطقهم الانتخابية، بينما "يُلقى الخاسرون إلى سلة النفايات ويتعاظم التقاطب".

المستوى الاجتماعي – الاقتصادي والانتخابات

تقسم دائرة الإحصاء المركزية 1183 مدينة وبلدة في إسرائيل إلى عشر مجموعات، بحيث يكون المستوى الاجتماعي - الاقتصادي في المجموعة العاشرة هو الأعلى، والمدن والبلدات في المجموعة الأولى الأدنى. وتبين من تحليل بِن أن كتلة "كاحول لافان" كانت الفائز الأكبر في الانتخابات الماضية في جميع البلدات والمدن، وبينها تل أبيب، في المجموعات العاشرة والتاسعة والثامنة. وقد فازت في جميع البلدات في المجموعة العاشرة، وهي ثلاث فقط، وفي 95 بلدة من أصل 97 في المجموعة التاسعة، وفي 242 بلدة من أصل 270 في المجموعة الثامنة. "ويرى الإسرائيليون الأغنياء ببيني غانتس ممثلا عنهم وزعيما لهم".

ولفت بن إلى أن التحليل أظهر وجود تطابق بدرجة عالية بين التصويت إلى "كاحول لافان" وحزب ميرتس، الذي "يتوجه إلى القبيلة نفسها". وفي المجموعة التاسعة، فازت القائمة المشتركة في البلدة اليهودية – العربية الصغيرة واحة السلام. وفي المقابل، لم يفز الليكود، الذي يتزعمه نتنياهو، في أي بلدة في المجموعتين العاشرة والتاسعة، وفاز في 18 بلدة في المجموعة الثامنة، وبينها مستوطنات.

ناخبون حريديون يدلون باصواتهم في انتخابات الكنيست الماضية (أ.ب.)

ووصف بن مجموعة البلدات السابعة، التي تقطن فيها الطبقة الوسطى – العليا، بأنها "ميدان القتال بين كاحول لافان والليكود". وتضم هذه المجموعة مدينة حيفا وقرية معليا ومستوطنات أيضا. وفازت "كاحول لافان" في 157 بلدة في هذه المجموعة، والليكود في 89 بلدة، وتحالف أحزاب اليمين المتطرف "إلى اليمين" في 12 مستوطنة.

والليكود هو الفائز الأكبر في المجموعة السادسة والخامسة. "وهذه هي القاعدة التي تُبقي نتنياهو في الحكم، إلى جانب عشرات المستوطنات والكيبوتسات والبلدات الصغيرة التي يسكنها المتدينون اليهود، وفاز فيها ’إلى اليمين’ الذي يدور في فلك الليكود. وفي هاتين المجموعتين فازت كاحول لافان في كيبوتسات".

والصورة مشابهة في المجموعة الرابعة، حيث كان الليكود الفائز الأكبر في مدن مثل الرملة وعكا وميغدال هعيمق (المجيدل) وطبرية، وفاز "إلى اليمين" في بلدات ومستوطنات المتدينين، بينما فازت "كاحول لافان" في بلدتين يهوديتين والقرى الدرزية دالية الكرمل وعسفيا وجولس وحرفيش.

وكانت القائمة المشتركة الفائز الأكبر في 28 بلدة في المجموعة الثالثة، وبينها الناصرة وشفاعمرو وسخنين وباقة الغربية، بينما فاز الليكود في أربع مدن وبلدات، بينها اللد، و"إلى اليمين" في ثلاث مستوطنات، و"كاحول لافان" في القرى الدرزية يركا ومجدل شمس (في الجولان السوري المحتل) وكسرى – سميع وفي كيبوتسات، بينما فاز حزب شاس في بلدتين.

وحققت كتلة "يهدوت هتوراة" الحريدية فوزا في القدس وبني براك وبيت شيمش، في المجموعة الثانية، بينما فازت شاس في بلدة إلعاد ومستوطنة "عمانوئيل". وفازت القائمة المشتركة في 47 بلدة من أصل 88 تشملها المجموعة الثانية، وفازت في 18 بلدة، تعتبر الأكثر فقرا، في المجموعة الأولى، بينما فازت "يهدوت هتوراة" في المستوطنتين الحريديتين "بيتار عيليت" و"موديعين عيليت".

مواقف الأحزاب وناخبيها

رأى بن أن هذه النتائج تفسر جيدا مواقف الأحزاب ومؤيديها. "وحزب الأغنياء، كاحول لافان، يريد إبقاء الأمور على حالها، وتطبيق الطريقة الاقتصادية التي تستفيد منها المجموعات العليا، وتقوية المؤسسات النخبوية، وبينها هيئة الأركان العامة، أجهزة الاستخبارات، جهاز القضاء وشعبة الميزانيات (في وزارة المالية)".

ناخبون عرب يصوتون في انتخابات الكنيست الماضية (أ.ب.)

