فلسطين ثنائية القومية... يهودا ماغنيس والتفكير في وجود الآخر

فلسطين ثنائية القومية... يهودا ماغنيس والتفكير في وجود الآخر
ماغنيس

في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، مرّت الذكرى الثانية والسبعون لوفاة يهودا ماغنيس، رئيس الجامعة العبرية في القدس والحاخام الإصلاحي الأميركي المولود في شمال كاليفورنيا عام 1877، والذي ظلّ منسيًا إلى حد كبير، بصفته مدافعًا متحمسًا عن دولة ثنائية القومية في فلسطين، يتمتع فيها اليهود والعرب بحقوق متساوية. ومع فشل حل الدولتين، يبدو أن فكرة الدولة ثنائية القومية، التي طالما استُبعِدت، بوصفها بدعة، تشقّ طريقها ببطء من الهامش مجددا، بعد أن باتت "الدولة الواحدة" مفروضة بحكم الأمر الواقع مع المحاولات الأميركية - الإسرائيلية لشرعنة الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين، مما يكرس دولة الأبرتهايد الصهيوني، وتصبح العودة الى ماغنيس ذات معنى، لا سيما أنه أحد الإسرائيليين القلائل الذين انتقدوا الصهيونية على أسس ليبرالية وإنسانية، وليس انطلاقا من موقفهم الأيديولوجي وتحليلاتهم الأساسية للعالم، كما كانت حال اليهود المتدينين واليساريين اليهود الماركسيين، بل انطلاقا من تجربة العيش، وتفحص الحياة من خلال وجهة نظر ما يعتقدون أنها "أخلاق يهودية كونية متميزة".

ودعا ماغنيس قادة الحركة الصهيونية إلى عدم تجاهل "المسألة العربية" في فلسطين، وإلى تأسيس كيان مشترك للعرب واليهود في البلاد.

الدولة التي تعني الحرب

في خطاب ألقاه أمام دفعة من خريجي كلية الأركان في الجيش الإسرائيلي عام 1968، تطرّق موشيه ديان للدكتور آرثر روبين، الذي أدار جهود الاستيطان اليهودي في فلسطين منذ عام 1920، بعد عودته من الخارج التي استمرت سنوات عشر بناء على قرار من السلطات العثمانية، معتبرا إياه أحد الرواد الصهاينة القلائل الذين سعوا إلى الإجابة عن "المسألة العربية" في فلسطين (تأسست حركة "بريت شالوم" (ميثاق سلام) في منزل روبين في القدس في العام 1925). بحسب ديان، تطورت الإجابة عند روبين ومرت عبر مراحل، فبعد أن أمل في العام 1923 بدمج المهاجرين اليهود في نسيج المشرق العربي، اقترح في العام 1925، تحت ضغط اعترافه بالاختلافات بين المهاجرين اليهود الأوروبيين وأبناء عمومتهم من السكان الأصليين، إنشاء "دولة ثنائية القومية" في فلسطين؛ وبحلول عام 1936، وبعد اندلاع الثورة العربية في فلسطين ضد الهجرة اليهودية والاحتلال البريطاني، خلص روبين إلى أن "قدرنا أن نكون في حالة حرب مستمرة مع العرب".[1]

ماغنيس

ذكّر ديان الجيل الجديد من الضباط في إسرائيل بأنهم ورثوا هذا المصير، وأن الحرب المستمرة هي الشرط الضروري لوجود الدولة التي ساعد روبين في إنشائها، وحارب ديان نفسه لتوسيعها. وقبيل إعلان تأسيس إسرائيل، صرّح ماغنيس أنه إن لم يكن مؤيدًا للدولة اليهودية، فذلك لأنه لا يريد الحرب مع العالم العربي. أدرك كل من روبين وماغنيس أن المغامرة الصهيونية السياسية ستؤدي الى الحرب، وفيما اختار روبين الدولة وقبِل الحرب، لم يقبل ماغنيس الحرب ورفض الدولة.[2]

الجامعة العبرية والقيم الأميركية

في أوكلاند بولاية كاليفورنيا، كان ماغنيس طالبًا متفوقا في المدرسة الثانوية، ونجم فريقها في البيسبول. وفي عام 1894 التحق بكلية HEBREW Union ليصبح حاخامًا، وينضم إلى حركة تهدف إلى إعادة تقديم العبرية والتقاليد اليهودية الأخرى إلى الليتورجيا الإصلاحية. كما أصبح ماغنيس من أوائل أتباع الصهيونية، لكنه رأى فيها وسيلة لتجديد العقيدة لدى يهود الشتات من خلال إعادة ربط اليهود بجذورهم وبالتقاليد الغنية التي ضاعت بسبب الاندماج. بالنسبة لماغنيس، يجب أن يتوافق الوجود اليهودي في فلسطين مع أعلى معايير الأخلاق اليهودية، والتي كانت أساس اقتناعه بأن الأغلبية العربية في فلسطين بحاجة إلى المعاملة العادلة.

كان ماغنيس من دعاة السلام المتحمسين الذين عارضوا الحرب العالمية الأولى، بعد دخول الولايات المتحدة الحرب، فبعد أن قفز جميع القادة اليهود تقريبًا، إلى العربة التي سارت نحو تأييد الحرب خوفًا من اتهامات بالولاء المزدوج، أصبح ماغنيس أكثر راديكالية في معارضته. مع انتهاء الحرب، كان معزولًا. كانت تلك لحظة فظيعة في حياته جعلته يشعر إلى الأبد بالقوة الخطيرة للقومية.[3]

بحلول عام 1919، أي بعد سبع سنوات من وصوله إلى فلسطين، وجد ماغنيس لنفسه مكانًا في "اليشوف" من خلال منصبه كرئيس للجامعة العبرية في القدس (طوال 23 عامًا) التي تمكن من خلالها من إحداث تأثير على الثقافة اليهودية في فلسطين. استغل ماغنيس فكرة عدم وجود حزب سياسي في الجامعة لإقامة منصة لآرائه السياسية بعد دورة مواجهات آب/ أغسطس 1929. جادل ماغنيس بأن الموقف غير الحزبي للجامعة العبرية جعلها "المكان الذي يمكن/ يجب أن تعمل فيه العلاقات العربية اليهودية". جوبه ماغنيس بانتقادات شديدة لتقديمه صورة سلبية عن الحركة الصهيونية، واتهم بعدم فهمه أو دعمه للأهداف الصهيونية، وحرّضت الصحف العبرية الطلاب على مقاطعة الفصول الدراسية حتى استقالة ماغنيس من منصبه. مع ذلك أجبر ماغنيس الصهاينة على الرد على أفكاره "الأميركية"، ومناقشة العلاقة بين الصهيونية والديمقراطية، وهي قضية أراد العديد من الصهاينة تجنب مناقشتها علنًا، لأن اليهود كانوا أقلية في فلسطين في ذلك الوقت، فأرادوا تأجيل الديمقراطية لحين حصلوهم على الأغلبية اليهودية.[4]

ثمّن، بصفته صهيونيًا، الصورة الرومانسية عن الأمة اليهودية، التي تعتمد هيبتها وسمعتها على قدرتها على العمل كمنارة أخلاقية وليبرالية للعالم. وبوصفه أميركيًا، قدّر المثل العليا في المساواة والديمقراطية، وطالما وصف الولايات المتحدة بأنها "جمهورية القوميات". ومؤيدًا لفلسفة التسامح، رأى أنه من الضروري البحث عن الطرق التي تجنّب النزاعات المستقبلية بين العرب واليهود في فلسطين، فلا بد من حلول ديمقراطية وأخلاقية للصراع العربي - الصهيوني. لذلك قدم طروحاته الخاصة بفلسطين، وأن العرب واليهود يمكن أن يتعايشوا معًا في فلسطين ثنائية القومية ثقافيًا وسياسيًا.

الاختلافات في الفهم بين اليهود الأوروبيين وأقرنهم الأميركيين لـ "الدولة" تساعد في فهم الثقافة السياسية الصهيونية السائدة في "اليشوف" في ما يتعلق بالنزاع العربي - الصهيوني، التي عارضها ماغنيس. ففيما كان اليهود الأميركيون يقدّرون العدالة الاجتماعية لجميع الأقليات، ركّز اليهود الذين خُلقوا في فلسطين على "التضامن وضيق الأفق". وفيما يفهم الأميركيون الدولة على أنها تحمي "الحرية الفردية والمساواة"، يفهم غالبية مؤسسي إسرائيل "الدولة" على أنها "تعبير عن الأمّة". لذلك، حافظ القادة على الصهيونية بوصفها قضية سياسية. التجربة الأميركية مكنت ماغنيس من النظر إلى الصراع العربي اليهودي بشكل مختلف عن معظم اليهود المولودين في أوروبا الشرقية الذين يعيشون في فلسطين، فرأى أن الجهود في تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين يجب ألا تتعارض في الوقت ذاته مع تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية للعرب[5]، ولأن معظم اليهود الذين عاشوا في فلسطين عام 1929 جاؤوا من أوروبا الشرقية، كان الاعتراف بالمطالبة القومية العربية يقوض استقامة المثُل الصهيونية التي أعلنوها. وهكذا رفض غالبية "اليشوف" أي اقتراح لقومية عربية وليدة ومعها الحاجة إلى شراكة عربية يهودية. هيمنت المشاعر المعادية للعرب "اليشوف" وأصبح الدفاع عن النفس نموذجًا وطنيًا. وجرى اتهام أولئك الذين لم يرغبوا في الدفاع عن أنفسهم بالفشل في المشاركة الكاملة في الوجود القومي اليهودي. اليهود الذين دعوا إلى السلام والتفاهم، مثل أعضاء حركة "بريت شالوم"، تمت إدانتهم في شوارع تل أبيب والقدس، بذريعة أنهم أظهروا ضعفًا يهوديًا وليس قوة يهودية.[6]

الصهيونية الثقافية

ألقى ماغنيس باللوم على جميع الأطراف؛ الحكومة البريطانية "المتغطرسة" و"عديمة الشخصية" لأنها لم تفعل شيئًا؛ من لا يهتم من العرب بالليبرالية والديمقراطية، خصوصًا المفتي أمين الحسيني لإثارته المعارك حول الشعائر الدينية في البلدة القديمة في القدس؛ الحركة الصهيونية التي أصبحت مثل القومية الأميركية في الحرب العالمية الأولى، والتي أفسدت الشباب اليهودي في فلسطين، حين بشّرت بالكراهية والعسكرة المتطرفة، فمطالبها "الشوفينية" لم تجعل الصهاينة أفضل من دعاة الحرب في أميركا بين عامي 1914 – 1917، بحسب ماغنيس. لكنه مع مناداته بتقليص الأهداف السياسية الصهيونية، وعلى رأسها الامتناع عن المطالبة بالسيطرة السياسية اليهودية على فلسطين، لم يتنازل عن أهداف الصهيونية الثقافية، فتمسك بحق اليهود في الهجرة إلى فلسطين على أساس القدرة الاستيعابية الاقتصادية للبلاد، وحق اليهود في بيع وشراء الأرض في فلسطين، وحقهم في بناء مؤسساتهم الثقافية والدينية.

في أثاره الكتابية ليس ثمة ما يشير إلى أنه تمسّك بجهود اليهود في الدفاع عن النفس، لكن ذلك لا يعني أنه عارضها، لكن صمته كان دليلا على تغيّر مواقفه، بعد أن دعم بإصرار "منظمات الدفاع عن النفس اليهودية" في روسيا بعد مذابح كيشينيف عام 1905، لتنسجم مع مطالبته اليهود بالتصرف وفقًا للتقاليد الأخلاقية اليهودية، بما فيها الحفاظ على السلم الأهلي، كما لم ير أن أعمال المقاومة العربية العنيفة تعبّر عن معاداة للسامية، بل تعبيرا عن تطلعات العرب القومية. إلا أنه رفض استرضاء العرب في ما يتعلق بالأهداف التي اعتبرها جوهر الصهيونية. في هذا الصدد، اختلف عن أصدقائه في "بريت شالوم"، الذين دعوا إلى إلغاء وعد بلفور ليحلّ محلّه بيان عربي يعلن الحقوق اليهودية، واقتنعوا بوجوب أن يحد اليهود من الهجرة وشراء الأراضي العربية. ماغنيس، على الرغم من مخاوفه بشأن معنى وعد بلفور في بدايته في عام 1917، اعتقد بعد 12 عامًا أنه يجب أن يقبله العرب كأساس لأي تسوية، وإلا فإن صلاحية الاتفاقات الدولية ستقوّض تمامًا. وعلى عكس أعضاء "بريت شالوم"، رفض الموافقة على قيود الهجرة أو بيع الأراضي، إلا على أساس القدرة الاستيعابية الاقتصادية للبلاد.[7]

ديمقراطية ثنائية القومية

تعود جذور النزعة الإنسانية النقدية للصهيونية إلى كتابات عدد قليل من أعضاء "اليشوف" الأوائل الذين أطلق عليهم اسم الصهاينة "المعتدلين" لمعارضتهم إقامة دولة يهودية على حساب القومية العربية. قبل الانتداب البريطاني، حذّر كتاب مثل أحاد هعام ويتسحاق إبشتين، الصهاينة السياسيين من أن "الشعب الذي يعيش الآن على هذه الأرض له أيضًا قلب وروح". في عام 1925 شكّل "المعتدلون" مجموعة "بريت شالوم" في القدس، والتي دعت إلى قيام دولة ثنائية القومية في فلسطين، وكان آرثر روبين أحد مؤسسيها قبل أن يغادرها في العام عام 1929[8]. وإلى جانب بنحاس روتنبرغ، وموشيه سميلانسكي، قدّم ماغنيس الفكرة ثنائية القومية مرة أخرى في عام 1936. وشكل دعاة إنسانيون يهود مجموعة "الاتحاد" التي عارضت تقسيم فلسطين. ولكن بعد وفاة ماغنيس عام 1948، تخلى الـ "الاتحاد" عن فكرة "ثنائية القومية".[9]

ماغنيس ومارتن بوبر في القدس، 1946

سعى ماغنيس إلى" أمركة "الحوار حول مستقبل فلسطين بإيجاد ديمقراطية تعددية قائمة على المساواة باستخدام الهياكل الحكومية الأميركية كنموذج. فاقترح مجلسين على غرار الكونغرس الأميركي، ليجري انتخاب مجلس النواب من قبل الشعب ومنح العرب الأغلبية، ويجري انتخاب المجلس الأعلى بالتساوي من الجنسيات الثلاث، العربية واليهودية والبريطانية. ورأى في الحكم الذاتي في فلسطين وسيلة لجعل اليهود والعرب يعملون معًا، فمن شأن ممارسة الحكم الذاتي أن يتعلّم اليهود والعرب على حد سواء تجاوز مصالحهم الوطنية. كان لا بد من إنشاء مؤسسات للسماح للعرب واليهود بالتفاعل مع بعضهم البعض على أساس يومي، فكان يعتقد أن نجاح التعددية في فلسطين يتعلق بقدرة الحكومة الثنائية القومية على أن تعيد "تنظيم الأحزاب على أسس أخرى غير القومية، وتقطع التجمعات الحالية، وتجلب في حزب واحد أولئك اليهود والعرب الذين لديهم مصالح اقتصادية واجتماعية مشتركة".[10]

