أزمة كورونا: جيل الشباب الضّائع في إسرائيل

أزمة كورونا: جيل الشباب الضّائع في إسرائيل
من الاحتجاجات (أ ب)

ضربت جائحة كورونا الشباب في إسرائيل اقتصاديًا أكثر من غيرهم، فيتبيّن من المعطيات التي أعلنتها وزارة المالية الإسرائيلية أنّ 47% من الذين أخرجوا إلى عطلة غير مدفوعة تقلّ أعمارهم عن 34 عامًا، الذين يشكّلون بدورهم 38% من سوق العمل الإسرائيلي.

بالإضافة إلى ذلك، أخرج 46% من الطلاب العاملين إلى عطلة غير مدفوعة الأجر، وبخلاف الشرائح العمريّة الأخرى، فإنّ نصف الطلاب لا يمكنهم الحصول على مخصّصات البطالة، ومع ازدياد سعر الشقق السكنية بـ2%، يصبح دخول جيل الشباب إلى الطبقة الوسطى بعيدًا جدًا.

وحذّرت شركة الاستشارات "ديلوييت" الإسرائيليّة في تحليل لها من أن يتحوّل هذا الجيل إلى "جيل ضائع" ضربته تأثيرات كورونا بشكل غير مسبوق، بسبب عدم التحاقه بقطار العمل في بداية حياته.

ويعني "الجيل الضائع" أنه لن يكون قادرًا على التعافي اقتصاديًا أبدًا من الضربة الأولى التي تلقّاها.

وتأثيرات الضربة الاقتصاديّة التي يعانيها "الجيل الضائع" بعيدة المدى، فأورد موقع "غلوبس" الاقتصادي، اليوم، السبت، أبحاثًا أميركيّة عن أزمات اقتصادية، تفيد بأنه "مقابل كل زيادة مئوية واحدة في نسبة البطالة، يوجد انخفاض 7% في أجر العمال الشباب الذين يدخلون إلى سوق العمل، وحتى بعد 20 عامًا، يظلّون يعانون من انخفاض 2% في أجورهم".

وقال رئيس القطاع العام في الشركة، عيدان أورمان، لـ"غلوبس" عندما ننظر إلى ما حدث عام 2008 (في إشارة إلى الأزمة الاقتصادية العالمية) في دول أخرى، نرى أن بطالة الشباب وصلت إلى 30% في ذروة الأزمة المالية. لكن، بعد عقد من ذلك، وبعد توازن الاقتصاد، الندبة بقيت، وما زالت نسبة الشباب العاطلين عن العمل مرتفعة" ولفت إلى تقديرات بأنّ التأثيرات الاقتصاديّة لجائحة كورونا ستصل إلى 3 أضعاف تأثير أزمة 2008.

وأوضح أورمان "عندما ننظر إلى المستقبل القريب، نرى أن مصدر الضرر في الاقتصاد هو في قطاعات محدّدة: التجزئة (العمل في المتاجر)، الطيران، السياحة والمطاعم. وهذه هي قطاعات عمل الشباب، الذين لن يتعافوا قريبًا"، وتابع أنه في وضع كهذا، يعود جزء من الشباب إلى السكن مع أهله، ولا ينجح هذا الجزء في توفير الأموال اللازمة لإكمال الدراسة، "سينعكس هذا لاحقًا على ازدياد الفجوات بين الضعفاء وبين الأقوياء الذين يملك ذووهم القدرة على مساعدتهم ماليًا لبدء الدراسة باكرًا والتقدّم في حياتهم".

وحذّر من "توسّع الفجوات الاجتماعيّة حتى إن وُجدَ لقاحٌ غدًا صباحًا"، وأضاف "لن نعود إلى مستوى بطالة عند 3%ـ كانت هنا ’دهنيّات’ فهمت المؤسسات أن بإمكانها الاستغناء عنها. لقسم من الناس لن يكون عمل يعودوا إليه، وهؤلاء بالأساس شبّان لا يملكون خبرة. جيل الـY (مواليد 1981-1996) يحبّ أن يحقّق نفسه ويطوّرها وأن ينتقل بين الأعمال، لذلك هو الآن في وضع لم يكوّن فيه خبرة في أي مكان ولم يغرز جذوره. عندما تنتقل المؤسسات إلى النجاعة، هؤلاء هم العمال الأوائل الذين ستستغني عنهم".

"ثقافة الديون"

وأوضح أن وضع الشباب في إسرائيل أسوأ من وضع الشباب حول العالم. "في الدول التي عانت من الأزمة المالية عام 2008، نمط التصّرف اختلف. 80% من الشباب في الولايات المتحدة يملكون حساب توفير جانبًا. ’عايشوا على جلودهم’ الضربة التي تلقّاها الاقتصاد وفهموا أنه ممنوع العيش مع ديون وأن عليهم وضع شيء جانبًا. في إسرائيل، الثقافة هي شراء سيّارة جديدة وتقسيطها لسنوات لاحقة، والطيران إلى جزر المالديف، رغم أنني طالب راتبه 6000 شيكل، وتقسيط ذلك".

من الاحتجاجات (أ ب)
من الاحتجاجات (أ ب)

وشرح هذه التصرّفات قائلا "على مدى 20 عامًا لم تكن هنا أزمة اقتصاديّة تقريبًا، وهذا الجيل لا يعرف هذا الواقع. لا يعرف ما يعني أن تبحث عن عمل لعامين ولا تجده. جيل الشباب عندنا دخل إلى أزمة اقتصاديّة دون احتياط وبديون".

وربط أورمان بين هذه الأوضاع وبين الاحتجاجات الإسرائيليّة حاليًا وقال "ليس الخوف مما سيحدث معي بعد عام، إنما ما يحدث الآن"، في إشارة إلى عدم القدرة على تسديد الديون المؤجّلة، مثل أقساط الرحلات والسيارة والشقّة.

ويضاف إلى "ثقافة الديون" هذه، وفق أورمان، "غلاء المعيشة"، ما يُخرج الشباب إلى الشوارع.

الاحتجاجات المطلبيّة.. تحوّلات مجتمعيّة واسعة

بينما يقول الباحث في العلوم الاجتماعية والطبقة الوسطى في جامعة بار إيلان، د. غاي شاني، "الآن، الجمهور الذي يشارك في الاحتجاجات هو في معظمه من جيل الـY"، ويضيف "معظمهم، أو على الأقل الأبرز من بينهم، ينتمون إلى مجموعة تسمّى ’الطبقة المبدعة’" وهو المصطلح الذي صكّه الباحث الاجتماعي الكندي ريتشارد فلوريدا، وتشمل هذه "الطبقة" مجموعة من الفنّانين والمبدعين، "يشكّلون طبقة اجتماعيّة واقتصادية تحرّك التطوّر الاقتصادي للمدن ما بعد الصناعية".

وشرح بالقول إن "هذه طبقة كاملة كانت منظّمة في السابق أكثر نسبيًا، واليوم تضرّرت جدًا. لا ممتلكات عندها، وقدرتها على جمع الممتلكات تحت الشكّ، ولا تملك أمانًا توظيفيًا. وبعد الفقراء، الذين هم أول المتضرّرين، هذه الطبقة تعرّض لضربة قويّة في فترة كورونا. والآن خرجت إلى الشوارع".

وتابع "دولة إسرائيل والعالم يمرّان منذ الثمانينيّات بمسار نحو النيوليبراليّة. لجيل الـY حريّة أكبر لاختيار ماذا وكيف يريد أن يكون. لكن، من الجهة الأخرى، هذا الجيل شروط عمله الأكثر عرضة للتضرّر. لا التزام اجتماعيًا ولا عقود بينه وبين المشغّلين أو بينه وبين الحكومة".

ووفق شاني، "في موازاة مسارات سوق العمل، هذا الجيل متأثر أيضًا من أزمة السكن. معنى ذلك أنه حتى لو تمكّن من شراء شقّة، رغم كل هذا، فإن عليه أن يدفع ثمنًا أكبر وأن يستقرض أكثر. ثم جاءت أزمة كورونا. عندما لا يكون هناك دخل، كيف ستدفع الأقساط؟ العامل الجيلي هنا مهمّ جدًا".

نتنياهو وكعكة الملك في تل أبيب (أ ب)
نتنياهو وكعكة الملك في تل أبيب (أ ب)

أمّا بخصوص تغيّر الخطاب بين احتجاجات العام 2011 الاقتصادية في إسرائيل وبين الاحتجاجات الحاليّة، "التي هي سياسيّة أكثر منها اقتصاديّة" وفق "غلوبس"، يقول شاني إن "جيل الـY، ولد في فترة عدم تسييس العالم. الأيديولوجيّات والأحزاب الكبرى تراجعت قوّتها، الحركات الشبابيّة السياسيّة في إسرائيل اختفت عن الساحة، والأكاديميا والجهاز التعليمي مرّا بتدجين سبّب عدم إمكانية الحديث عن السياسة. أبناء هذا الجيل لم يمرّوا بتربية سياسيّة".

ويكمل "يتّهمونهم بأنهم فقط ضد نتنياهو. هذا جيل لا يعرف أي شيء آخر. هذه دولة توجد فيها انتخابات، لكن الحكم لا يتغيّر. نتنياهو جمّع كل القوّة، سياسيًا ورمزيًا، لذلك تتركّز كل الادعاءات ضدّه".

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