وأضاف بن أنه "ليس صعبا فهم ناخبي كاحول لافان. فهم الذي بحوزتهم إمكانيات، ويمكن أن يخسروا وحسب أو التدهور في الُسلم الطبقي، ويحركهم بالأساس الخوف من فقدان السيطرة والأملاك. وصراعهم ضد التديين هو صراع اقتصادي أيضا ضد المتدينين والحريديين، الذين يريدون الحصول على المال من العلمانيين في شمال تل أبيب وتحويله إلى المستوطنات والييشيفوت (المعاهد الدينية اليهودية). وغانتس، زعيم هذا المعسكر، يمثل الحفاظ على الموجود، ولا يطرح أي تغيير اجتماعي أو اقتصادي".

من الجهة الأخرى، وفقا لبن، فإن "الليكود يمثل التحولات الاجتماعية، وبإمكان ناخبيه الارتقاء من وسط القائمة إلى المجموعات العليا، ولكن الهبوط إلى أدنى أيضا. ويحركهم الأمل والخوف معا، وبنيامين نتنياهو يعرف جيدا العزف على الأمرين. فهو يعِد الليكوديين ’باستبدال النخب’ ورفعهم إلى القيادة، ولذلك يحارب ’الدولة العميقة’ والنيابة العامة و’وسائل الإعلام’ الذين يمثلون النظام القائم، ويؤيد (الجندي القاتل) إليئور أزاريا وضد ضباطه".

ورأى بن أن "نتنياهو يعانق مؤيديه من أسفل أيضا ويعِدهم بتفوق، رمزي على الأقل، على العرب في المجموعات الدنيا بواسطة قانون القومية وتصريحات عنصرية أخرى. وفي السنوات الأخيرة، قام نتنياهو بترقية سياسيين يمثلون ’الميدان الليكودي’ في البلدات الواقعة خارج وسط البلاد بالأساس، وليس أشخاصا شبيهين بناخبي كاحول لافان وقيادتها. وعندما نتمعن في تصويتهم، يسهل فهم سبب عدم تأثرهم بلوائح الاتهام ضد نتنياهو واستمرار دعمهم له في صناديق الاقتراع والاستطلاعات"، رغم اتهامه بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة.

إلا أن قائمة دائرة الإحصاء المركزية التي تقسم البلدات وفقا للمؤشر الاجتماعي – الاقتصادي، حسب بن، تدل على أن البلدات والمدن الليكودية تراوح مكانها وتبقى في الطبقة الوسطى. "السنوات الـ11 لحكم نتنياهو المتواصل لم تحسن أبدا المكانة النسبية لناخبيه. وهم مغروسون في المجموعتين السادسة والخامسة. وخصومهم حافظوا على تفوقهم النسبي، بل ربما أن الفجوات الاقتصادية اتسعت أيضا. وبالإمكان التساؤل إذا كانت توجد لليكود مصلحة حقيقية باستبدال النخب، والمخاطرة بذلك بفقدان ناخبين لصالح كاحول لافان المحافظة، أو بفقدان الأيديولوجية الراديكالية التي تزود الليكود بطاقة سياسية".

لا انتقال أصوات بين المعسكرات

اعتبر بن أن "المجموعات الدنيا تطرح صورة معاكسة للمجموعات الغنية. ويمكن للحريديين والعرب أن يربحوا وحسب، ويحركهم الأمل بتحسين وضعهم النسبي. وقد أدركت الأحزاب الحريدية ذلك منذ وقت طويل، وتركز على نقل موارد من دافعي الضرائب إلى جيوب ناخبيهم، الذين إسهامهم في الناتج القومي أقل بكثير من نسبتهم بين السكان. وقد تبنت القائمة المشتركة في الانتخابات الماضية خطا مشابها، عندما تعهدت بدعم غانتس وحتى المشاركة بائتلاف برئاسته، مقابل منافع اقتصادية واجتماعية مثل تحسين تطبيق القانون والتخطيط والبناء والتعليم".

وأشار بن إلى أن قاعدة مؤيدي رئيس حزب "يسرائيل بيتينو"، أفيغدور ليبرمان، موجودة في الوسط، في المجموعات 7 – 4، ولكن في انتخابات أيلول/سبتمبر، خلافا لانتخابات نيسان/أبريل الماضي، اخترق معاقل "كاحول لافان" في المجموعتين 9 – 8 بفضل "محاربة التديين"، ما يفسر "ارتداع غانتس وزملاءه من التحالف مع القائمة المشتركة، أو من التعبير عن مواقف يسارية واضحة. فهم يخافون ببساطة من أن يتركهم ناخبون أغنياء يحملون مواقف قومية لصالح يسرائيل بيتينو. وترك ناخبين من داخل المعسكر لصالح تحالف العمل – غيشر – ميرتس، يقلقهم بشكل أقل".

وخلص بن إلى أنه "لا يوجد تقريبا انتقال ناخبين بين القبائل، وخاصة عندما تجري الانتخابات مرة كل بضعة شهور. لذلك، فإن السؤال الأساسي هو، مثلما كان في جولتي الانتخابات السابقتين، ما هو عدد المواطنين الذين سيخرجون من بيوتهم من أجل التصويت لحزبهم القبلي".

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة