تهدئة في غزة: الرواية الإسرائيلية

تهدئة في غزة: الرواية الإسرائيلية
عند السياج الأمني بالقطاع، مطلع الأسبوع الحالي (أ.ب.)

رغم موجات التصعيد بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، وفي مقدمتها حركة حماس التي تحكم القطاع، إلا أن إسرائيل تعترف أنها "تقف اليوم في المربع نفسه الذي وقفت فيه في اليوم الـ51 من عملية الجرف الصامد"، أي في اليوم الأخير لعدوانها على غزة عام 2014، وفقا لتقرير نشره المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أليكس فيشمان، اليوم الجمعة.

وبحسبه فإن الوضع الآن هو أنه يوجد اتفاق "وقف إطلاق نار غير موقع مع حماس، إلى جانب تفاهمات بشأن عملية من ثلاث مراحل لإعادة إعمار القطاع وعودة السلطة الفلسطينية إلى إدارة شؤون غزة. عُدنا أربع سنوات إلى الوراء. وجميع المبادئ الثمانية لوثيقة التفاهمات التي أنجزت بين إسرائيل ومصر وحماس، في آب/أغسطس 2014، تظهر بهذه الصورة أو تلك في الخطة التي يستعرضها الآن الوسطاء المصريون أمام إسرائيل وحماس والسلطة الفلسطينية، وذلك على أمل سريان التهدئة عند السياج (الأمني المحيط بالقطاع) ابتداء من اليوم".

ويستعرض فيشمان في تقريره الرواية الإسرائيلية للمحادثات حول التهدئة، بين إسرائيل وحماس، بوساطة مصر والمبعوث الأممي، نيكولاي ملادينوف، وقطر ودول أوروبية. ويبدو أن إسرائيل أدركت أنها لن تجني أية فائدة من عدوانيتها تجاه القطاع. ففي يوم 27 تشرين الأول/أكتوبر الفائت، بعد إطلاق 37 قذيفة صاروخية من القطاع باتجاه البلدات الإسرائيلية المحيطة بالقطاع، "غلاف غزة"، اجتمع الطاقم الإسرائيلي الذي يقود المفاوضات حول التهدئة في مكتب رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، في مقر وزارة الأمن في تل أبيب.

ويضم هذا الطاقم كلا من نتنياهو ورئيس مجلس الأمن القومي، مئير بن شبات، ورئيس الشاباك، ناداف أرغمان. ولا يوجد تمثيل دائم لوزارة الأمن في هذا الطاقم، الذي يطّلع على كافة الرسائل المتبادلة، وهو الذي يقرر، عمليا، سياسة إسرائيل تجاه القطاع. وخلال هذا الاجتماع أوصى بن شبات وأرغمان بعدم شن حرب ضد القطاع. وشارك في هذا الاجتماع وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، ورئيس أركان الجيش، غادي آيزنكوت، الذي تمسك بموقفه القائل إن حماس لا تريد الحرب وأنه لا مبرر لشن حرب. في المقابل، اعتبر ليبرمان أنه يجب شن حرب وتوجيه ضربة شديدة للقطاع. وأيده وزراء أعضاء في المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، لكن نتنياهو امتنع عن عقد الكابينيت، وتبنى موقف قادة الأجهزة الأمنية بقصف مبان وعدم التسبب بمقتل فلسطينيين.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، فإن العلامات الأولى في الطريق نحو وقف إطلاق نار وُضعت يوم الجمعة الماضي، بعدما "تعهدت حماس بخفض مستوى العنف عند السياج". في المقابل، وسّعت إسرائيل مساحة الصيد إلى تسعة أميال، واستمر إدخال الوقود، بتمويل قطري، الذي يسمح بتزويد الكهرباء للقطاع لمدة 16 ساعة يوميا بالمعدل، وبقي معبر كرم أبو سالم مفتوحا لإدخال بضائع. وفتحت مصر معبر رفح لدخول وخروج الأفراد. بعد ذلك وافقت إسرائيل، رغم معارضة السلطة الفلسطينية، على إدخال أموال قطرية، بمبلغ 15 مليون دولار نقدا، إلى القطاع لتسديد جزء من رواتب الموظفين المدنيين وتعويض الجرحى الذين أصيبوا خلال مسيرات العودة، بدءا من اليوم.

