أزمة كورونا: إستراتيجية إسرائيلية منقوصة

أزمة كورونا: إستراتيجية إسرائيلية منقوصة
تل أبيب، يوم الأحد الماضي (أ.ب.)

يشكل انتشار فيروس كورونا "أزمة أمن قومي وعالمي، تنعكس على الأمن الشخصي للجمهور. وللخطوات الوقائية انعكاسات على الأمن الاقتصادي والحرية المدنية للسكان. وتوجد في الخطاب في إسرائيل ودول العالم إستراتيجيتان أساسيتان لمواجهة الأزمة. الأولى هي ’الابتعاد الاجتماعي’، والثانية هي ’الاستسلام’"، وفقا للباحث في "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، شموئيل إيفن.

وتشمل إستراتيجية "الابتعاد الاجتماعي" خطوات أبرزها فرض حجر صحي وعزل المرضى، وقيود على الأفراد مثل الابتعاد عن بعضهم مسافة معينة، تعطيل المؤسسات التعليمية، تعطيل قسم كبير من المرافق الاقتصادية، وفي بعض الدول تقضي هذه الإستراتيجية بفرض إغلاق شامل. وهدف هذه الإستراتيجية هو محاصرة الفيروس، الذي لا يستطيع البقاء لفترة طويلة خارج جسم الإنسان، وتقليص قدراته على الانتقال إلى إنسان آخر. وبذلك، فإن غاية هذه الإستراتيجية كبح الوباء أو إبطاء انتشاره على الأقل، فيما يتعين على الدولة معالجة المرضى وكسب الوقت، وتطوير أدوية ولقاح. وتشمل هذه الإستراتيجية إجراء فحوصات كثيرة وخروج مراقب من الأزمة، فيما السكان الحساسين للمرض سيكونوا الأخيرين الذين سيتحررون من القيود.

وكانت الصين الدولة الأولى التي طبقت هذه الإستراتيجية، وحققت نجاحا حتى الآن، وتبعتها دول عديدة بينها إسرائيل. وأشارت تقارير إعلامية إلى أن القرارات التي تتخذها إسرائيل تشمل خطوات تستند إلى نموذج رياضي يستند إلى فرضيات طبية أساسية، ويشمل أربعة سيناريوهات مختلفة من حيث وتيرة انتقال العدوى بحال عدم اتباع خطوات إبعاد اجتماعي. وحسب السيناريو الأخطر، فإن حامل فيروس كورونا ينقل العدوى إلى شخصين، بينما في السيناريو الأسهل تنتقل العدوى إلى 1.2 شخص. والوفيات في السيناريو الأسهل ستكون أقل بكثير، لكن فترة الوباء ستكون أطول بكثير. وتهدف هذه الإستراتيجية إلى خفض وتيرة تناقل العدوى إلى أقل من 1، وتؤدي إلى تراجع الوباء بسرعة وعدد الوفيات إلى الحد الأدنى.

وأشار إيفن إلى أن الصعوبة الأساسية في هذه الإستراتيجية هي أن خطوات الابتعاد الاجتماعي تصعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وفي إسرائيل تجاوز عدد العاطلين الجدد عن العمل الـ600 ألف، علما أن إسرائيل ليست بعيدة عن إغلاق شامل للمرافق الاقتصادية. وأضاف أن الأزمة الاقتصادية ستكون أصعب بالنسبة لدول يتعلق اقتصادها بشكل كبير بالاقتصاد العالمي، وبينها إسرائيل، لأنها معرضة جدا لعواقب المس بالاقتصاد العالمي.

ويفضل مؤيدو "إستراتيجية الاستسلام" اتخاذ خطوات عزل اجتماعي بشكل أكبر من مواجهة إنفلونزا قاسية. ويعتقد قسم منهم أن الجمهور سيصاب بالعدوى حتما، وأنه ينبغي مواجهة الوباء بأسرع ما يمكن. وحسب التقديرات، فإن المتماثلين للشفاء سيكونوا محصنين بمناعة طبيعية، وسيرتفع عدد المصابين بالعدوى.

وبين مؤيدي هذه الإستراتيجية في إسرائيل أولئك الذين يعارضون وزارة الصحة، وبعضهم خبراء في مجال الطب والاقتصاد. وهم يصفون الخطوات الإسرائيلية بأنها متطرفة، وتتعالى مؤخرا مطالب بدراسة فرض هذه الإستراتيجية على السكان، باستثناء مجموعات حساسة للمرض، مثل المسنين، الذين ينبغي أن يتواجدوا في عزل مشدد.

ولفت إيفن إلى أن النقص الكبير لإستراتيجية "الاستسلام"، في مرحلة وباء غير مسيطر عليه على الأقل، هو أنه سيؤدي إلى انهيار الجهاز الصحي وسيمس بالطواقم الطبية، مثلما حدث في إيطاليا. كذلك فإنه في حال انتشار واسع للمرض، يتوقع أن يعطل الجمهور المرافق الاقتصادية من دون علاقة مع قرارات حكومية.

ورأى إيفن أن إسرائيل اختارت إستراتيجية صحيحة حتى الآن، لكنها دخلت إلى أزمة كورونا بوجود نواقص في جهاز الصحة، الذي عانى قبل الأزمة من نقص في الميزانيات.

ومن أجل مواجهة ناجعة للأزمة، دعا إيفن إلى تشكيل مجلس وزاري، يشارك في عضويته مندوبون عن المعارضة، وأن تصادق الكنيست، بسرعة، على ميزانيات تسمح برصد موارد لمواجهة الأزمة. كما دعا إلى تفعيل طاقم إعلامي، والامتناع عن الإعلان عن تغيير السياسة بوتيرة عالية جدا.

وأوصى إيفن بإعطاء أفضلية لخطوات ذات قيمة إستراتيجية عالية وتكلفة محدودة نسبيا، مثل زيادة عدد الفحوصات إلى 10 آلاف يوميا.

وأضاف أن "الانطباع في الأسابيع الأخيرة هو أن اعتبارات الإدارة الصحية تملي إدارة الأزمة، وذلك يكان يكون من دون معارضة ومراقبة وربما من دون جهاز توازنات وكوابح كافية. وينبغي اختبار النموذج الرياضي الذي تتبعه وزارة الصحة، وبناء نماذج بديلة وجامعة لنماذج أخرى لفحص أضرار خطوات الابتعاد الاجتماعي في المجالين الاجتماعي والاقتصادي".

كما دعا إيفن إلى نقل طواقم طبية من مجالات أخرى وتأهيلهم لمجال الكورونا، وحماية أشخاص مركزيين في المرافق الاقتصادية من إصابتهم بالعدوى.

واعتبر إيفن أنه ينبغي وضع خطة لتدخل الجيش الإسرائيلي في الأزمة، وتنظيم أسلوب العمل من البيت، إلى جانب دراسة خطوات لعودة عاملين إلى العمل في مصانع، وتشديد العقوبات على الذين ينشرون الأخبار الكاذبة، وتحذير تجار من رفع أسعار السلع، كما دعا مجلس الأمن القومي والوزارات إلى إعداد خطة لما بعد نهاية الأزمة.