"الانتخابات الإسرائيلية والسياسة المعاقة"

"الانتخابات الإسرائيلية والسياسة المعاقة"
جلسة التصويت على حل الكنيست (أ ب)

الانتخابات الماضية، وما أعقبها من مفاوضات أجراها بنيامين نتنياهو مع أحزاب اليمين المختلفة لتشكيل الحكومة، ثم المسائل التي أدت إلى تعثرها وفشلها وقرار حل الكنيست والذهاب إلى انتخابات جديدة، كلها قضايا غابت عنها القضية الفلسطينية والعملية السياسية ومسألة التسوية مع الفلسطينيين.

في أيام خلت، كان الخلاف مع أفيغدور ليبرمان يفترض أن يكون حول الانسحاب أو عمق الانسحاب من الضفة الغربية والدولة الفلسطينية الكاملة أو الناقصة، وكانت تحتل هذه القضايا المحور الأساسي في النقاشات الانتخابية الذي دارت رحاها بين اليمين و"اليسار"، أو بين الصقور و"الحمائم" أو بين معسكر الاحتلال والاستيطان وبين ما كان يعرف بـ"معسكر السلام".

ويصح القول في هذا السياق، إن انزياح القضية الفلسطينية عن بساط البحث الإسرائيلي، هو الذي أفسح المجال لاحتلال القضايا الداخلية جدول الأعمال الإسرائيلي، وأن تلك القضايا، ابتداء من صيانة سلطة القانون والحفاظ على مؤسسات الدولة الديمقراطية التي سيطرت على الأجواء الانتخابية في ظل ملفات الفساد المرتبطة بنتنياهو وانتهاء بقانون تجنيد الحريديين، الذي شكل ذريعة استعملها ليبرمان للحيلولة دون تمكين نتنياهو من تشكيل الحكومة، تلك القضايا احتلت الأجندة الانتخابية نتيجة تحييد القضية الفلسطينية ولم تكن هي السبب  في تحييدها.

في هذا السياق، جاءت أيضا مظاهرة تل أبيب، التي دعي إليها وشارك بها أيضا النائب أيمن عودة، محاولة لبناء بديل سياسي يستند إلى قضايا الديمقراطية ومحاربة الفساد، والتي هي بتعبير المؤرخ الإسرائيلي زئيف شطيرنهل، لا تتعدى المفهوم ضمنا، ولا تضع أساسا لبداية حل للمسائل الوجودية لدولة إسرائيل، على حد قوله.

 وهو ينوه إلى أن غرق نتنياهو في ملفاته القضائية، وكذلك الذهاب إلى انتخابات معادة، يجب ألا تغطي على حقيقة أن مستقبل الصهيونية والمجتمع الإسرائيلي سيتم حسمهما بواسطة القرارات المتعلقة بالأراضي المحتلة و"مستقبل علاقاتنا مع الفلسطينيين وراء الخط الأخضر"، على حد تعبيره.

ودعا شطيرنهل في مقال نشرته صحيفة "هآرتس"، في نسختها الورقية التي صدرت اليوم، تحت عنوان "السياسة الإسرائيلية المعاقة"، المعسكر المناهض لنتنياهو، إلى الإقرار بحقيقة أن الحرب ضد نتنياهو هي ليست نضالا ضد إنسان متهم بالفساد فقط، بل وأساسا هي نضال ضد سياسي "قومي متطرف" وزعيم حزب حاكم مدمر.

إنها اللحظة المناسبة لاستخلاص النتائج من الفشل المتوقع سلفا، وفق شطيرنهل، من الحالة المزدوجة التي تعيشها إسرائيل منذ نصف قرن، منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، فهي من جهة ديمقراطية لبرالية تتمتع بجهاز قضائي ورقابة دستورية على تشريعاتها وتحظى بحياة ثقافية غنية ومؤسسات علمية وبحثية بمستوى عالمي، ومن جهة ثانية هي دولة تمارس نظام كولونيالي، هو أقل عنفا من النظام الكولونيالي الفرنسي الذي كان في الجزائر ومن النظام الكولونيالي الذي كان في جنوب أفريقيا، لكنه يستند مع ذلك إلى توطين مواطنيها في ظروف أبرتهايد في منطقة محتلة وتحت سيطرة الجيش، وعلى سلب أراضي الفلسطينيين وقمع حقهم في الاستقلال.

ويشير شطيرنهل إلى أن إسرائيل بررت هذا الوضع أمام أميركا وأوروبا قبل أن تسقط الأولى بأيدي ترامب، والثانية بأيدي اليمين الجديد، بأنه طارئ ومؤقت إلى حين يستجيب الفلسطينيين لـ"طموحات السلام" الإسرائيلية، أو حتى يقروا بهزيمتهم التاريخية، بالمقابل طورت تجاه الداخل الإسرائيلي إحساسا بأن نظام القمع، "الاحتلال الإنساني"، "لا يخص حياتنا لأنه يقع خلف جبال الظلام".

وحول تعمق وشائج الارتباط بين الاحتلال والاستيطان، وتفاقم مظاهر الفساد الداخلي وتقليص مساحة الديمقراطية، يقول شطيرنهل، إنه في عهد نتنياهو حدث أمرين، الأول هو انقشاع ذريعة "الوضع الطارئ" وتحول المؤقت إلى دائم، والثاني هو جسر الهوة الفاصلة بين إسرائيل التي تتمسك بالمبادئ الأساسية للديمقراطية الغربية، وبين إسرائيل التي تتبنى أنماط تفكير وسلوك "دولة المستوطنين".

واليوم، يتحول المشهد الذي حذر منه الكثيرون إلى واقع فعلي، كما يقول، من أن "الفساد لا بد له أن يزحف إلى داخل الخط الأخضر، وهو ما حدث مع تشريع قانون القومية، وتواصل وعود نتنياهو بضم المناطق التي يسيطر عليها المستوطنين بشكل رسمي، وتقطيع الضفة الغربية، وتحويلها إلى جيوب متناثرة".

أعمى من لا يدرك أن كارهي حقوق الإنسان والقيم الإنسانية، علمانيين ومتدينين، وعنصريين على أنواعهم، من حاخامات مدارس المستوطنين الدينية هم من صناعة الاحتلال، وأن ظواهر مخيفة مثل ياريف ليفين، أييليت شاكيد، ميكي زوهر وأمير أوحانا، لم تكن ممكنة قبل 20 سنة وأقل.

ويخلص شطيرنهل إلى نتيجة مفادها أن حماية الديمقراطية لا تمر عبر التصدي لمحاولات تقليص صلاحيات المحكمة العليا فقط، بل من خلال التخلص من ربطة العنق الخانقة لـ"لقومية المتطرفة والعنيفة" التي تعيدنا الى أوروبا النصف الأول من القرن التاسع عشر، وأن "القومية الاستيطانية" ليست قدرا من السماء و"الصهيونية الدينية" لا تعني بالضرورة تبني أيديلوجية حاخامات وسياسيين يقومون بتحويل اليهودية إلى نظرية عرق.