تحليل || كاليش لم تصمد لأنها "يسارية" وخيار زعاترة ليس الأفضل

كاليش لم تصمد لأنها "يسارية" وخيار زعاترة ليس الأفضل
عينات كاليش (فيسبوك)

 أصابت صحيفة "هآرتس" كبد الحقيقة عندما أشارت في افتتاحيتها اليومية، الجمعة، إلى أن "النضال السياسي" الأهم الذي يدور في إسرائيل خلال العقد الأخير، يتمحور حول علاقات الأغلبية اليهودية بالمجتمع العربي، مشيرة إلى الجهود الكبيرة التي بذلها رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بدعم من شركائه المختلفين في الائتلاف الحكومي، في قمع طموحات المواطنين العرب بالمساواة المجتمعية وحرية الرأي السياسي. ويندرج في هذا الإطار تشريع سلسلة القوانين التي دمغت "الديمقراطية الإسرائيلية"، بالعنصرية من "قانون النكبة" وحتى "قانون القومية".

إلا أن "هآرتس"، وخلال معالجتها لقضية عضو بلدية حيفا عن الجبهة، رجا زعاترة، أخطأت الهدف عندما قصرت أهداف هذا المجهود الذي يقوم به اليمين، في نزع الشرعية عن العرب وتمثيلهم في الكنيست، وبالتالي منع تحالف "اليسار" الإسرائيلي معهم والحؤول دون خلق بديل سياسي لسلطة اليمين.

صحيح أن نزع الشرعية عن العرب وتمثيلهم السياسي يحول دون ترجيح كفة "معسكر اليسار"، إن صح التعبير، وهو أمر يسعى إليه اليمين أيضا، إلا أن الهدف الأساس من وراء قمع الطموحات السياسية للمواطنين العرب والذي يشترك فيه اليمين واليسار الإسرائيلي، هو فرملة تبلورهم كجماعة قومية شريكة في الحيز الجغرافي السياسي، وهو هدف يتجلى بوضوح في قانون النكبة الذي يرفض الاعتراف بتاريخنا وروايتنا وقانون القومية الذي يمنعنا من ممارسة حقوقنا الجماعية، اللغوية، الثقافية والسياسية على هذه الأرض، وفي عشرات القوانين التي تقع بينهما وقبلهما.

هنا يكمن مأزق "اليسار" الواقع بين المشترك الصهيوني المناهض للطموحات القومية للفلسطينيين في إسرائيل باعتبارهم خطرا على "نقاء" الدولة اليهودية، ولذلك نراه يؤيد ويبادر ويصفق في الكثير من الأحيان للقوانين والإجراءات العنصرية، وبين حاجته الحاسمة للتمثيل والصوت العربي ليتمكن من تشكيل بديل سياسي لسلطة اليمين؛ وكما هو معروف فإن العرب بعد أن شكلوا كتلة مانعة، في ائتلاف رابين، أسقطوا بيرس بعد مجزرة قانا، ثم عادوا وأنجحوا براك عام 1999 وأسقطوه عام 2001، بعد تورطه بقتل شهداء الانتفاضة الثانية وهبة الأقصى عام 2000. 

هذا التوتر الذي يتجاذب حزب العمل، لا يعاني منه اليمين الذي تتطابق مصالحه الأيديولوجية مع مصالحه الحزبية، فهو كلما حرض على العرب وضيق الخناق على طموحاتهم السياسية عزز من صهيونيته وخدم مصلحته الحزبية في تكريس وضعه في السلطة، إضافة إلى إضعاف وإحراج قوى "اليسار" الصهيوني التي تجد نفسها مضطرة لمجاراته لتثبت صهيونيتها، حتى لو أدى ذلك إلى قطع الغصن الذي تقف عليه، بمعنى التخلي عن التمثيل العربي الذي بمقدوره أن يحولها إلى بديل سياسي لليمين ويقودها إلى مقاعد السلطة.

من هنا تنبع قوة اليمين الذي يشعر أنه يمتلك ناصية الشرعية الصهيونية، ويقود بواسطتها، منذ مقتل رابين، "قوى اليسار" التي فقدت عامودها الفقري، ذليلة مرتبكة وعاجزة، تخشى أن تصوت إلى جانب العرب، إلا إذا ضمنت أنهم سيخسرون، مثلما حدث في قانون القومية، وتخاف أن تشارك إلى جانبهم في مظاهرة ضد القانون، لأن المشترك بينها وبين اليمين أكبر بكثير من المشترك بينها وبين العرب.

أما في السياق المحلي، وفي قضية عضو بلدية حيفا رجا زعاترة تحديدا، يمكننا الاستنتاج بناء عليه، أن صمود رئيسة بلدية حيفا، عينات كاليش، أمام ضغوطات نتنياهو لا تعود إلى يساريتها، بقدر ما تعود إلى تعزيز ائتلافها بقوى أكثر يمينية من الليكود (البيت اليهودي ويسرائيل بيتينو)، ناهيك عن أنها أرادت أكل العنب وليس مقاتلة الناطور، ولذلك طالبت زعاترة بالتنصل من تصريحاته، فتنازل الأخير واختار الانسحاب من منصب نائب رئيسة البلدية لصالح المرشحة الثانية في قائمة الجبهة، شهيرة شلبي، وهذا ليس أفضل الخيارات.