"الأداة": مخزون معلومات الشاباك المستخدم بمواجهة كورونا

"الأداة": مخزون معلومات الشاباك المستخدم بمواجهة كورونا
(توضيحية - Pixabay)

أثار قرار الحكومة الإسرائيلية، الأسبوع الماضي، بتكليف جهاز الأمن العام (الشاباك) بمتابعة تحركات المرضى بفيروس كورونا والأشخاص الذين التقوا معهم من خلال تعقب هواتفهم المحمولة، ضجة واسعة، واتهمت منظمات حقوقية، بينها جمعية حقوق المواطن في إسرائيل، الحكومة بالمس بحقوق المواطنين واستهداف خصوصياتهم.

وأفاد تحقيق صحافي نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" اليوم، الجمعة، بأن لدى الشاباك قدرات لتعقب المواطنين من خلال متابعة هواتفهم المحمولة، وأن هذه القدرات يطلق عليها اسم "الأداة"، وهي عبارة عن "مخزون معلومات سري، تتجمع فيه معطيات حول جميع مواطني دولة إسرائيل، طوال الوقت، ومن دون علاقة بكورونا". وأضافت الصحيفة أن "تتبع مرضى كورونا لا يتم من خلال الولوج إلى الهاتف المحمول، ولا من خلال تطبيق للتجسس، لأنه لا توجد حاجة لذلك".

وأضافت الصحيفة أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ووزارة الصحة طلبوا السماح باستخدام "الأداة" وتغذيته بأسماء المرضى المعروفين، "وكل ما تبقى – أين تواجد المرضى، مع من تحدثوا، من مر في طريقهم ومعطيات أخرى – يتم جمعها أصلا طوال الوقت حول جميع مواطني دولة إسرائيل. وهذا يشمل أشخاصا ليسوا مشتبهين بأي نشاط إرهابي وأصحاء بالكامل".

لكن لـ"الأداة" قدرات خطيرة للغاية. ويكشف التحقيق عن أنه "تم تجميع المعلومات في هذا المخزون من دون أن يكون لأي شخص منا، أو حتى الكنيست – باستثناء خمسة أعضاء في لجنة المخابرات الفرعية يسمعون عنه خلال إحاطة عامة مرة في السنة – علما حول كيفية تجميعه وتخزينه، وكيف يستخدم. ورئيس الحكومة لم ينشر أبدا الأنظمة التي تستخدم في إطار القانون أو مضمونها. والمداولات حول هذا الموضوع لم توضع أمام الجمهور في إسرائيل أبدا. والنتيجة هي أن منظومة هائلة تجمع تيرابايت معلومات حول جميع مواطني دولة ديمقراطية، بقيت في الظلام الحالك، حتى هذا الأسبوع".

وأصدر رؤساء حكومات إسرائيل تعليمات، بموجب بنود في القانون وأنظمة، بعضها سري، تعليمات لشركات الهواتف الخليوية وتقضي بأن تحول إلى الشاباك كافة المعلومات حول معطيات اتصالات جميع المشتركين لديها. وهذا يشمل جميع المواطنين في إسرائيل تقريبا وقسم كبير من سكان الضفة الغربية. وهكذا نشأت "الأداة".

موظف في الصحة الفلسطينية يفحص حرارة مواطن عائد إلى الضفة الغربية، يوم الأحد الماضي (أ.ب.)

وأشارت الصحيفة إلى أن الشاباك يستخدم "الأداة" في تعقب أنشطة ضد إسرائيل ومنع محاولات لتنفيذ عمليات والكشف عن جواسيس. وكانت الحكومة، وبضمن ذلك نتنياهو شخصيا، قد طلب استخدام "الأداة" في مواضيع ليست مرتبطة بعمليات معادية، وقد رفض الشاباك معظمها. كما أن رئيس الشاباك الحالي، ناداف ارغمان، تحفظ من استخدام "الأداة" في أزمة كورونا، تحسبا من كشف أساليب عمل الجهاز السرية.

وكان الشاباك قد وافق على استخدام "الأداة" في أعقاب قضية تسرب معلومات حساسة وأثارت ضجة في إسرائيل، بينما عندما طلب نتنياهو استخدامها للكشف عن تسريب حول مخطط مهاجمة إيران، رفض الشاباك طلبه. وقد تم استخدام "الأداة" في رصد تحركات منظمات إجرامية، بناء على طلب الشرطة.

وأشارت الصحيفة إلى أن المسؤول الذي طلب استخدام "الأداة" في مواجهة كورونا هو مدير عام وزارة الصحة، موشيه بار سيمان طوف، علما أنه لا يفترض أن يعلم هذا المسؤول بوجود "الأداة". لكن في المداولات حول الأزمة يوجد شخصان يعلمان بوجودها، وهما نتنياهو ورئيس مجلس الأمن القومي، مئير بن شبات، الذي كان مسؤولا في الشاباك في الماضي.

انتقادات لاستخدام المعلومات في "الأداة"

عبر مسؤولون سابقون في الشاباك، في حديث للصحيفة، عن قلقهم من استخدام "الأداة" من دون إشراف برلماني وثيق. وحذر النائب السابق للمستشار القضائي للحكومة، المحامي ملخيئيل بلس، من أنه "في أزمة من هذا النوع أيضا ينبغي الحفاظ على أسس حقوق المواطن في دولة ديمقراطية. ولا يمكن السماح تحت غطاء الذعر الدوس على حقوق الإنسان من دون حدود، وبمستويات غير تناسبية أبدا مع تهديد ومشكلة. واشعر أننا نكاد نتحول إلى نظام رئاسي، من دون توازنات وكوابح، وفيما رئيس الحكومة وحده تقريبا يدير الأمور في الشهر الأخير. وفيما هو غارق في محاكمته، يوجد تخوف دائم من أنه يعمل انطلاقا من اعتبارات شخصية".

ولفتت الصحيفة إلى أن لـ"الأداة" إشكاليتين. الأولى هي أنها تجمع معلومات عن جميع المواطنين وطوال الوقت. والثانية هي أنها تسمح بفحص حياة المواطن ليس فقط منذ أن تحول إلى مصاب أو مشتبه بالإصابة بكورونا، وإنما بأثر تراجعي، أي مع من تحدث المواطن، لمن بعث رسائل نصية، والأماكن التي تواجد فيها أي لحظة وبمن التقى. "هذه كلها قدرات، واستخدام غير لائق لها قد تتحول إلى قدرات خطيرة".

سوق في تل أبيب، الأحد الماضي (أ.ب.)

لكن الشاباك يصف "الأداة" بأنها "جامدة". ونقلت الصحيفة عن مسؤول سابق في الجهاز قوله، إن "’الأداة’ كجامعة لا نهائية لنقاط في الفضاء الإلكتروني، وطالما أنك لا تستخدمها، فإنها لا تقول أي شيء". وقال مسؤول في الشاباك إن "’الأداة’ هي مثل بئر عميق، أو قبو، مغلق ومظلم بالمطلق ولا يستطيع أحد الدخول إليه. ومرة في وقت ما، وبعد الحصول على مجموعة كبيرة من التصاريح، يحصل شخص ما على مصباح ومراقبة من أجل النزول إلى البئر وإضاءة قسم معين منه. وبإمكانه إضاءة هذا القسم فقط، وبعدها الصعود إلى أعلى، والإبلاغ بصورة تخضع لمراقبة مشددة، عن نتائج هذا البحث المحدود".

لكن التحقيق الصحافي كشف عن استخدام زائد لـ"الأداة"، خاصة لدى تأسيسها. وقال مسؤول سابق في الشاباك إنه "في البداية كان الأفراد عندنا بدون تربية. وقرر أفراد أنهم يريدون أن يفحصوا ما إذا كان ذلك الشخص الذي يتواعد مع ابنة العمة ملائم بشكل كافي لها". ويكشف هذا المثال إمكانيات استغلال المعلومات في "الأداة" لأهداف يمكن أن تمس بخصوصية المواطنين، وليس فقط في الأحوال الشخصية. وقال مسؤول في الشاباك إنه نشأ "ورع مقدس" تجاه "الأداة"، وأن أي استخدام سيء لها، سيقود إلى إخراج عنصر الشاباك من الجهاز.

رئيس الشاباك، ناداف ارغمان (أرشيف)

وأشارت الصحيفة إلى أن الخطر الأكبر هو أن يستخدم سياسيون نافذون "الأداة" لمصلحتهم الخاصة. لكن مسؤول في الشاباك قال إن هذا أمر غير ممكن، خاصة وأن كافة أنشطة الشاباك موثقة ومحوسبة، وكل شيء مكتوب ومحفوظ. وحتى لو أراد رئيس الشاباك الوصول إلى المعطيات، لن يتمكن من ذلك، إذ يجب تفعيل مجموعة من الأشخاص والأنظمة والتصاريح والتواقيع كي يحدث أمر كهذا. وحتى لو كان لجميع الأشخاص في هذه السلسلة نوايا سيئة، فإنه لا توجد لديهم أي إمكانية حقيقية لتنفيذ المؤامرة".

ورغم ذلك، فإن القانون ينص على أن رئيس الشاباك هو الوحيد الذي يقرر كيفية استخدام "الأداة" وضد من. ويتعين عليه اطلاع المستشار القضائي للحكومة بشأن استخدامها، مرة كل ثلاثة أشهر، واطلاع اللجنة الفرعية البرلماني للأجهزة السرية مرة في السنة، لكن الصحيفة أكدت أن مراقبة اللجنة سطحية.

وقال الشاباك في تعقيبه على التحقيق الصحافي إنه بكل ما يتعلق بـ"الأداة"، يعمل الشاباك بموجب البند 11 من قانون الشاباك، الذي يتضمن طرق المراقبة والإشراف على طريقة استخدام المعلومات، وأن الشاباك "يستخدم هذه المعطيات بحساسية بالغة جدا، ومن خلال حرص زائد على نص القانون، القواعد والإجراءات، من أجل تقليص المس بالخصوصية بقدر الإمكان".

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"