ما وراء صفقة باومل

ما وراء صفقة باومل
(أ ب)

* روسيا وفرت لنتنياهو منصة جعلته كمن يسارع زعماء الدول العظمى لخدمته في كل وقت
* محلل إسرائيلي: صفقة سرية عقدها نتنياهو مع الأسد بوساطة بوتين

* كتب بن كسبيت أنه يتضح من بين السطور حقيقة مفاجئة أخرى، وهي أنه بعد أن اعتبر مسؤولون إسرائيليون كبار الرئيس السوري، في السنوات الأخيرة، كمن أنهى دوره التاريخ، وفقد الشرعية الدولية والأخلاقية ونفذ جرائم إبادة بحق شعبه، يتضح أن إسرائيل قررت تجاوز ذلك، والتعايش مع عودته الكاملة، بل وتدير معه منظومة علاقات سرية بوساطة روسية، تتضمن "بوادر حسنة" وخطوات لبناء الثقة
* روسيا أحضرت لإسرائيل رفاتا وأعضاء جثث ثلاث مرات بعد نبش مقابر سورية

* إسرائيل نبشت مقابر سورية مرات كثيرة بموجب معلومات استخبارية دون جدوى
* انتقادات لروسيا بعد اتضاح هوية الأسيرين اللذين أفرج عنهما مقابل رفات باومل

* مصادر أمنية إسرائيلية: روسيا سعت إلى "خلق عملية تسخين للعلاقات بين إسرائيل وسورية، ورغبت في تعميق الالتزام الإسرائيلي تجاهها، بدون جباية ثمن صريح


تحت عنوان "هل كانت صفقة باومل بهدف تجنيد الأسد إلى المعسكر الإسرائيلي" كتب المحلل السياسي الإسرائيلي، بن كسبيت في موقع "المونيتور" أن إسرائيل أطلقت، هذا الأسبوع، سراح أسيرين سوريين، بموجب ما اعتبرته "بادرة إنسانية" تجاه نظام الرئيس السوري، بشار الأسد، وذلك بموجب قرار رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، دون أن يعرض ذلك على المجلس الوزاري المصغر، وبسرية مطلقة، الأمر الذي استدعى انتقادات سياسية حادة ضده.

وضمن هذه الادعاءات، بحسب بن كسبيت، فإن إطلاق سراح الأسيرين كان الجزء الثاني من صفقة سرية عقدها نتنياهو مع الأسد، بوساطة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بموجبها يتم في المرحلة الأولى نقل رفات الجندي زخاريا باومل، المفقود في معركة السلطان يعقوب عام 1982 إلى إسرائيل عشية الانتخابات، الأمر الذي يتيح لنتنياهو تحقيق مكاسب. وبعد وصول الرفات إلى البلاد، توجه إلى موسكو وشارك في "حفل مثير" نظمه بوتين وقدم فيه بوتين أغراض باومل لنتنياهو، وجعله بذلك في موقع من يسارع زعماء الدول العظمى لخدمته في كل وقت، بل ويحللون خفايا قضايا جنود مفقودين منذ عشرات السنين.

ويضيف أن منتقدي نتنياهو يدعون اليوم أنه كان هناك التزام إسرائيلي أخفي عن الجمهور حتى لا يتسبب بأضرار انتخابية قبل الانتخابات في وسط جمهور مصوتي اليمين الذي لا يتحمس لإطلاق سراح أسرى "أمنيين".

