نهاية "جيش الشعب": أكثر من نصف الإسرائيليين لا يتجندون

نهاية "جيش الشعب": أكثر من نصف الإسرائيليين لا يتجندون
قوات إسرائيلية خلال تدريب (الجيش الإسرائيلي)

يوصف الجيش الإسرائيل بأنه "جيش الشعب". إلا أن المعطيات والدراسات تؤكد على أنه ليس كذلك. ويعتبر رئيس الحكومة الإسرائيلية الأول، دافيد بن غوريون، كمن وضع نموذج "جيش الشعب"، لكنه لم يستخدم هذا المصطلح. كما أن المهام غير العسكرية المكلف بها الجيش تراجعت ولم تعد موجودة اليوم.

وأشار المحاضر في القانون في كلية كريات أونو الأكاديمية ومدير المركز للأمن القومي والديمقراطية في "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، بروفيسور عَميحاي كوهين، في تقرير نشرته صحيفة "ذي ماركر" حول الموضوع أمس، الأربعاء، إلى أن "بن غوريون نفسه لم يتحدث أبدا عن تعبير ’جيش الشعب’، لكن نظرية الجيش الإسرائيلي كجيش الشعب تبلورت في عهده".

وأفادت معطيات نُشرت مؤخرا بأن نسبة الشبان والشابات الإسرائيليين الذين يتجندون للخدمة العسكرية تراجعت بشكل كبير، فقد كانت نسبة التجند للجيش 71.7% من اليهود و57.6% من مجمل السكان في العام 1999. وتراجعت النسبة في العام 2019، أي بعد عشرين عاما، إلى 62.6% من اليهود و50.7% من مجمل السكان. ويشمل هذا المعطى حصول 11% من المجندين في أي فوج تجنيد الذين يحصلون على إعفاء من الخدمة العسكرية لأسباب مختلفة، ما يعني أن أقل من نصف السكان يؤدون الخدمة العسكرية.

وقال كوهين إن "مصطلح ’جيش الشعب’ يشمل في داخله ثلاثة أمور نخلط بينها". وأوضح أن الأمر الأول يتعلق بنموذج التجنيد. فالجيش ليس تطوعيا مقابل أجر ولا يجري التجنيد بشكل انتقائي، وإنما تجنيد "الشعب" كله.

بن غوريون (مكتب الصحافة الحكومي)

والأمر الثاني، الذي يصفه كوهين أنه يُنشِئ ارتباطا أعمق بين الجيش والشعب؛ يصور الجيش كمؤسسة رسمية فوق الخلافات السياسية ويحظى بتأييد واسع. والأمر الثالث، وهو "الأكثر تعقيدا"، هو أنه لا تُلقى على الجيش مهام عسكرية فقط، وإنما "مهمة تربوية" مثل استيعاب المهاجرين الجدد، وإقامة بلدات (ومستوطنات)، ومنظومة المجندات المعلمات وإنشاء روح مشتركة. وشدد كوهين على أنه "نتواجد في وضع تقوضت فيه جميع هذه المفاهيم ولم تعد صحيحة".

ولفت كوهين إلى اتساع حجم المجتمعات التي لا يتجند أبناؤها للجيش الإسرائيلي: "توجد أغلبية كبيرة من المجندين في ما يُسمى ’التيار المركزي’ في المجتمع الإسرائيلي، وهذا تعبير إشكالي، والذي يشمل المدارس الحكومية والحكومية – الدينية اليهودية. لكن مجتمعنا القبلي يضم مجموعات آخذة بالاتساع ولا تتجند للخدمة العسكرية. والعرب يتحولون إلى جزء من المجتمع الإسرائيلي أكثر من الماضي، وبالطبع الحريديون أيضا. وهذا يعني أنه كلما تقدم الوقت، سيكون هناك المزيد من الأفراد الذين لا يتجندون".

من جانبه، لفت عضو الكنيست السابق، عوفر شيلح، إلى أن احتياجات الجيش باتت تكنولوجية أكثر وتحل مكان القوى البشرية. وأضاف شيلح، الذي يبحث هذا الموضوع منذ عشرين عاما وبادر إلى مداولات بهذا الخصوص كعضو في لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، وقاد سن قانون تقصير مدة الخدمة النظامية؛ أن "المدفع القادم في الجيش سيكون شحنه أوتوماتيكيا، وسيخدم في الدبابة شخصان فقط".

وذكر شيلح أن التغيرات في توازن القوى في الشرق الأوسط وعلاقات إسرائيل لا تضع مخاطر تستوجب تجنيد قوى بشر بشكل واسع، "وهذا توتر يبعدنا عن جيش الشعب، الذي وُلد من الحروب الكبرى، التي كنا نحتاج فيها إلى كميات كبيرة من الجنود مع تأهيل عادي وليس حرفيا".

إعفاء من الخدمة العسكرية

ووفقا لشيلح، فإن "مخزون أبناء 18 عاما يتسع طوال الوقت وعدد الذين يتجندون يرتفع بما يتلاءم مع ذلك، لكن لم تجرِ أي مداولات حول حجم الجيش. وبدلا من ذلك، يجد الجيش الإسرائيلي طرقا غير مباشرة من أجل تقليص عدد المجندين".

ودلّت معطيات استعرضت في لجنة مراقبة الدولة في الكنيست، برئاسة شيلح، عام 2020، أن أعداد الجنود المعفيين من الخدمة النظامية تتزايد، وارتفعت نسبتهم من 7.9% عام 2018 إلى 11.9% عام 2020، ويُتوقع أن ترتفع إلى 13% في العام 2023.