في الضفة الأخرى

قد يكون السبب في التباعد اللاحق بين ماغنيس و "بريت شالوم" هو اعتقاده أن رغبتها في السلام مع العرب كانت تكتيكية وعملية وليست نتيجة حس أخلاقي عميق، وظن أن معظم الأعضاء، بمن فيهم روبين الذي أيد عمليات التطهير العرقي للعرب، ليسوا دعاة سلام حقيقين. لكنه أيضا شكا من عدم وجود شركاء أو محاورين عرب يتقاسمون معه فكرة ثنائية القومية، مع أنه وجد من العرب من هو مستعد للجلوس معه والاستماع إليه.

في العام 1936 التقى ماغنيس بالفلسطيني موسى العلمي، وفي أوائل العام 1938 التقى بالسياسي العراقي المعروف نوري سعيد. الحوار مع الرجلين تناول الحد من الهجرة اليهودية لكن لم يتوصل معهما إلى ما يدعم اقتراح كيان ثنائي القومية[11]. وبكل حال لم يكن لا العلمي ولا سعيد من قادة الحركة الوطنية الفلسطينية، لكنه حين أُبلغ أحد أصدقائه بأن المعارض لسياسة المفتي أمين الحسيني، فخري النشاشيبي، الذي اعتبر ماغنيس "أعدل يهودي في فلسطين"، يرغب في لقائه وأنه أبدى استعداده للتعاون معه، اعتذر ماغنيس متذرعًا بأنه ليس لديه منصب سياسي في المنظمة الصهيونية العالمية أو الوكالة اليهودية، وأنه لن يتحدث نيابة عن أحد سوى نفسه.[12]

بعد يأسه من التوصل إلى مفاوضات أو اتفاق يهودي عربي موضوعي، قرر أن الحل الوحيد سيكون "وحدة مفروضة من الخارج بين اليهود والعرب داخل فلسطين ثنائية القومية"، وأن هذا الاتحاد سيحتاج إلى أن يُدرج أو يُدمَج في "اتحاد اقتصادي وسياسي أوسع لفلسطين وشرق الأردن وسورية ولبنان"، وربطه بـ "اتحاد أنجلو أميركي". وستحتاج الدولة الثنائية القومية إلى أن تقوم على "التكافؤ" في السلطة السياسية بين المجموعتين المكونتين، من أجل ضمان حقوق أي أقليّة.[13]

خاتمة

في العام 1929 قال ماغنيس "إن أحد أعظم الواجبات الثقافية للشعب اليهودي هو محاولة دخول أرض الميعاد، لا عن طريق فتوح يوشع، ولكن بوسائل سلمية وثقافية، من خلال العمل الجاد والتضحيات والمحبة واتخاذ قرار بعدم القيام بأي شيء لا يمكن تبريره أمام ضمير العالم"[14]. لقد فرض ماغنيس على الصهاينة مواجهة "المسألة العربية" في فلسطين، بعد أن لم يفكروا في كيفية تأثير مخططهم لإقامة دولة اشتراكية يهودية على أنقاض حقوق السكان الأصليين الذين يحوزون على الكتلة الديمغرافية الأكبر، معتقدًا أن "البيت اليهودي" في فلسطين القائم على الحروب والقمع لا يستحق عناء. وتوصل إلى قناعة بعد عديد من المحطات أن القادة الصهاينة لم يكونوا مهتمين حقًا بالتوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة مع العرب، ولم يقبلوا بالحد من الهجرة اليهودية، وشراء الأراضي في فلسطين، والموافقة على التكافؤ مع السكان العرب؛ لم يكونوا على استعداد لتقديم ما بدا من وجهة نظر ماغنيس "تنازلات ضرورية" لبناء ديمقراطية ثنائية القومية تسمح بالثقة المتبادلة بين العرب، وبحضور يهودي أكبر في فلسطين.