من جهته ينفي نتنياهو أمر هذه الصفقة، كما ينفي ذلك الجيش الإسرائيلي الذي كان له دور في العملية الإسرائيلية – الروسية في استعادة رفات باومل. ورغم النفي، بحسب بن كسبيت، فإن حقيقة أن نتنياهو قرر إطلاق سراح أسرى سوريين كبادرة حسنة بعد استعادة رفات باومل، بدون إشراك أي جهة سلطوية أخرى، يشير مرة أخرى إلى تفكك المؤسسات الرسمية وترتيبات السلطة السوية التي كانت متبعة في إسرائيل. ورغم أن القانون يقتضي ذلك في حال إطلاق سراح أسرى، إلا أن نتنياهو لم يقم بإطلاع الوزراء على ذلك، ولم يعقد أي جلسة للمجلس الوزاري المصغر، ولم يجر مشاورات مع أية هيئات دستورية، وإنما طلب سرا مصادقة المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، وبعد ذلك نفذ على عاتقه. وبالنتيجة فإن نتنياهو عرض "البضاعة" التي تلقاها قبل الانتخابات، بينما يكون الثمن الذي سيدفعه لقاء الصفقة بعد الانتخابات.

وكتب بن كسبيت، أنه يتضح من بين السطور حقيقة مفاجئة أخرى، وهي أنه بعد أن اعتبر مسؤولون إسرائيليون كبار الرئيس السوري، في السنوات الأخيرة، كمن أنهى دوره التاريخي، وفقد الشرعية الدولية والأخلاقية ونفذ جرائم إبادة بحق شعبه، يتضح أن إسرائيل قررت تجاوز ذلك، والتعايش مع عودته الكاملة، بل وتدير معه منظومة علاقات سرية بوساطة روسية، تتضمن "بوادر حسنة" وخطوات لبناء الثقة.

وكتب أيضا، أنه رغم أن إسرائيل، بحسب وسائل إعلام أجنبية، تواصل قصف أهداف إيرانية في سورية، يتضح أنه لا يوجد لإسرائيل صراع مباشر مع الرئيس نفسه، وإنما العكس، حيث أن مسؤولين إسرائيليين كثيرين أوضحوا في السنتين الأخيرتين أن الأسد يدرك أن لديه ما يخسره من التواجد الإيراني في بلاده والذي يوافق عليه مرغما، بينما تجبي إسرائيل منه ثمنا لا يسر لدفعه. ويتساءل بن كسبيت، في هذا السياق، "هل يعقل أن تكون صفقات استعادة الرفات مقابل أسرى بهدف تجنيد الأسد للانتقال من المعسكر الإيراني إلى المعسكر الإسرائيلي، بتشجيع روسي؟.. ستبدي ذلك الأيام"، على حد تعبيره.

إلى ذلك، أشار إلى أن زخاريا باومل هو جندي في سلاح المدرعات، وقد اعتبر في عداد المفقودين بعد معركة السلطان يعقوب الدامية قبل 37 عاما، بين الجيش الإسرائيلي والجيش السوري. كما أعلن عن جنديين آخرين في المدرعات، يهودا كاتس وتسفي فيلدمان،  كمفقودين. وواصلت إسرائيل مساعي البحث عن ثلاثتهم عشرات السنوات.

ويشير في هذا السياق إلى أنه جرت عمليات تفتيش، في الماضي، في مقابر كثيرة في سورية، بموجب معلومات استخبارية، ولكن النتائج لم تتوافق مع الفحوصات الجينية للجنود الثلاثة.

وتابع أن التدخل الروسي في سورية فتح أمام إسرائيل إمكانيات جديدة، بدأت بالزيارة الأولى لرئيس أركان الجيش السابق، غادي آيزنكوت إلى موسكو عام 2015.

ونقل الموقع عن مصدر أمني إسرائيلي كبير، سابق، قوله "تبين لنا أن الدبابة الإسرائيلية التي تم الاستيلاء عليها في معركة السلطان يعقوب موجودة لدى الروس. وطلبنا استعادتها، وفوجئنا برغبة روسيا للاستجابة لهذا الطلب بدون مقابل". وتم إحضار الدبابة إلى إسرائيل، وعندها أدرك الجيش الإسرائيلي أن موسكو "جاهزة لصفقات أخرى"، وتقرر محاولة "تجنيد" الروس للجهود التي تبذل في البحث عن الجنود المفقودين.

ونقل عن أحد المصادر المطلعة قولها إن الروس عملوا في داخل الأراضي السورية، وفحصوا القبور بموجب معلومات استخبارية إسرائيلية، وأحضرت إلى إسرائيل أجزاء من جثث ومعثورات أخرى ثلاث مرات.

وقال المصدر إنه في المرتين الأولى والثانية لم تكن هناك أية ملاءمة مع مواصفات المفقودين، وفقط في المرة الثالثة حصل ذلك، قبل الانتخابات بأسبوعين.

وبحسب الموقع، فإن مصدرا عسكريا إسرائيليا كبيرا يؤكد أنه "في هذه المرحلة لم يجر الحديث عن أية صفقة، وأن حوار شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية مع نظيرتها الروسية لم يتضمن حديثا عن المقابل، ولم يطلب منا أي مقابل، وإنما فقط ساعدنا الروس في ذلك".

ويشير بن كسبيت إلى أن مصادر أخرى في الأجهزة الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية تدعم هذا الموقف، وأن روسيا سعت إلى "خلق عملية تسخين للعلاقات بين إسرائيل وسورية، ورغبت في تعميق الالتزام الإسرائيلي تجاهها، بدون جباية ثمن صريح". أما مسألة المقابل، فقد طرحت بعد استعادة الرفات (الانتخابات)، حيث طلب بوتين من نتنياهو مساعدته في "تهدئة" الأسد.

وكتب في هذا السياق أنه حتى اللحظة لم يكن يعلم الرئيس السوري أن الاستخبارات الروسية تحفر له في الساحة الخلفية في القبور النائية. وعندها قرر نتنياهو القيام ببادرة حسنة بإطلاق سراح الأسيرين، بينما يقول الروس، بحسب إسرائيل، إنهم "يأملون بتهدئة السوريين، ومواصلة العملية التي تتيح، ربما، إيجاد رفات الجنديين الآخرين".

في المقابل، يشير بن كسبيت، إلى أن المبعوث الروسي إلى سورية، ألكسندر لافرنتييف، "أفسد" هذا الموقف، في مقابلة تلفزيونية مع شبكة "RT" الروسية، حيث قال إن العملية لم تكن من جانب واحد، وإن إسرائيل اتخذت قرارا سيتوجب عليها تنفيذه لاحقا، وهو إطلاق سراح مواطنين سوريين في سجونها، مضيفا أن "هذه العملية ذات مصلحة بالنسبة للجانب السوري".

وهذه التصريحات تتناقض مع الادعاءات الإسرائيلية الرسمية.

وعلى صلة، نقل عن المسؤول عن ملف الجولان في مكتب رئيس الحكومة السورية، مدحت صالح، أنه وجه انتقادات لروسيا على خلفية هوية الأسيرين السوريين الذين تم إطلاق سراحهما، وقال إن إسرائيل "نفذت خدعة" على حساب سورية، وإنه كان يجب أن روسيا أن تطالب بإطلاق سراح أسرى "أمنيين" من الجولان.

يشار إلى أن الأسيرين اللذين أفرجت عنهما إسرائيل هما زيدان طويل وخميس أحمد. وتبين أن زيدان طويل من مواليد عام 1962، من سكان قرية خضر في الجزء المحرر من الجولان، واعتقل في تموز/ يوليو 2008 "بسبب تهريبه المخدرات"، وكان من المتوقع أن يُفرج عنه في تموز/ يوليو المقبل.

أما خميس أحمد فهو من مواليد عام 1984، من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق، وناشط في صفوف حركة فتح، واعتقل في نيسان/ إبريل 2005، "لمحاولته التسلل إلى معسكر للجيش الإسرائيلي وتنفيذ عملية ضد الجنود"، وحوكم بالسجن حتى العام 2023.

 

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية