كوخافي وعقيدة القوة المفرطة

كوخافي وعقيدة القوة المفرطة
نابلس 2002 (أ ف ب)

مع تعيين أفيف كوخافي الرئيس الـ22 لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي، صباح اليوم الثلاثاء، خلفا لغادي آيزنكوت، لا يوجد ما من شأنه أن يشير إلى تغير موضوعي في عقيدة الجيش والتزامه تطبيق السياسات التي ترسمها الحكومات المتعاقبة التي تعتمد على القوة العسكرية، إلا أنه لا يمكن تجاهل العامل الذاتي الذي يدفع باتجاه تفعيل القوة المفرطة.

وبالنظر إلى الماضي العسكري لكوخافي، فإن المحاضر في الجامعة المفتوحة الإسرائيلية، والباحث المتخصص في مثلث العلاقات الجيش – المجتمع – السياسة، البروفسور ياغيل ليفي، ينصح بإبقاء كوخافي تحت رقابة الإعلام ومنظمات المجتمع المدني والأكاديمي، للتيقن من "نضوجه"، وأنه بات يدرك ضرورة لجم تفعيل القوة العسكرية المفرطة، وخاصة حيال السكان المدنيين، وأنه بات يفقه ما تعنيه حرية التعبير.

ويشير بداية إلى أنه يتم تعيين رؤساء الأركان في إسرائيل بدون أي نقاش عام معمق، وتعيين كوخافي ليس استثنائيا، ولكن يجدر تذكر حدثين من ماضيه للوقوف على شخصيته، ولفت الانتباه إلى ضرورة مراقبة أدائه كرئيس للأركان.

ويشير في هذا السياق إلى أنه خلال ما أطلق عليه جيش الاحتلال "حملة السور الواقي" عام 2002، برز كوخافي كقائد لفرقة المظليين التي سيطرت على مخيم بلاطة للاجئين في مدينة نابلس. وتميزت هذه العملية بـ"التحرك عن طريق الجدران"، حيث تحركت قوات الاحتلال عبر فتحات في جدران المنازل تحدثها جرافات الاحتلال، وليس عن طريق الأبواب.

وبحسبه، فإن على هذه الخلفية برزت ثلاث ظواهر في شخصية كوخافي، الأولى هي "تكتيك القوة المفرطة، التي دمرت بيوت مئات العائلات من خلال القتل الجماعي للمسلحين، والمس بالمدنيين". ويضيف أن كوخافي مدد مدة الحملة رغم طلب الفلسطينيين وقفها. ورغم أن "الإنجاز" العسكري كان واضحا، إلا أنه لم يتم تقدير أبعاده، التي ضاعفت من "كراهية السكان الفلسطينيين لإسرائيل".

أما الظاهرة الثانية، فهي أنه بالتعاون مع أصدقائه في "المعهد لدراسة عقيدة المعركة"، (الذي اعتبره  ليفي المنظمة المسؤولة إلى حد كبير عن اللغة "الضبابية" لقادة الجيش خلال الحرب الثانية على لبنان)، وفر كوخافي "غطاء فكريا" لعمليات التدمير والقتل المنهجية في مخيم بلاطة. ويضيف أنه لهذا الغرض، تم تجنيد فيلسوفة فرنسية راديكالية.

ويتابع أنه، على سبيل المثال، ينسب لكوخافي مصطلح "الهندسة المقلوبة" الذي "يتمرد على التفسير المقبول للنظام الحضري"، وذلك لشرعنة اختراق البيوت عن طريق هدم فتحات في الجدران. وبذلك وفر "شرعية خاصة" لممارسة العنف، فـ"الجنود لا يهدمون أحياء لقتل مسلحين، وإنما يعملون على إعادة تفسير الحيز الحضري".

ويضيف ليفي أن "التكتيك الجديد قد تم تصويره كأنه كشف عن تجديد وابتكار وتمرد على المسلّمات، ولكن الابتكار لم يترجم، على سبيل المثال، لفهم أنه يوجد مقابل الجيش سكان مدنيون يشكل التعايش معهم، وليس المس بهم، المفتاح لأمن إسرائيل في المستقبل".

ويتابع أن مثل هذه "الابتكار" قد أدركه الضباط الأميركيون والبريطانيون في الحروب على العراق وأفغانستان، حيث أن إحلال نظام سياسي جديد يقتضي لجم المس بالسكان المدنيين.

أما الظاهرة الثالثة، فقد جرى التعبير عنها، بحسب ليفي، في العام 2006، حيث وجه المهندس أيال فايتسمان انتقادات لكوخافي، في مقال كان معدا للنشر في مجلة أكاديمية، وفي حينه هدد كوخافي بالتوجه إلى القضاء لتقديم دعوى تشهير إذا نشر المقال. وفي نهاية الأمر نشر المقال بدون أي تغيير فيه، ولم تقدم أي دعوى.

وبحسب ليفي، فإن تهديد كوخافي لكاتب في مجلة أكاديمين هو "حدث غير مسبوق بشكل عام، وفي علاقة الضباط مع الأكاديميا بشكل خاص، ويشير إلى فهم إشكالي لدى كوخافي لحرية التعبير في الرقابة على الجيش، وعلى صعوبة ملموسة في مواجهة الانتقادات".

ويأمل الكاتب أن يكون كوخافي قد "نضج" بعد عقد من الزمان، وأن "تصبح نظرية تفعيل القوة أخلاقية ومنضبطة، بحيث يدرك أن التجديد (الابتكار) يكون في الفعل نفسه، وليس في الغلاف الكلامي المتضخم، وأن يكون قد تعلم كيفية مواجهة الانتقادات، وطوّر إدراكه لماهية إخضاع الجيش لقواعد الرقابة الديمقراطية".

وينهي بالقول إنه من أجل التيقن من تحقيق هذه الفرضيات يجب على الإعلام ومنظمات المجتمع المدني والأكاديمي أن تراقب رئيس الأركان الجديد.