مصالح مصرية

وفقا لهذه الرواية الإسرائيلية، فإن مصر هي التي قادت مفاوضات التهدئة، كوسيطة بين أطرافها. ويرأس الطاقم المصري مدير المخابرات، عباس كامل، كممثل شخصي للرئيس عبد الفتاح السيسي. ويقول فيشمان إنه "عندما يجلس كامل قبالة نتنياهو، فإنه بالنسبة لرئيس الحكومة كأن الرئيس المصري يجلس قبالته". والطاقم المصري مؤلف من ضباط مخابرات، أبرزهم أحمد عبد الخالق، الذي يتنقل بين القطاع وإسرائيل، ويجتمع مع أرغمان وبن شبات، لينقل رسائل مصرية ويبحث معهما أفكارا متنوعة.

الوفد الأمني المصري خلال اللقاء بهنية (أكتوبر الماضي)

ويضع عبد الخالق أمام الإسرائيليين "رسائل مباشرة" من قائد حماس في القطاع، يحيى السنوار، وينقل إليه "رسائل مباشرة" من إسرائيل. وعندما تكون هناك أمورا هامة، فإن كامل يتوجه إلى القطاع ورام الله وإسرائيل. وعندما تحدث تطورات حقيقية في المفاوضات، يسافر السنوار إلى القاهرة. وتشدد الرواية الإسرائيلية على أن أداء حماس جماعي وليس فرديا. والسنوار يتوجه إلى القاهرة بعد تنسيق الموقف مع قائد الذراع العسكري لحماس، محمد ضيف، ورئيس المكتب السياسي، إسماعيل هنية. وفي كل مرة يتوجه فيها السنوار إلى القاهرة يرافقه قائد حماس في الخارج، صالح العاروري، "الذي يتوجه بعد كل لقاء كهذا، كما يبدو، إلى طهران من أجل اطلاع الإيرانيين" حسب هذه الرواية.

وتضيف الرواية الإسرائيلية أن مصر تبذل جهودا للتهدئة وللمصالحة بين حماس والسلطة خدمة لمصلحتها. "فصل حماس عن الإخوان المسلمين وداعش في سيناء. والمصريون هلعون من أن مواجهة عسكرية في غزة ستتسبب بهروب مقاتلي حماس المسلحين إلى سيناء وينضمون إلى داعش. والمصريون يحاولون جلب حماس والسلطة الفلسطينية إلى تفاهم يقود إلى وقف العقوبات الاقتصادية للسلطة على غزة، وهي السبب المباشر للتصعيد ضد إسرائيل عند السياج".

وتتابع الرواية الإسرائيلية أن "المصريين أثاروا مشاكل في بداية وساطتهم. وعلى سبيل المثال، رفضوا وجود القطريين في الصورة، لكنهم اضطروا أن يوافقوا على التدخل المالي والسياسي في التسوية فقط بعد أن اتضح لهم أن السعوديين ودول الخليج ليسوا متحمسين للتبرع بمبالغ طائلة لحماس".

وتشمل الخطة المصرية ثلاث مراحل. "المرحلة الأولى: وقف إطلاق نار مستقر. المرحلة الثانية: إعمار القطاع. والمرحلة الثالثة: إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة. وبين المرحلتين الأولى والثانية يجب تنفيذ مرحلة هامة أخرى: إعادة جثتي الجنديين (الإسرائيليين) هدار غولدين وأورون شاؤول، والمواطنين الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس. ومن دون هذا الجزء، لن تُنفذ المرحلتين التاليتين".

ويوجد في هذه النقطة أيضا دور لمصر، التي تعتقل ناشطين من حماس، "والسنوار يصر على إعادتهم إلى غزة. وليس مستبعدا أن يتم التوصل إلى رزمة تبادل تندمج مصر فيها، الأمر الذي من شأنه أن يخفف من الثمن الذي تطالب به حماس من إسرائيل".

وبحسب الرواية الإسرائيلية أيضا، فإن "وقف عقوبات السلطة (ضد القطاع) هو شرط ضروري وضعته حماس من أجل وقف المظاهرات عند السياج. ومن أجل تمكين ضخ الوقود والرواتب إلى غزة، تعين إقناع أبو مازن (رئيس السلطة، محمود عباس) بأنه إذا لم يوقف العقوبات، عليه ألا يعرقل (جهود التهدئة) على الأقل. وأبلغه الرئيس المصري بذلك عندما دعاه إلى لقاء في شرم الشيخ، قبل أسبوعين. وأوضح السيسي لأبو مازن إنه نتجه إلى وقف إطلاق نار، معه أو بدونه. والنتيجة: خلافا للتصريحات السابقة، لم يقرر المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي اجتمع الأسبوع الماضي، تشديد العقوبات على القطاع".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018