وقال شيلح: "سوية مع الوسط (المجتمع) العربي، فإن هذا يعني أن أكثر من نصف حاملي بطاقات الهوية الزرقاء الذي ولدوا في العام 2005 لن يخدموا في الجيش، أو أنهم لن ينهوا الخدمة العسكرية".

ويستند نموذج "جيش الشعب" إلى الخدمة النظامية والخدمة في الاحتياط، وقد تنازل الجيش الإسرائيلي، لأسباب تتعلق بميزانية الأمن، عن الخدمة في الاحتياط في السنوات الماضية، بحيث تراجعت أيام هذه الخدمة بـ90% منذ الثمانينيات، بمبادرة وزير الأمن حينها، يتسحاق رابين، وحتى العام 2000، عندما اندلعت انتفاضة القدس والأقصى.

ويقلّص الجيش الإسرائيلي عدد جنوده النظاميين وفي الاحتياط "بصورة هادئة وغير رسمية"، وفقا للصحيفة، ويتبنى تدريجيا أساليب تجنيد على أساس تطوعي. ويزداد عدد الوحدات التي تعمل بموجب تجنيد للخدمة النظامية والخدمة الدائمة القصيرة نسبيا لفترة أطول، وتشمل تعليما جامعيا مقابل الالتزام بخدمة كهذه، ويتم توجيه الكثير من الجنود إلى مسارات ضباط.

اعتماد أكبر على التكنولوجيا (الجيش الإسرائيلي)

وقال كوهين إن "الخدمة العسكرية تحولت إلى نفعية أكثر، وماذا سأحقق من الخدمة في الجيش. والجيش أيضا يصور نفسه بهذا الشكل. والخطاب هو حول تحقيق الذات والفردانية". وأضاف أن "نموذج خدمتنا العسكرية بعيد جدا عن نموذج الخدمة في جيش الشعب. ولسنا جيشا مهنيا بعد، لكن من الواضح أننا أصبحنا في نموذج هجين يدمج ما بين جيش الشعب وجيش تطوعي، ولكن لم نقل أبدا إلى أين وجهتنا. والجيش يقوم بذلك غالبا كرد فعل على مشاكل عينية، وليس من خلال تفكير إستراتيجي".

وأضاف شيلح أن "الجيش الإسرائيلي يدرك الضرر ويعمل مثلما تعمل جهات كثيرة في إسرائيل – في المجال الرمادي. وهذا يتم من خلال فوضى. ويوجد اليوم قليل من الخدمة في الاحتياط والخدمة التفاضلية، لأن المستوى السياسي لم يُجرِ أي مداولات حول ذلك. ولم تبحث أي حكومة أو مجلس وزاري سياسي – أمني مداولات حول نموذج التجنيد في إسرائيل".

ولفت كوهين إلى أنه "عندما تحدث بن غوريون عن أهمية الخدمة في الجيش، كانت الفكرة من وراء ذلك بوتقة الصهر. وقد نجح هذا لفترة معينة، وبالأساس بسب نموذج مثالي لجيش للصابر (الإسرائيلي المولود في البلاد) الذي نعين على الجميع أن يكونوا مشابهين له، وأنا اقول هذا من الناحية السلبية. فهذا النموذج كان علمانيا، أشكنازيا ولأبناء الكيبوتسات في غالب الأحيان. ولم تعد الأمور اليوم بهذا الشكل".

وأضاف كوهين أن "قدرة الجيش على أن يعتبر جيش الشعب بالمعنى الرسمي والفوق سياسي بات محل شك. الخلافات السياسية التي تمزق المشهد العام الإسرائيلي تتغلغل إلى الجيش – بدءا من الخدمة العسكرية المشتركة للنساء، وحتى قضايا مثل قضية إليئور أزاريا" الجندي القاتل الذي أعدم الشهيد عبد الفتاح الشريف في مدينة الخليل، فيما كان مصابا بجروح خطيرة ولا يقوى على الحركة.

ورأى كوهين أن "مفهوم الجيش كمنطقة رسمية تصدع. وواقعة أزاريا كانت خطيرة، لأنه أدخل الصراع في المشهد العام الإسرائيلي إلى داخل سلسلة القيادة العسكرية. فالسياسيون أرادوا حصد مكاسب سياسية من الواقعة، وتدخلوا فيها".

رفض فكرة جيش محترف وجنود يتلقون راتبا

وترفض أغلبية ساحقة بين ضباط الجيش والمستوى السياسي فكرة الجيش المحترف وفكرةَ جنود يتلقون راتبا. وقال شيلح إنه توجد ثلاثة اعتبارات لذلك: الأول هو "أن هذه دولة توجد فيها شروخ كثيرة، والروح العسكرية والخدمة العسكرية للجميع أمر هام بالنسبة للدولة".

والاعتبار الثاني وفقا لشيلح، هو أنه على الرغم من عدم حاجة الجيش الإسرائيلي إلى حجم كبير جدا من الجنود، لكن في حالات معينة "تحدث فيه انقلابات في قسم من دول الشرق الأوسط، قد يحتاج الجيش إلى كتل أكبر بكثير من الجنود".

والاعتبار الثالث، الذي يتعالى من جانب الكثير من الضباط، هو أن تجنيد الجميع ضروري للجيش الإسرائيلي كي يختار الأفضل بينهم. وقال شيلح إن "حقيقة وجود تجنيد شامل يسمح للجيش الوصول إلى طبقات اجتماعية – اقتصادية لا تلتحق بالخدمة العسكرية في دول أخرى. وهذه الجودة مطلوبة لأن تكلفتها المالية أكبر. والجيش يشغل أشخاصا في سن 22 عاما في مجالات يعمل فيها في في القطاع الخاص أشخاص أبناء 30 عاما فما فوق وبراتب مرتفع".

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص