المهاجرون الروس و"إهدار" فرصة تعزيز الطابع الأشكنازي الغربي لإسرائيل

المهاجرون الروس و"إهدار" فرصة تعزيز الطابع الأشكنازي الغربي لإسرائيل
هجرة اليهود من الاتحاد السوفيتي في تسعينات القرن العشرين (أرشيفية)

هناك نكتة كانت شائعة في إسرائيل في خمسينيات وستينيات القرن الماضي تقول "إنه تم جلب يهود اليمن كقطع غيار ليهود العراق"، وهي مقولة كانت تعكس بقدر كبير الاستعلاء "الأشكنازي الغربي"، الذي شكل العصب الأساسي للتجمع الاستيطاني في فلسطين، وتكشف عمق الاستهتار بـ "اليهود العرب" الذين تمتعوا بمستوى ثقافي واقتصادي أقل من المكون البشري الوافد من أوروبا والذي لعب دور المؤسس للدولة العبرية.

إلا أن سنوات طويلة من عمر إسرائيل وما تخللها من تحولات ديمغرافية واقتصادية قلبت المعادلة أو كادت حتى جاءت "الهجرة الروسية الكبرى" التي شهدتها إسرائيل في التسعينيات عقب انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الشرقية.

لقد علق الكثير من الإسرائيليين ذوي الأصول "الأشكنازية الغربية" أمالا كبيرة على "الهجرة الروسية" ورأوا فيها منقذا من حالة الانجراف نحو "الشرق" التي ميزت تلك المرحلة، ومن "خطر" إسباغ الطابع الشرقي الديني المحافظ على الدولة، عوضا عن الطابع الغربي "الأشكنازي" العلماني واللبرالي الذي تميزت به.

ورأى هؤلاء أن "مئات آلاف اليهود الذين يحبون القراءة والكتابة ومشاهد المسرح وحضور ‘الكونسيرتات‘ والذين لديهم أولاد منضبطين ومؤدبين، هو بالضبط ما يحتاجونه"، وهو ما عبر عنه بفجاجة كبيرة في حينه الصحافي المعروف أمنون دانكنر، وبكلمات "عنصرية" كتبها في صحيفة "حداشوت" عام 1989 عندما قال إن "دولتنا اتجهت في العقدين الماضيين نحو الشرق، وكان هناك من فرحوا لهذا التوجه، أنا لست منهم، وكان هناك من شعروا أن الدولة تنقسم بين أيديهم ولم تعد كما كانوا يعرفونها ويريدونها، والآن نشم رائحة زهر حقيقي في الهواء، هل الهجرة الكبرى من روسيا وشرق أوروبا تغير كل هذا، نعم نستطيع المقامرة على ذلك بصمت".

إلا أن الهجرة الروسية التي فاقت توقعات دانكنر العددية، حيث وصلت إلى ما يقارب مليون مهاجر، خيبت أماله وأمال الكثيرين غيره ممن راهنوا على أن تدعم هذه الهجرة الكتلة "الأشكنازية" وتندمج فيها وترفدها بالمادة البشرية الضرورية لإدامة هيمنتها على الحيز الإسرائيلي، خاصة وأنها تتحدر من نفس المصدر، دول شرق أوروبا التي شكلت المورد البشري الأساس للتجمع الاستيطاني الصهيوني.

الباحثة الاجتماعية فيكي إيدزينسكي التي وفدت إلى إسرائيل من أوكرانيا عام 1992 ضمن تلك الهجرة الكبرى، تحاول إيجاد أجوبة لخيبة الأمل تلك التي أصابت العديدين من أمثال دانكنر، والإجابة على سؤال عدم اندماج المهاجرين الروس في الكتلة الأشكنازية العلمانية رغم أنهم جاءوا من نفس الأصول.

وتصل إلى نتيجة أنه بعد 30 عاما على الهجرة الكبرى يرفض الناطقون بالروسية أن يصنفوا ضمن واحدة من المجموعات السكانية اليهودية "الأصلية" المعروفة، فهم كما تقول، لا يصنفون بسهولة كعلمانيين أو متدينين، ضعفاء أو أقوياء، يساريين أو يمينيين.

وهي تشير إلى مجموعة متناقضات تميزهم، فرغم أن الكثيرين منهم يحملون مواقف صهيونية- صقرية، فإن نسبة مغادرة البلاد بينهم هي الأعلى في إسرائيل، ورغم أن الكثيرين يؤيدون مصادرة الحقوق المدنية للأقلية العربية، فإنهم يؤيدون فصل الدين عن الدولة والمساواة المدنية (كما أن التزاوج مع العرب لم يكن ظاهرة نادرة في السنوات الأولى للهجرة)، وهم ضعفاء اقتصاديا لكنهم يتميزون بريادة عالية.

وفي البحث عن الأسباب، تستنتج الباحثة أنه بعكس هجرة السبعينيات (الروسية)، التي جرى استيعابها من قبل الطبقة الوسطى في إسرائيل، فإن هجرة التسعينيات استوطنت في الضواحي التي سكنها الشرقيون في الكريوت، بئر السبع، أشدود وكرمئيل، وعمل المهاجرون الروس مع الشرقيين وتحتهم في أعمال الطبقة السفلى في أكشاك الفلافل وفي دوريات الحراسة، وتزاوجوا فيما بينهم بداية بالنساء ثم الرجال لاحقا، وخدموا معا في حرس الحدود و"غولاني".

الشرقيون هم من استوعبوا المهاجرين الروس وليس "الأشكناز"، لأنهم أسكنوا بينهم وفي بلداتهم الفقيرة، بينما كانت عملية الاستيعاب شبيهة بعملية استيعابهم هم، حيث تخللها قمع ثقافي صعب وكراهية وقبول مشروط بملاءمة ذاتية لواقع الحال، كما تقول.

وفي هذا السياق، لا جديد تحت الشمس، المضطهد بفتح الهاء تحول إلى مضطهد بكسرها، والشرقيون أرادوا إفهام الروس من الأقدم هنا ومن هو صاحب البيت، مثلما أرادوا الثأر لما فعلوه "الأشكناز الغربيين" بهم من خلال الروس الذين رأى الشرقيون بهم "الأشكناز الجدد"، بينما ألقت بهم النخبة الأشكنازية الغربية إلى ضواحي الفقر مع الفئات المهمشة الأخرى.

هكذا فوتت "النخبة الأشكنازية" فرصة تدعيم نفوذها وتعزيز قوتها، في وجه التحولات التي عصفت بها لاحقا وسحبت البساط من تحت أقدامها بعد أن حولت، برأي إيدزينسكي، إسرائيل الى أكثر شرقية وأكثر تدينا.