باحثون إسرائيليون: اغتيال فخري زادة يشرعن استهداف علمائنا

باحثون إسرائيليون: اغتيال فخري زادة يشرعن استهداف علمائنا
مسؤول عسكري يتحدث خلال جنازة فخري زادة في طهران، أول من أمس (أ.ب.)

اعتبر تقرير صادر عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب أن اغتيال العالم النووي الإيراني، محسن فخري زادة، حقق إحدى غاياته الإستراتيجية وهي استهداف البرنامج النووي الإيراني، لكن رد الفعل الإيراني على الاغتيال "لم يتضح بعد وقد يكون مرتفعا".

وأضاف التقرير، الذي أعده رئيس المعهد، عاموس يدلين، والباحث أساف أوريون، أن ثمة غايتين أخريين للاغتيال، وهما وضع مصاعب أمام عودة إدارة الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، إلى الاتفاق النووي، والتسبب بتصعيد ينتهي بهجوم أميركي ضد المواقع النووية الإيرانية، لكن هذا احتمال ضئيل. "وتحقيق هاتين الغايتين متعلق جدا برد الفعل الإيراني، وفي جميع الحالات هما غايتان بعيدتا الأمد، واحتمال تحققهما ضئيل".

وأشار التقرير إلى أن العام الحالي بدأ باغتيال قائد "فيلق القدس"، قاسم سليماني، الذي نفذته الولايات المتحدة وتبنت مسؤوليته، وانتهى باغتيال فخري زادة من دون أن تعلن جهة ما عن تبني المسؤولية، مثلما لم يتم تبني المسؤولية عن هجمات أخرى ضد أهداف إيرانية، خلال الصيف الماضي، وبينها تفجير منشأة نطنز.

وحسب التقرير، فإن إيران حاولت تنفيذ هجمات ضد سفارتي إسرائيل في الهند وتايلاند، في أعقاب اغتيال علماء نوويين إيرانيين. ورغم أن البنتاغون عقب على اغتيال فخري زادة بالقول إنه "لا تعقيب"، لكن مصادر استخباراتية أميركية "تطوعت بالإشارة إلى إسرائيل كمسؤولة" عن الاغتيال. ولم تعقب إسرائيل رسميا على الاغتيال، لكن رئيس حكومتها، بنيامين نتنياهو، قال الأسبوع الماضي إنه "لا أستطيع قول كل شيء". وإيران حملت إسرائيل المسؤولية عن الاغتيال.

وأضاف التقرير إنه لا ينبغي الاستنتاج من زيارة وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، لإسرائيل ولقاء نتنياهو مع ولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، بحضور بومبيو، أنه جرى تنسيق الاغتيال بين هذه الأطراف. "إلى جانب ذلك، يرجح جدا أنه في هذه المرة أيضا، إسرائيل لم تفاجئ الإدارة الأميركية، بل أنها حصلت على مباركتها".

بومبيو في إسرائيل، الشهر الماضي (أ.ب.)

وحسب التقرير، فإن استهداف المجهود بتسلح إيران بسلاح نووي، الذي كان يقوده فخري زادة، "ليس بفقدان المعرفة العلمية بالضرورة، وإنما بسبب فقدان قيادة المشروع، الخبرة الإدارية والمقربة من المستوى السياسي الأعلى في إيران، وهذه هي سمات فخري زادة البارزة. وربما سيطيل رحيل فخري زادة مدة اختراق إيران نحو سلاح نووي، عندما تقرر القيام بذاك".

واعتبر التقرير أن فخري زادة ينضم إلى مسؤولين - مثل سليماني والقائد العسكري لحزب الله، عماد مغنية – الذين ليس لهم بديلا رغم تعيين آخرين مكانهم. كذلك اعتبر أنه قد يكون لاغتيال فخري زادة مفعول رادع تجاه علماء آخرين في البرنامج النووي في الحاضر والمستقبل، على خلفية اغتيالات سابقة، وبينها اغتيال نائب زعيم القاعدة، أبو محمد المصري، في طهران، في آب/أغسطس الماضي، وأن هذا يعكس مدى الاختراق في إيران.

استهداف ضابط رفيع بمنظومة إستراتيجية

وفيما نددت الدول الأوروبية ومسؤولين أميركيين في إدارات أميركية سابقة باغتيال فخري زادة، ادعى التقرير أن "الأصح هو النظر إلى الاغتيال على أنه عملية هجومية ضد ضابط رفيع في منظومة إستراتيجية، وفي الحيز الضبابي، التي تحارب فيه إيران وخصومها في معركة إستراتيجية متواصلة ومتدنية القوة"، والتي تصفها إسرائيل بأنها "معركة بين حربين".

وأشار التقرير إلى أنه في الفترة الأخيرة، وبشكل متزايد بعد خسارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، انتخابات الرئاسة، تفرض إدارته عقوبات متزايدة على إيران وحلفائها. لكن "من الواضح أنه في الفترة المتبقية لولايته، لن تثمر سياسة ’الضغط القصوى" ضد إيران عن إنجاز سياسي حقيقي باستثناء زيادة العبء الاقتصادي على النظام الإيراني. ولذلك، فإن اغتيال فخري زادة قد ينضم إلى ضغوط العقوبات الأميركية، وربما تشدد الشروط الأولية أمام إدارة بايدن عندما يستأنف الاتصالات مع إيران، سواء بسبب تشدد مواقف إيران أو بسبب رد فعل إيراني محتمل على استهدافها".

ولفت التقرير إلى أن "نتنياهو عازم على استغلال بقية ولاية ترامب من أجل دفع الإنجازات الأخيرة تحت رعايته، حتى لو كلف ذلك بدء العلاقات مع إدارة بادين بنفور. وعندما تهب رياح الانتخابات مرة أخرى في إسرائيل، ليس مستبعدا أن تؤثر اعتبارات سياسية أيضا على اختيار التوقيت الحالي لاغتيال فخري زادة".

ويعترف التقرير ضمنا بمسؤولية إسرائيل عن الاغتيال. "لقد تم توجيه توقيت الاغتيال، إذأً، من أجل استغلال الدعم من الإدارة الأميركية المنتهية ولايتها، لاستباق وتحييد حواجز متوقعة أمام تنفيذها من جانب إدارة بايدن الجديدة، والتأثير على حيز مناورتها، وتقليص مخاطر رد هجومي كبير إيراني في الفترة القريبة. وذلك إثر تخوف في إيران من رد فعل هجومي كبير من جانب إدارة ترامب، وكذلك من خلال رغبة إيران بتسهيل استئناف الاتصالات مع إدارة بايدن".

فخري زادة (أ.ب.)

واعتبر التقرير أن تحميل إيران مسؤولية اغتيال فخري زادة على إسرائيل، "حررت نفسها من ضرورة مهاجمة أهداف أميركية والمخاطرة برد فعل أميركي هائل". ولم يستبعد التقرير إمكانية أن تقرر إيران استهداف شخصيات أو أهداف في إسرائيل والعالم، "إثر القيود على قدرتها باستهداف الأراضي الإسرائيلية من لبنان، سورية، العراق واليمن، وعواقب ذلك".

وأضاف التقرير أنه "عندما توجه إيران أنظارها إلى عهد بايدن، فإنها قد تعلق عملية الانتقام، رغم الدعوات المطالبة برد فعل فوري. وردود فعل إيرانية متوقعة، وليست في المجال العسكري، هي في مجال البرنامج النووي، بوضع أجهزة طرد مركزي متطورة في عدة مواقع للتخصيب، أو إعادة بناء مفاعل المياه الثقيلة أو الانسحاب من البروتوكول الآخر للوكالة الدولية للطاقة الذرية".

"اغتيال علماء إسرائيليين سيكون شرعيا أيضا"

وتطرق تقرير آخر للمعهد، أعده الباحثان شلومو بروم والدبلوماسي شمعون شطاين، إلى "توازن الفائدة والأثمان" لاغتيال فخري زادة. ورأى الباحثان أنه في ميزان هدف وتوقيت وأثمان الاغتيال، "ثمة شك إذا كان الميزان إيجابيا وأن الاغتيال يخدم بقدر كبير غاية استهداف البرنامج النووي الإيراني وإبطائه".