كان ماغنيس يعتقد أن العرب مثلهم مثل اليهود، لهم أيضًا حقوق تاريخية في البلاد. فكانت فلسطين موطنًا لشعبين وثلاث ديانات، ولم تكن ملكًا للعرب ولا لليهود ولا للمسيحيين: "إنها ملكهم جميعًا". متمسكا بفلسطين دولة ثنائية القومية وبشعور بأن مهمته الشخصية هي جمع العرب واليهود معًا، توفي ماغنيس في تشرين الأول/ أكتوبر العام 1948، أي بعد بضعة أشهر من إنشاء دولة إسرائيل، حتى في هذا الوقت القصير عاد بمساعدة حنة أرندت باقتراح لإقامة كونفدرالية مع دولة فلسطينية، والتي سماها "الولايات المتحدة الفلسطينية". وقبل أسابيع من وفاته انتقد بشدة رفض إسرائيل السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين الذين أجبروا على النزوح خلال 1947 - 1948.

مع صعود المقاومة الفلسطينية منذ العام 1967، رأى ماريوس شاتنر أن هناك شعورًا وطنيًا فلسطينيًا حقيقيًا، يثبت للإسرائيلي أن الفلسطيني ما زال موجودًا، وأنه لن يردد أحد بعد الآن مع غولدا مائير أنه "لا يوجد شعب فلسطيني". وقد أدرك ماغنيس مبكرًا أنه لا يمكن تجاهل الفلسطينيين. ويمكن أن نقول مع إدوارد سعيد[15] أنه "كلما أمعن المرء في القراءة عن ماغنيس والتأمل فيه، وجد فيه روحًا متميزة ورجلا تقدم بأشواط على عصره، كان أميركيًا، وهو أمر مثير للاهتمام" وينقل عنه قوله "دعونا نفكر بالعرب على أساس أخلاقي عميق. لنفكر بهم على أساس وجودهم وليس على أساس غيابهم".


حسام أبو حامد، كاتب فلسطيني.

المراجع والمصادر:

[1] Moshe Dayan, A Soldier Reflects on Peace Hopes: address to graduating class at Army's Staff and Command College, in Irene L. Gendzier, editor, A Middle East Reader (New York: Pegasus, 1969), pp. 407-417

[2] Charles Glass, Jews Against Zion : Israeli Jewish Anti-Zionism, Journal of Palestine Studies, Vol.5 No. 1- 1976, p.57

[3] Laurence Zuckerman, A Pacifist Leader Who Was More Prophet Than Politician, January 5 2011, Forward magazine: https://bit.ly/32MfLlj

[4] Daniel P.Kotzin, Judah L. Magnes: An American Jewish Nonconformist (Syracuse, NY: Syracuse University Press, 2010) PP. 231-232

[5] Ibid p. 222

[6] Ibid.

[7] Ibid, pp. 224-266

[8] Walter Laqueur, A History of Zionismn (London: Weidenfeld & Nicolson, 1972), p. 253 and p. 435

[9] Daniel P.Kotzin, Judah L. Magnes: An American Jewish Nonconformist, Ibid, p. 265

[10] Ibid, pp. 236-237

[11] From "One State, Two States" by Benny Morris (Yale University Press 2009, In: Shiraz Socialist, Binationalism and the sad story of Judah Magnes, March 7, 2012, in https://bit.ly/3pw1fIk

[12] Daniel P.Kotzin, Judah L. Magnes: An American Jewish Nonconformist, Ibid, p 235

[13] FROM "ONE STATE, TWO STATES" BY BENNY MORRIS, Ibid.

[14] Opening Speech of the Hebrew University Academic Year 1929/30 see: jewish virtual library: https://bit.ly/3ksmtmt

[15] حوارات دايفيد بارساميان مع إدوار سعيد، الثقافة والمقاومة، ترجمة علاء الدين أبو زينة، ضمن سلسلة المشروع القومي للترجمة، العدد 1065، ط1 (لبنان: دار الآداب 2006 / مصر: المجلس الأعلى للثقافة 2007)، ص 22