ومثلما أشار يدلين وأوريون أعلاه، رأى بروم وشطاين أيضا أنه "إذا كانت إسرائيل مسؤولة عن اغتيال فخري زادة، فإن القرار بتنفيذه اتخذ، على ما يبدو، بالتنسيق مع إدارة ترامب ومصادقتها" قبل شهرين من نهاية ولايتها. لكنهما، خلافا للتقرير أعلاه، أشارا إلى أنه من الجائز أن هذا التنسيق تم خلال زيارة بومبيو الأخيرة لإسرائيل، وأنه ربما "جرى تنسيق معين" مع بن سلمان أيضا. وشددا على أن "التنسيق والمصادقة ضروريان لأن الولايات المتحدة ودول الخليج قد تدفع جزءا من أثمان رد الفعل الإيراني المتوقع". وأضاف أنه قد يكون هناك هدفا سياسيا للاغتيال، وهو "تعزيز الدعم الداخلي في إسرائيل والولايات المتحدة لنتنياهو وترامب وسياستهما".

وفيما يتعلق بتأثير الاغتيالات على الأجهزة التي قادها الذين تعرضوا للاغتيال، أكد بروم وشطاين على أن "هذه الاغتيالات لم تمس غالبا قدرات الأجهزة لفترة طويلة، وأحيانا حدث العكس"، وأنه "غالبا، يصعب الإشارة إلى إنجازات تتجاوز المستوى التكتيكي ولفترة محدودة".

ولفت الباحثان إلى سلسلة اغتيالات علماء نوويين إيرانيين، بداية العقد الحالي. "لا توجد أدلة على أن حملة الاغتيالات هذه تسببت بإبطاء ملحوظ للبرنامج أو ردعت علماء نوويين إيرانيين من العمل في إطار هذا البرنامج النووي. والأنشطة السياسية من أجل منع التعاون مع إيران، كشف معلومات استخبارية، العقوبات المفروضة عليها، عمليات السايبر، وأخير الصفقة النووية معها، ساهمت أكثر في إبطاء البرنامج وردع إيران من انطلاقة نحو سلاح نووي بسبب التخوف من الأثمان".

وتوقعا أن "الأثمان السياسية للاغتيال يتوقع أن تكون مرتفعة جدا، ومرتفعة أكثر إذا أدى الاغتيال إلى تورط الولايات المتحدة بحرب في المنطقة، رغم أن احتمالاتها ليست مرتفعة. والتنديدات الدولية الشديدة كانت متوقعة، لكن التنديدات الشديدة في الولايات المتحدة ولهجتها المتشددة من جانب مسؤولين مقربين من الحزب الديمقراطي غير مسبوقة. فقد جرى تصوير إسرائيل كدولة مجرمة وإرهابية، وهذا يضر بصورة إسرائيل الدولية. واعتبر الاغتيال كمبادرة من جانب ترامب ونتنياهو من أجل إحباط أحد العناصر المركزية في سياسة الإدارة الجديدة".

وحذر الباحثان من رد فعل إيراني متوقع. "فإذا كان قتل علماء نوويين إيرانيين شرعيا، فإنه بالنسبة لكثيرين في العالم، قتل علماء نوويين إسرائيليين وأمثالهم، وكذلك ردود فعل عنيفة إيرانية أخرى، ستكون شرعية. ورغم ذلك، فإن القيادة الإيرانية غالبا حذرة ومدروسة. ومن الجائز جدا أن إيران لن ترد ضد إسرائيل قبل بدء ولاية الإدارة الأميركية الجديدة، وربما لن ترد أبدا ضد الولايات المتحدة كي لا تُفسد احتمالات التوصل إلى حوار مع الإدارة الجديدة، ولكن يصعب رؤية إيران تتنازل في الفترة القريبة عن رد فعل ضد إسرائيل".

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص